خطبة حول الهجرة النبوية «التضحية والفداء»

تحت عنوان: التضحية والفداء. أتيناكم ومعنا خطبة حول الهجرة النبوية؛ للشيخ الشحات السيد عزازى؛ جزاه الله خيرا.

بالطَّبع، الخطبة مكتوبة ومُنسَّقة لتكون مرجعا لكل إمام وخطيب يريد الحديث عن هذه الحادثة العظيمة في التاريخ الإسلامي الكبير.

مقدمة الخطبة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بحمده تتم الصالحات وتفيض، وبشكره تكثر النعم وتزيد، وبفضله تتنزل الرحمات على العبيد.

الأمر أمره، والملك ملكه، والحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، والكل عباده، لا يخرج شيء عن سلطانه.

وأصلي وأسلم على النبي الأكرم والرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آلة وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى

أما بعد؛ قال المهاجرون لما أسلم سلمان الفارسي قالوا: سلمان منا فقد وفد عليكم، وقال الأنصار: بل سلمان منا فقد استقبلكم، فقام الحبيب ﷺ وقال «سلمان منا أهل البيت»، فقال له عمر: أي سلمان فزت بالحظ العظيم فأخبرنا كيف انتقلت من فارس إلى هنا؟

قصة إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي

قال سلمان الفارسي: إن الله لما قذف الهداية في قلبي أنفت أن أعبد النار التي يعبدها قومي ويخدمها من بين الناس أبي فنزل بنا قوم من أهل الكتاب فأعجبني حسن سمتِهم فصحبتهم، ورأيت عجائب أدبهم فأحببتهم فخالطتهم بكريم أخلاقهم فأردت أن أتبع دينهم فصحبوني معهم.

فلما نزلوا بلاد الشام كنت أريد أن أتعلم الخير الذي أنتم فيه، قالوا: إنما نحن تجار وإنما يعرفُ الأديان أربابها، فأنزل على هذا الراهب في هذه الصومعة فنزلت عليه فوجدته كما قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

ومن هنا اعلم أخي الكريم أن من يعمل لله لا ينبغي أن يعمل لأحد سواه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾.

أعظم حب حب الله ﷻ

يا من آمنتم بالله ربا خالقا، وخضعتم لله حاكمًا رازقا، خضعت القلوب فسلمت، وخضعت القوالب فأذعنت، وتفكرت العقول فأيقنت، وخضعت القلوب فامتلأت بالأنوار، فلما امتلأت بالأنوار أهلا لتجلي العزيز الغفار.

ترى الصغير فيهم كبير، وترى القليل منهم كثير، أعطاهم الله ما أراد فسلموا لله في المراد وأخذ منهم ما أراد، فرضوا عن الله فيما أراد.

فقد قال العلماء: إذا أخذ منك ما تحب فإنما ليعطيك ما يُحب، وإذا فرّغك مما تحب فإنما ليشغلك بما يحب.

ففرق بين المحب والمحبوب، وبين الطالب والمطلوب، قارئنا الكريم يقول في نهايات التلاوة قبل الختام ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ | وَطُورِ سِينِينَ | وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾

عند والزيتون تنزل الإنجيل، وعلى طور سنين كان الكليم، وفي البلد الأمين نبت خير المرسلين.

انظر أخي الحبيب؛ محب ومحبوب، وطالب ومطلوب، عنّت لأحد الفقراء حاجة، فكلم من يظن فيه الولاية.

فقال: شيخي فعلوا وفعلوا.

قال: ولدي أنت محبوب من أهل البيت.

قال: يا سيدي قل محب لأهل البيت.

قال: أو لا تعرف الفرق بين المحب والمحبوب؟

قال: علمني.

قال: المحب يبكي ويتذلل، والمحبوب يطلب ويتدلل. المحب يبكي ويتذلل ليفوز بنظرة من الحبيب، والمحبوب يطلب ويتدلل لأنه بعين الحبيب ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، قال الله -عز وجل- يا موسى أقم الأدب حتى عنك أرضى. والحبيب في حضرة القدس يقول له ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.

انظر إلى ربي وربك ورب العالمين يقول ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، إن توليتم عن الطاعة جاء العذاب بعد النكوص عن الطاعة. فلما جاء إلى الحبيب لم يقل إلا تنصروه ينصره الله.

ولكم هنا كذلك: خطبة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين؛ والعاقبة لعباد الله المتثين، ولا عدوان إلا على أعداء الله الظالمين.

إلا تنصروه فقد نصره الله

عباد الله؛ انظر إلى الفارق بين المحب والمحبوب؛ المحب ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، أما المحبوب ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ لا ينتظر منكم نصر.

﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ ويستبدل، بعد أن تتخلفوا وبعد أن تتراجعوا، وبعد أن تهنوا، وبعد أن تذلوا، وبعد أن يقيم عليكم الحجة ويقطع عنكم الأعذار يأتي من الله الاستبدال.

