خطبة الجمعة بعنوان: رحلة إلى الوطن — للأئمة والخطباء الباحثين عن التميز

وهنا نُكمِل سلاسل الخُطَب المنبريَّة ليوم الجمعة عن الأوطان؛ وها هي بين أيديكم خطبة: رحلة إلى الوطن. نتناول من خلالها الكثير من النقاط والعناصر حول هذا الموضوع. نتمنَّى أن تجدوا هنا ما يُثري عقولكم وذاكِرتكم حول هذا العنوان.

مقدمة الخطبة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئا مما أمر به إلا بلغه.

فتح الله به أعيناً عُمياً وأذاناً صُماً وقلوباً غُلفا، وهدى الناس من الضلالة ونجاهم من الجهالة وبصرهم من العمى وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.

الخطبة الأولى

أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما.

محبة الأوطان فطرة وغريزة في النفوس

أما بعد أيها المسلمون عباد الله فمن سنة الله -عز وجل- في خلقه أنه جبل النفوس على محبة الأوطان، كل نفس إنسانية مجبولة على الحنين إلى الوطن والشوق إليه والرغبة في سكناه.

لا يستثنى من ذلك نبي مرسل ولا ولي مقرب فهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها.

حب النبي لوطنه

كثيرٌ من الدلائل في حب الوطن في القرآن والسنة. ومن دلائل حب الأنبياء للوطن رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- يخرج من مكة بعد أن ضيق عليه فيها يخرج إلى الله مهاجراً، وما كان في مكة شيء يجذب إليها السائحين لا منظر جميل ولا هواء عليل ولا ماء سلسبيل؛ بل كانت أرضاً قفراً حارة الهواء وعرة التضاريس؛ ومع ذلك ينظر إليها صلوات ربي وسلامه عليه نظرة المشتاق الولهان؛ وانظر ماذا قال الرسول عند خروجه من مكة (والله إنك لأحب البلاد إلي ولولا أن قومكِ أخرجوني ما خرج). فما أصعب من وداع الرسول لمكة! فينزل عليه قول ربنا -جل جلاله- (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) يبشره سبحانه بأنه سيرجع إليها فاتحاً ظافراً منتصراً.

وقد تحقق وعد الله بعد ثمانِ سنين، رجع صلوات ربي وسلامه عليه في جيشاً يسيرُ كالسيل لا يعرف أوله من آخره. دخلها صلوات ربي وسلامه عليه مطأطأ الراس متواضعاً لربه، وقد مكنه الله- عز وجل- من أعدائه.

حب سيدنا موسى لوطنه

وأكبر دليل على حب الوطن هو نبي الله موسى -صلوات الله وسلامه عليه- موسى الذين نتذاكر سيرته في مثل هذه الأيام من شهر الله المحرم يخرج من بلده التي نشأ وولد بها وترعرع بين ربوعها، يخرج من مصر خائفاً يترقب، وقد تربص به فرعون وجنوده يريدون البطش به والاعتداء عليه. خرج -صلوات الله وسلامه عليه- ومكث فترة الاغتراب 10 سنين يرعى الغنم، أوى إلى ذلك الرجل الصالح الذي أكرمه وزجه من ابنته، (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ۚ ستجدني إن شاء الله من الصالحين | قال ذلك بيني وبينك ۖ أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل).

مرت به الأعوام؛ عاماً تلو عام لما أتم 10 سنين حنّ إلى بلده، أشتاق إلى وطنه، إلى أهله فحمل أهله ومتاعه وتوجه إلى تلك البلد رغم علمه بأن الحاكمين فيها والمتحكمين في رقاب أهلها هم له أعداء، ومع ذلك غلب عليه حب الوطن وكان من قدر الله ما كان.

يقول الله -عز وجل- (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما اتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين، وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين).

الله أكبر؛ أراد موسى أمراً وأراد الله غيره أراد أن يرجع إلى وطنه، أراد أن يزور أهله من أجل أن يجدد العهد مع رحمِه لكن الله -عز وجل- اصطفاه واجتباه اختاره على الناس في ذلك الزمان، واصطفاه لرسالته؛ (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى وألقيت عليك محبة مني).

-سبحان الله- لو كان الإنسان في طريق ما فكلمه كبير من الكبراء أو عظيم من العظماء فإن ذلك يدخل السرور عليه، يشعره بالأمان لكن موسى -عليه السلام- ما خطر بباله أن يُكلمه ملك الملوك جبار السماوات والأرض من يقول للشيء كن فيكون يخاطبه هكذا بغير واسطة يقول له (إنني أنا الله رب العالمين).

يخاطبه ويأمره بأن يتوجه إلى ذلك العدو اللدود إلى ذلك الجبار الغشوم، إلى ذلك الشيطان الرجيم الذي قال: أنا ربكم الأعلى، الذي قال: ما علمت لكم من إله غيري، الذي قال: ما أريكم إلا ما أرى.

سبحان الله تكليف ما أصعبه، ما أشقه على النفس، لكن الله جل جلاله يُري موسى تلك الآيات من أجل أن يطمئن قلبه وينشرح صدره. يأمره بأن يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء من غير مرض ولا برص من غير بهق من غير داء. يأمره -جل جلاله- أن يُلقي عصاه فإذا هي حية تسعى يريه الله -عز وجل- آياته.

موسى -عليه السلام- قام بأمر الله خير قيام لكنه يعلم أن ذلك الجبار الغشوم بينه وبينه عداوة مستحكمة ثأر قديم، ولذلك موسى -عليه السلام- طلب من الله جملة من الأمور لخصها ربنا في قوله على لسان موسى (ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قوله واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا) وفي قوله جل جلاله (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون).

هذه هي مطالب موسى -عليه السلام- ما طلب من الله مالاً ولا طلب من الله جاه، وإنما يريد تلك المعينات في أمر الدعوة يُريد تثبيت الفؤاد، يريد وضوح الحجة، فلذلك يطلب أن يُعينه الله بهارون مؤنساً ووزيرا يؤازره؛ لأنه أفصح منه لسانا.

الله -جل جلاله- (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)؛ (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون).

طمأن الله موسى -عليه السلام- بأنه غالب بأنه ظافر بأنه منتصر بأنه ظاهر وأن عدوه هو المكبوت، بأن عدوه هو المهزوم وأن حجته هي الداحضة. (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى).

معالم الدعوة إلى الله

ذهب صلوات ربي وسلامه عليه، دعاء إلى الله، وكان من أمر الله ما كان لكن ها هنا معالم أيها المسلمون عباد الله لا بد من أن يتبينها الدعاة إلى الله وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- كلهم يدعو إلى الله.

أول هذه المعالم؛ المسارعة في تنفيذ أمر الله -عز وجل- (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) قال ابن عباس: ولا تبطئا ولا تتأخرا. المصارع في تنفيذ أمر الله -عز وجل-.

ثانياً: الداعية إلى الله -عز وجل- لا يخاف (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى).

وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمانُ. ولذلك ذهب موسى -عليه السلام- رابط الجأش مطمئن القلب ثابت الخطى، لأنه علم أن الله معه، ومن كان الله معه فلا يفوته شيء.

ثالثاً: من معالم الدعوة إلى الله اللين في القول؛ موسى -عليه السلام- إذ ذاك هو خير الناس وفرعون هو شر الناس، ومع ذلك يأمره الله -عز وجل- بأن يلين في القول، بأن يترفق في العرض، فما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه، (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى) قولاً ليناً مع شر خلق الله، قولاً ليناً مع من قال أنا ربكم الأعلى فما بالكم إذا دعونا من يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول.

إذا دعونا من يحب الله ورسوله لكنه أتى منكراً من المنكرات، اقترف جريمة من الجرائم، وقع في شيء من التقصير، جهل أمراً من أمور الدين. واجب علينا أن نلين معه، وهذا هو توجيه ربنا لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).

فاللين مطلوب مع من انحرف، اللين مطلوب مع من عصى، الليل مطلوب مع من وقع في شيء من المنكرات، أو اقترف شيء من السيئات، اللين مطلوب في ذلك كله. معلم من معالم الدعوة إلى الله.

رابعا: أيها المسلمون عباد الله من يدعو إلى الله ليس حريصاً على أن يهلك الناس، ليس حريصا على أن يموت الناس على الكفر، بل ويعلم أن الخلق خلق الله، وأن الأمر أمر الله، وأن القلوب بيد الله، من شاء الله أقامه، ومن شاء الله أزاغه. قال -تعالى- في الآية القرآنية (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون).

الداعية إلى الله يبلغ رسالة الله، ويرجو للخلق الهداية، لكنه بعد ذلك يفوض الأمر إلى الله، ليس لك من الأمر شيء، فهداية الخلق بيد الله لا بيدك، من الله لا منك، بأمر الله لا بأمرك.

خامساً: هو على يقين أن الصادين عن سبيل الله، المكذبين برسل الله، المعادين لأولياء الله، المحاربين لشرع الله عاقبتهم وخيمة، مآلهم عبرة للمعتبرين.

قال الله عن فرعون (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى)؛ (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إلٰه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين).

(قال الله -عز وجل- الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) هذه هي عاقبة ذلك اللئيم الذي تمرد على الله -عز وجل- وعصى رسل الله واتبع أمر كل جبار عنيد.

وهي عاقبة من قبله (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).

الذي يدعو الناس إلى الله -عز وجل- وغايته هلاكهم فهو الهالك. من قال هلك الناس فهو أهلكُهم أو فهو أهلكَهم كان سببا في هلاكهم.

الداعية إلى الله يدعو الناس إلى الخير ويدعوا الله -عز وجل- لهم بأن يشرح صدورهم مثل ما كان يصنع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو عمر إلى الله ويدعو الله أن يهدي عمر.

اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب هكذا كان يقول صلوات ربي وسلامه عليه (يقول اللهم اهد ثقيفا وأتي بها) يأتيه أبا هريرة يشكو إليه أن أمه تسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقول -عليه الصلاة والسلام- اللهم اهد أم أبي هريرة. هذا هو ديننا وهذه دعوتنا التي نتعلمها من أنبياء الله ورسله.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا الاقتداء بهم والسير على نهجهم، وأن يجعلنا من الدعاة إليه على بصيرة وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين سلماً لأوليائه وحربا لأعدائه نحب بحبه من أطاعه من خلقه ونعادي بعداوته من خالفه. توبوا إلى الله واستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله النبي الأمين بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وآل كل وصحب كل أجمعين.

وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يستجيب دعائنا.

الدعاء

  • اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان.
  • اللهم ثبت أقدامهم وقوي شوكتهم واجمع كلمتهم وسدد رميتهم وانصرهم على من عاداك وعاداهم.
  • اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعز فيه وليك ويُذل فيه عدوك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
  • اللهم انصر إخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم انصرهم نصرا عزيزا وافتح لهم فتحا قريبا.
  • اللهم إنا نسألك أن تفرج همومنا وأن تُنفس كروبنا، وأن تغفر ذنوبنا وأن تطهر قلوبنا وأن تُصلح أحوالنا وأن تُبلغنا آمالنا وأن تختم بالباقيات الصالحات أعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
  • اللهم اجعل ثوابنا من مجلسنا هذا أي قال لنا قوموا مغفورا لكم قد بُدلت سيئاتكم حسنات.
  • اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا ولسائر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
  • ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
  • اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

تفاصيل الخطبة

  • عنوان الخطبة: رحلة إلى الوطن. وقد يُمكن عنونتها -أيضًا- بـ: حب الوطن – حق الوطن.
  • للشيخ: د. عبدالحي يوسف.
  • الوصف: خطبة مكتوبة عن الوطن؛ مشتملة على آيات قرآنية وأحاديث نبوية وقصص من التاريخ الإسلامي يدعم موضوع الخطبة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: