خطبة الجمعة القادمة: حق الوطن والشهادة في سبيله “مكتوبة”

حدَّدت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة؛ والذي جاء بعنوان: حق الوطن والشهادة في سبيله. وذلِك لما وَرَد في موقع أوقاف أون لاين.

وهنا ننشُر لكم نص الخطبة الرسمية التي أوردتها الوزارة عبر الموقع في ملف PDF. وللتيسير وتسهيل الأمر عليكم سنطرحه لكم هنا مكتوب.

حق الوطن والشهادة في سبيله

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ~ الآية ١٥٤ – من سورة البقرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، القائل: (من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)؛ اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فإن الشهادة في سبيل الله (عز وجل) تظل متفردة عن غيرها من المكارم والمعالي التي ينالها أهل الطاعات؛ ذلك أنه لا يجود بنفسه إلا عظيم، يعلم أنه يقدم على عمل عظيم، يستحق أن يضحي بحياته لأجله، ولعظم أمر الشهادة وعلو قدرها ومنزلتها كانت مقاما لا يبلغه كل أحد؛ إذ هي اجتباء واصطفاء من الله تعالى، حيث يقول سبحانه: “وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” ~ الآية ١٤٠ – من سورة آل عمران.

ولا شك أن هناك فرقا كبيرا بين الشهادة من أجل الحق، والموت من أجل الباطل؛ فالشهيد الحق هو من عرف الحق، وأخلص له، وضحى من أجله، وبذل روحه في سبيل دينه، وفي سبيل وطنه، وفي سبيل عرضه وماله وكرامته، فقد جاء رجل إلى رسول الله (ﷺ)، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (لا تعطه مالك)، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد)، قال: أرأيت إن قتله؟ قال: (هو في النار).

إن الشهيد الحق هو من مات دفاعا عن أرضه، وعرضه، ووطنه، وماله، حيث يقول نبينا (ﷺ): (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمه، أو دون دينه، فهو شهيد).

وقد أعد الله سبحانه للشهداء أرفع المنازل، وأعلى الدرجات؛ فهم في صحبة الأنبياء والصديقين والصالحين، حيث يقول تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا} الآية رقم (٦٩) – من سورة النساء، ويقول سبحانه: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ} ~ الآية ١٩ من سورة الحديد، ولا أدل على عظم منزلة الشهادة من أن النبي (ﷺ) تمناها مرات عديدة، حيث يقول (ﷺ): (والذي نفسي بيده لوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أُقتل).

ويقول (ﷺ): (ما أحد يدخل الجنة يحِب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة).

ولقد بشر نبينا (ﷺ) أسر الشهداء بالمنزلة العظيمة لذويهم عند الله تعالى، ومطمئنا نفوسهم وقلوبهم، ومن ذلك بشارة نبينا (ﷺ) لسيدنا جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) بمنزلة أبيه في الجنة بعد استشهاده، حيث قال له (ﷺ): (أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟)، قال: بلى يا رسول الله، قال: ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا) – أي: مواجهة – فقال: (يا عبدي تمنَّ عليّ أعطك)، قال: يا رب تُحييني، فأُقتل فيك ثانية، قال الرب (عز وجل): (إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون).

وحين قالت أم حارثة بن سُراقة لرسول الله (ﷺ): ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء – وكان قُتِلَ يوم بدر – قال لها (ﷺ): (يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى).

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد (ﷺ)، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إذا كان شهداؤنا الأبطال قد ضحوا في سبيل وطنهم بأرواحهم ودمائهم وأنفسهم، فإن للوطن على كل منا حقا ينبغي الوفاء به؛ ومن أهم حقوق الوطن: حسن الولاء له، والانتماء إليه، والاعتزاز به، والحفاظ عليه، وغل يد العابثين والمفسدين عنه، وإتقان العمل والاجتهاد فيه، وبذل الوسع لرفع رايته عالية في المحافل الدولية، من خلال إتقان كل ما ينسب إليه أو يخرج منه، زراعة أو تجارة أو صناعة أو علما أو ثقافة، بحيث يصبح كل مواطن عنوانا عظيما لبلده وسفيرا له، سواء بما ينتج في الداخل أو بما يصدره أو يمثله في الخارج.

وكل منا على ثغر من ثغور الوطن، فليعمل كل منا على الوفاء بواجبه تجاه وطنه طبيبا كان أم معلما، زارِعًا كان أم صانِعًا، فالوطن لكل أبنائه وهو بهم جميعا.

اللهم ارحم شهداءنا، وبلغنا منازل الشهداء، واحفظ مصرنا، وسائر بلاد العالمين.

أضف تعليق