أما الحبيب فإلا تنصروه فليس محتاجًا إلى نصركم فقد نصره الله قبل أن يوجدكم، نصره على الدنيا قبل أن يوجد الدنيا، ونصره بالدنيا بعد أن أوجد الدنيا، وينصره على كل الدنيا حين يشفع أمام الله في الدنيا ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾.

ما بعد الهجرة النبوية

كان هذا في السنة العاشرة بعد الهجرة المباركة بعشر سنوات كاملة، يعدد الله- عز وجل- عليهم النعم ومن تمام نعمة الله أن فيكم رسول الله أمام من عذاب الله فإن تخلفتم عن رسول الله فإن الله هو مولاه ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾.

ينظر بالعين الحبيب إلى البلد الحبيب ليودعها بدمعٍ حزين وقلبٍ من الهموم كثير فيطلع العزيز الخبير فيقول أي حبيبي تركت الذي تحب من أجلي وعزتي وجلال ما دمت تركت حرما لاؤينك إلى حرم، تركت ما حرّم الخليل فأودعك فيما حرمت أنت.

من ترك شيئا لله عوضه الله خير منه

من ترك شيئا لله عوضه الله ما هو خير منه. يترك الحبيب مكة لله فيعيده إليها الله كأنه يقول له: ما دمت تركتها من أجلي وعزتي وجلالي لأعوضنك عنها فأعيدك إليها وأعطيك المدينة عليها علاوة.

كل نبي له أمة ورسالة، ومنهم من له كتاب ومنهم من ليس له كتاب، ونبينا ﷺ له أمة ورسالة وكتاب وقبلة وقبر ومدينة. عطاء من الله عظيم.

وهنا نوصيكم بالاطلاع على: خطبة «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» بمناسبة الهجرة النبوية

“الصحبة يا رسول الله” الصديق رفيقاً في الهجرة

يدخل الحبيب ﷺ على الصديق ويقول له «أذن لي في الهجرة يا أبا بكر»، فيرد أبا بكر: الصحبة يا رسول الله.

قال رسول الله ﷺ «الصحبة»، فيبكي أبو بكر من شدة الحب لرسول الله.

تقول أمنا عائشة: فما شعرت أن أحدًا يبكي من شدة الفرح ما رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من شدة الفرح.

على حد قول من قال: دخل السرور علي حتى أنه من فرط ما قد سرني أبكاني، فعجبت لك يا عين تبكين في فرح وفي أحزاني.

يخرج الحبيب مع الحبيب ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، إذ هما؛ صاحبٌ وصاحبه، حبيب ومحبة.

فهنا الصديق في النبي فنسي نفسه وذكر النبي، فلما غاب في حضرة النبي ذُكر إذا ذكر النبي فليس الدنيا إلا صديق في حضرة النبي.

محبة أبي بكر لرسول الله

أنظر إليه حين دخل الغار قال: قف يا رسول الله على الباب أتحسس لك الغار، «لِما يا أبا بكر؟».

قال أبا بكر: لعل سبعًا أو وحشا آوى إليه فيدخل الصديق في ظلمة الليل في أواخر الشق، في شدة ظلمة الليل يتحسس الغار ويُمهد المكان.

أدخل يا رسول الله، فدخل الحبيب بالأنوار فملأت الأنوار الغار، فإذا بالثقوب في الحوائط كثار، فنام الحبيب على فخذ الصديق وجعل الصديق يسد الثقوب بقميص كان عليه على شدة البرد الذي هو فيه، فنفذ القميص وبقي ثقب فوضع أبو بكر عقبه فيه فإذا بحية أو عقربٍ فيه تلسع الصديق في عقبه ولا يتحرك لمكان النبي على قدمه، فاشتد الألم على قلبه فسال الدمع على خده، فنزل على وجنة حبه فاستيقظ من نومه «ألُسعت يا أبا بكر»، قال: كُلي فداك يا رسول الله.

فيمسح النبي بريقه على قدم الحبيب، وريق الحبيب طب وطيب، فكأنه لم يصبه شيء.

قال أهل المكاشفة: الصديق في حضرة النبي ويؤذى؟، قالوا: إنها شكت إلى ربها، قالت: يا رب ومتى أرى الحبيب في غير هذا المكان؟ فأذن لي يا ربي أن أراه، فأذن الله لها أن ترى، فإذا بعقب الصديق في الطريق فلسعت لسعاً خفيفا حتى يزيح قدمه، حتى ترى نور الطلعة البهية.

فلما طلع النهار إذا بالصديق وليس عليه إلا إزار، فينظر النبي إليه «أين ذهب قميصك يا أبا بكر؟»، قال: سددت به الثقوب يا رسول الله، قال «والبرد يا أبا بكر»، قال: نفسي فداك يا رسول الله، فرفع النبي يده إلى السماء وقال «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة».


خطبة حول الهجرة النبوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: