خطبة الدين يسر — مكتوبة كاملة

خطبة الدين يسر — مكتوبة كاملة

لأهميّتا، وحيويَّة محتواها، وخطورة موضوعها؛ أتيناكم اليوم بخطبة جمعة مكتوبة، كاملة؛ تحت عنوان: الدين يسر. وهي التي تناول فيها الشَّيخ الخطيب هذا الأمر، وحذَّر من خطورة الغلو في الدين.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله ﷻ حق التقوى؛ فإن الله ﷻ أمر العباد بالتقوى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله﴾ [النساء: ۱۳۱]، وتقوى الله ﷻ هي المنجى والمخرج من كل بلاء وفتنة وشرّ وهول في الدنيا والآخرة.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون يقول ربنا ﷻ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال ﷻ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. فالله سبحانه وبحمده شع لهذه الأمة ما يسلّمها من كل آفة، فجاءت هذه الشريعة المحكمة المتقنة من لدن حكيم خبير عالم بما يصلح العباد في دينهم ودنياهم، جاءت على أكمل وأبهى الصور، ليس فيها نقص ولا خلل، يقول ربنا ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

وهذا الدين القويم دين جعله الله ﷻ سعادة للناس في دنياهم وبشرى لهم في أخراهم؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين﴾ [يونس].

والنَّاس إزاء هذه الشريعة المباركة وهذا النور المبين الذي جاء به محمد ﷺ على أقسام ثلاثة: منهم من التزم هذا الكتاب واهتدى بهدي السنة النبوية الشريعة المطهرة، فكان على الجادة مستقيما عدلا في أقواله، قسطا في أحكاما مهتديا بما يكون من ظاهره وباطنه. وهؤلاء هم الذين كانوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.

وقسم تركوا هذا الدين وأعرضوا عنه وانحرفوا، ولم يقبلوا هدى الله الذي جاء به النبي، فهؤلاء في جحيم وعذاب أليم في الدنيا قبل الآخرة ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ﴾ [الانفطار]. وهذا الجحيم ليس فقط ما أعده الله للكافرين من العقوبة والعذاب في الدار الآخرة؛ بل ما في قلوبهم من الضنك والضيق وما فيها من الحرج والتعاسات والشقاوات في هذه الدنيا هو من الجحيم الذي بشر الله ﷻ به أهل الفجور والكفر.

والقسم الثالث قوم أقبلوا على هذا الدين فأخذوه من حيث الأصل؛ لكنهم زادوا فيه ما لم يأذن به الله؛ فشرعوا لأنفسهم دينا من قبل أهوائهم وتعقبوا شريعة رب العالمين فغلوا في دين الله وشرعوا فيه ما لم يأذن به الله.

وهؤلاء كالقسم الثاني في الضلال والخروج عن الصراط المستقيم، وبذلك نهى الله ﷻ المؤمنين عن الغلو في الدين فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧] وقال ﷻ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] وهذا كله تنفير وتحذير من الغلو في الزيادة في الدين ما لم يأذن به الله وما لم يشرعه.

وقد حذر النبي ﷺ أمته من الغلو في مناسبات عديدة، ومن ذلك ما جاء في أعظم مشهد في وفقته عند رمي الجمار في يوم النحر حيث رفع لأصحابه ما يُرمى به فقال: «بمثل هذا فارموا.. وإياكم والغلو، وإياكم والغلو، وإياكم والغلو، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

هكذا يبين النبي ﷺ خطورة هذا المسلك وعاقبته على الناس في الدنيا وفي الآخرة فإنه بعد التحذير المتكرر «إياكم» وهي كلمة تحذير وتنفير «إياكم والغلو، إياكم والغلو». بيّن عاقبة هذا الغلو ولماذا كرر وحذر؛ فقال ﷺ: «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في «الدين أي أن يُجعل من دين الله في الزيادة ما ليس منه، وإن النبي ﷺ قد بين مآل المتشددين الذي شددوا على أنفسهم وغلوا في دين الله ما لم يشرعه لما رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود الله قال: قال النبي «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» والتنطع هو التعمق والتشدد.

وإن صورة من صور التشدد قامت في زمن النبي الله فتنبه إلى خطورتها وحذر منها ففي ذلك اليوم الذي قسم فيه رسول الله ﷺ بعض ما رزقه الله من الغنائم على المسلمين جاءه رجل يدعى ذا الخويصرة فقال: يا رسول الله اعدل اتق الله واعدل أي اعدل في القسمة، فقال النبي: «ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء» هذا رجل يذكر النبي بالتقوى ويأمره بالعدل، هذا قول حق؛ لكنه في غير موضعه، إذ إنه وجه ذلك إلى أعدل الناس وأقومهم بطاعة الله، وذلك لما بدا له ما رأى من أن النبي جار في القسمة حاشاه؛ فقال: «ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء».

استأمنه الله على أديان الناس وعلى عقائدهم وشرائعهم، أفلا يأمنه هذا على قسمة بعض المال بين الناس؟ إنه جورٌ وغلو نبه إليه النبي، فلما ولى ذلك الرجل قال أحد الصحابة: أفلا أضرب عنقه يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ: «يخرج من ضئضئ هذا» أي من عقبه قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وهذا التوصيف النبوي ميزان قسط وعدل يبين أنه ليس كل من تظاهر بالطاعة والإحسان، وليس كل من تظاهر بالغيرة على الدين أنه على طريق قويم؛ بل لابد من تحكيم ذلك والحكم عليه من خلال الكتاب والسنة، فإنه ليس كل مظهر مقبول ولو كان ذلك مظهرا حسنا جميلا بهيا يُظهر تعظيم الشريعة والقيام بحق الله ﷻ.

فينبغي للمؤمن أن يكون على حذر وأن يكون في غاية الوَجل من أن ينطلي عليه جور وأن يمرر عليه بهتان وضلال.

وتذكروا قول الحبيب المصطفى ﷺ «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».

اللهُمَّ ألهمنا رشدنا، وقِنَا شر أنفسنا، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هدينا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

وهذه: خطبة عن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، أحمده جل في علاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله اتقوا الله ربّكم وراقبوه، فإن بين يديه موقفا تسألون فيه عن الدقيق والجليل والصغير والكبير والغائب والشاهد، فاحفظوا وأنفسكم واخشوا ربكم ﷻ، فإن ذلك من أعظم ما ينجيكم يوم العرض عليه.

أيها المؤمنون إنَّ الغلو في الدين أمر أنكرته الشريعة، وحذرت منه، وبينت خطورته.

وإن من الناس من يصف طريق النبي ﷺ بالغلو، حيث يصف من التزم بالشريعة بالغلو، ولهذا من الإجحاف بالقول. وهذه المسألة مسألة خطيرة لم تترك في تحديدها وبيان أوصافها إلى آراء الناس وعقولهم وأهوائهم، فإن من الناس ممن تحلل من أحكام الشريعة، يصف غيره من التزم بأحكامها بأنه غلو.

فتجد على سبيل المثال من يصف من يحرم الغناء بأنه من الغالين في الدين. وتجد على سبيل المثال من يصف من التزم هدي النبي في ظاهره بإطلاق لحيته أو تشمير ثوبه بأنه من الغالين في الدين.

وهذا خطأ وظلم كبير يجب على المؤمن أن يحذره وأن يتوخاه، فإن هذه الألفاظ ليست للمنابزة بالألقاب، ليست سبة يتساب بها الناس إنما هي أسماء تترتب عليها أحكام، فيجب على المؤمن أن يتقي الله ﷻ في ذلك.

ومثل ذلك أولئك الذين شدَّدوا على أنفسهم، وكفروا أهل العلم؛ بل كفَّروا المجتمع كله بناءً على ما قام من مخالفات أو ما وُجد من خروقات وخروجات عن الشريعة في بعض الأحكام، فهذا كذاك في الخطورة والأثر، فيجب على المؤمن أن يتوفَّى وصف من لا يستحق الوصف بما لا يستحقه.

يجب على المؤمن أن يحذر من أن يصف أحدا بما ليس فيه، فقد جاء عن النبي ﷺ «من قال لأخيه: يا كافر أو يا فاسق، ولم يكن كذلك إلا رجع عليه وهو في الصحيحين».

وهذا يبين خطورة وصف الناس بما ليس فيهم، وكل من غلا في وصف أحد بما ليس فيه وخرج عن حدود الشريعة كان على خطر وجُرم كبير يجب أن يتوقاه المؤمن وأن يحذره، وقد قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، والمسألة خطيرة يجب في التريث والرجوع إلى أهل العلم لتمييز الحق من الباطل.

أيها المؤمنون؛ إنَّ الغلو خطر يتهدّد المجتمعات، فيجب علينا جميعا أن نقف إزاءه وقفة معالجة وحذر وتنبه، فإن ذلك قد تدعو إليه النفوس وقد يلبس بلباس الخير.

فإن الانحلال عن الشريعة يدركه كل أحد؛ لكنّ الغلو قد ينطلي على كثير من الناس. فلذلك جاء التَّحذير من الغلو في النصوص أكثر منه من التحذير من المنحلين؛ وذلك لكون الغلو قد يلتبس على الناس.

ولهذا كان من شر الفتن والبدع التي حدثت في الإسلام بدعة الخوارج، ولذلك كان الصحابة في غاية الحزم في معالجة هذه الظاهرة فعالجوها بالفكر وذلك بالمحاجة والمرافعة، ثم لما لم يفد ذلك بأن تعدى أولئك وتجاوز فئة منهم فنزلوا نصوص الكتاب والسنة التي جاءت في الكفار على الصحابة الأخيار وعلى أمة خير الأنام قام لهم علي بن أبي طالب ته الله فقاتلهم لما قاتلوه وعد ذلك من الجهاد في سبيل الله وأثنى عليه كل أصحاب رسول الله، فلم يعبه أحد في هذا؛ بل تمنوا مشاركته فيه، وذلك أنهم قاموا بما أمر النبي وحيث قال في مقابلة هؤلاء الغلاة الخوارج قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

هكذا قال النبي ﷺ في توطيد خطورة لهذه البدعة وشرها على الأمة والمجتمع وخطورتها على الدين كله وليس على فئة ولا على زمن؛ بل خطورتها ممدة عبر الزمان والمكان.

اللهم قنا شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم قنا شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم قنا شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته يا رب العالمين.

وإن من الواجب على المؤمنين أن يحذروا ذلك، فإنه هذا الزمان كثرت أسباب الفتنة والضلال، وتنوعت أسباب الانحراف والهجوم على أمة الإسلام، فهجوم من داخلها وهجوم من خارجها، هجوم بانحلال من الشَّريعة وهجوم بالغلو فيها وإظهارها بما ليس فيها من تدمير وقتل وسفك للدماء بغير حق ولا هدى.

كل هذا مما يجب الحذر منه والتوقي منه، وإن وسائل نشر هذه الأفكار كثيرة، فيجب على المؤمنين أن يتنبهوا له؛ أي لهذا الخطير، وأن يبتعدوا عنه، وأن يستعينوا الله في أن يحفظهم ويقيهم شرور الأفكار المنحرفة والأعمال الرديئة.

وهنا تجِد: من وصايا أبي الدرداء.. خطبة جمعة جميلة جدا مكتوبة

الدعاء

  • اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبعك رضاك.
  • اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا.
  • اللهُمَّ أعذنا من مضلات الفتن ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
  • اللهُمَّ آمنا في أوطاننا، اللهُمَّ آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر].

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ فقد قدَّمنا لكم أيها الإخوة الخطباء؛ خطبة جمعة بعنوان: إنّ الدين يسر. وهي أحد خُطَب الشيخ خالد المصلح -جزاه الله خيرا-. وإذا أردتم المزيد؛ فهذه أيضًا خطبة عن أخلاق الحبيب المصطفى ﷺ وتعاملاته. فاللهم انفعنا بالعِلم النافع؛ اللهم آميـن.

أضف تعليق

error: