معا ضد التسول.. خطبة بليغة قصيرة

ومع تفحّش هذه الظاهرة، أعددنا لكم اليوم خطبة بليغة قصيرة بعنوان: معا ضد التسول. وهي المُكَمّلة لما بدأناه من قبل في طرحنا لخطب مكتوبة حول ظاهرة التسوّل. وسوف نضع لكم روابط لهذه الخُطَب خلال هذه الصفحة، لتقوموا بتحضير خطبة في قِمَّة البلاغة والدقة.

معا ضد التسول , خطبة بليغة قصيرة

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، مثيب العاملين المخلصين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المؤمنين، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، أكرم المرسلين وخير المربين، ﷺ، وعلى آله وصحبه وأتباعه المجدين المجتهدين.

أما بعد، فاتقوا الله – عباد الله -، واعلموا أنه ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون: إن الإسلام دين يبث في قلوب الناس روح العمل، وكم سمعنا من قول ربنا تبارك وتعالى ما يدعو إلى العمل، وكم تكررت مادة العمل في القرآن الكريم؛ ليرشدنا ذلك كله إلى أن هذا الدين دين عمل وإنتاج، بل إن العمل المطلوب من المؤمن هو العمل المتقن؛ لأن العمل لله، ومن عمل لله قدم عمله في أتم صورة؛ لينال به أعلى الدرجات عند الله، وكل عمل لله يجد الإنسان ثوابه عند الله ولو كان صغيرا، وكل عمل شر يجد جزاءه ولو كان صغيرا إلا أن يتوب، ولقد اختصر القرآن الكريم هذه المعاني كلها في آيتين ذواتي كلمات معدودة؛ فقال لنا ربنا ﷻ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، إنه نداء وأي نداء! إنه نداء الله للمؤمنين والمؤمنات، وقد ذكر الله بعد ذلك النداء أوامر بأعمال خاصة وأعمال عامة، فقد أمرنا بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير، وما العاقبة؟ العاقبة الفلاح في الدنيا والآخرة، وماذا بعد الفلاح في الدنيا والآخرة! ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

أتدري أيها المؤمن أن خروجك إلى عملك من فعل الخير! أتدري أن سعيك في طلب الرزق لك ولمن تعول من فعل الخير! أتدري أن بيعك وشراءك وأخذك وعطاءك من فعل الخير! أتدري أن عملك في مزرعتك وفي محلك وفي السوق وفي بيتك من فعل الخير! أتدري أن قيامك بعملك خير قيام وحملك لأمانة ذلك العمل على ما يجب من فعل الخير!

وما أعظم فرح المؤمنين والمؤمنات بفوزهم يوم يجدون أجور أعمالهم عند الله، فيرتفعون بذلك درجات؛ وقد تحقق لهم قول الله ﷻ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، نعم، ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

عباد الله: من يسير عكس هذا الطريق تاركا العمل، يسير في طريق لا يحبه الله ورسوله؛ فإن الله يحب العمل ويحب العاملين، وقد كره النبي ﷺ عمل ذلك الذي يطوف على الناس يسأل هذا ويسأل ذاك وهو قادر على العمل، حتى قال النبي ﷺ فيه قولا يدل على عدم رضى الله عنه، وكيف يرضى الله عمن يأخذ أموال الناس بحجة الحاجة ممتهنا التسول وهو قادر على العمل!

أتدرون ماذا قال فيه النبي ﷺ؟ «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم» نعم «حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم»، إذ يأتي ساقط القدر خسيس المنزلة ذليلا من فعله الشائن، ومن سؤال الناس من غير حاجة جامعا للمال من غير حله وهو قادر على العمل.

وانظروا – أيها المؤمنون – في تنبيه النبي ﷺ على تحول هذا الفعل إلى عادة؛ فتجده يطلب وهو مستحي في المرة الأولى، ويكون أقل حياء في المرة الثانية؛ حتى يتلاشى الحياء منه شيئا فشيئا؛ فتجده يتسول من غير حياء في مجامع الناس ومساجدهم، ويطرق عليهم أبواب بيوتهم، ويقف على أبواب سياراتهم، وعند المحلات والمطاعم، ممثلا دور مسكين أو فقير أو مريض يحمل تقاريره الطبية المكذوبة غالبا في جيبه أو حقيبته، وأحيانا يمثل دور المدين الذي غرق في الديون متظاهرا بالبكاء، وأحيانا يحمل طفلا يتقن التمثيل مثله على أنه مريض بمرض عضال، يفعل ذلك كله وأكثر استعطافا للناس؛ فيقوم من يقوم منهم ويأخذون يكدسون الأموال بين يديه ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.

وغاب عن ذهن ذلك المعطي أنه أعطى من لا يستحق غالبا، وإن كان يستحق فإن إعطاءه في حال تسوله خطأ كبير، وكان الواجب أن يسأل عن حاله، وأن ينتشله من مرض التسول المعدي الذي أخذ ينتشر في المجتمعات، وكيف لا ينتشر وهو سبيل سهل لا جهد فيه لكسب المال الوافر!

فقد أخذ هذا ينظر إلى هذا والأموال تكدس بين يديه؛ فسلك طريقه ومضى على منهاجه، وقد أسهم ذلك المعطي من حيث لا يشعر في انتشار مرض التسول وزيادة المتسولين، فوقع في الحرج، وقد قال النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمتأثل مالا».

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم، إنه هو البر الكريم.

وهنا نجِد أيضًا: خطبة عن مسألة الناس وظاهرة التسول

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه وأتباعه المحسنين.

أما بعد، فاتقوا الله – عباد الله -، واعلموا أنه لو كان إعطاء المتسول القادر على العمل صوابا لما حث النبي ﷺ ذلك الشاب -الذي جاء يسأله- على العمل؛ فقد جاءه شاب يسأله، فلم يعطه النبي ﷺ، بل حثه على العمل وقال له: «والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه»، فكيف بالإنسان يترك الخير ويأتي الشر!

وليعلم الذين يعطون من غير تبين أنهم يربون جيلا لا ينتج، بل يسلك مثل هذه المسالك الملتوية لكسب المال بالكذب والتدليس، وكم تحول ذلك المتسول الوديع ظاهرا في كثير من الأحيان إلى لص محترف؛ فسرق محفظة من كان يريد أن يعطيه، وقد يدفعه ويسقط على الأرض، وقد يفعل به ما هو أكبر من ذلك إن لم يدفع له كل ما عنده أو يحول له إلى حسابه، بل هناك من طرق الباب طالبا شيئا من الطعام ظاهرا، فإذا به ينقلب إلى وحش كاسر ينزع الصيغة من يد طفلة أو عنقها أو أذنها، أو يهدد من في البيت بسلاح في يده ليدفعوا له كل ما عندهم أو يعتدي عليهم، وقد يدفعه إلى ذلك إدمان على مسكر أو مخدر يريد أن يحصل عليه بأي وسيلة؛ ليكون ذلك المعطي عونا له على إدمانه والعياذ بالله.

والصدقة إنما تكون لمن نعلم أنه من الأصناف الثمانية التي ذكرها الله ﷻ في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

هذا، وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

ختامًا.. سنترككم الآن مع مقترحنا الأخير؛ وهو خطبة جمعة مكتوبة عن التسول.. وكيف تناول الإسلام هذه الظاهرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى