خطبة عن التوكل على الله «سبحانه وتعالى» — مكتوبة ومعنصرة

الأخوة الأكارِم الأفاضل الزملاء في ملتقى الخطباء الخاص بموقع المزيد، نوفِّر لكم هنا خطبة عن التوكل على الله -تبارك وتعالى- مُدعَّمة بما يلزَم من الآيات من الذِّكر الحكيم وأحاديث من السنة النبوية المُشرَّفة؛ فضلا عن المواعِظ والدروس والعِبر التي نستقيها من هذا الموضوع الإلهامي الكبير.

مقدمة الخطبة

الحمد لله، نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وأشهد أن النبي محمد عبده ورسوله، الذي بُعِث فينا رحمة ومعلمًا وقدوة. فاللهم صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

يقول ربنا جل جلاله في القرآن الكريم (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) ويقول الله عز وجل (وتوكل على الحي الذي لا يموت).

الخطبة الأولى

عباد الله، من أعظم آثار الإيمان في العبد يقينه على الله عز وجل، وهذا اليقين ينتج عنه توكل على المولى سبحانه وتعالى وسكينة في القلب وراحة في النفس وثباتا وقوة.

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. حسبنا الله أي يكفينا الله به غُنيتنا وبه كفايتنا وبه قوتنا وعليه توكلنا.

هذا اليقين على الله عز وجل هو الذي ربي رسولنا المصطفى -‌عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام- الجيل الأول من صحابته رضي الله عنهم عليه؛ أي على اليقين على الله عز وجل.

اجعل يقينك كله لله

إذا أراد أن ينفق شخصاً ماله ينفق باليقين بأن الله تبارك وتعالى يعوضه ويرزقه.

إذا أراد أن يكون صاحب موقفٍ، أو أن يكون مجاهدا، أو أن يكون وقّافا على حدود الله عز وجل باليقين على الله تبارك وتعالى.

وعندما يسمع الآثار؛ من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه باليقين يسمع، وباليقين يطبق لا يتردد أبدا، ولكن هذا الحال لا يأتي هكذا إلى الإنسان إنما يأتي بعد جهد إيماني، وبعد جهد فكري، وبعد جهد قلبي بعد معرفة بالله تبارك وتعالى، أن نعرف الله عز وجل فإذا عرفت الله تبارك وتعالى بأنه المتفرد بالألوهية جل جلاله، وأن بيده مقاليد السماوات والأرض هو النافع وهو الضار لا يستطيع أحد من البشر مهما كان شأنه أن يفعل شيئاً إلا تحت مشيئة الله تبارك وتعالى، وهذه الأكوان كلها تحت سلطان قدرة الله عز وجل.

من عرف هذا جاء في قلبه التعظيم لله عز وجل عندها تهون أمام عينيه وأمام ناظريه كل الشدائد وكل الصعاب وينشأ بينه وبين الله تبارك وتعالى حال المحبوبية (يحبهم ويحبونه) وتكتمل الثقة في قلبه نحو خالقه وموجدِه تبارك وتعالى؛ يضيره بعد ذلك تهديد أو يخوفه بعد ذلك فقر أو شدة أو يُضعضع كيانه بعد ذلك حالا فيه قسوة من قسوة الخلق عليه وقسوة العباد عليه، أبدا فتراه راسخاً كالجبال، لأن يقينه على الله عز وجل.

فمهما كانت الشدائد مهما كانت المصائب مهما كانت الأمراض مهما كانت الصعاب تراه سابتاً ومستمراً، وهذا شأن المؤمن معرفة بالله تبارك وتعالى محبه لله عز وجل ويقين على الله تبارك وتعالى، يقين على الله تبارك وتعالى مع التوكل عليه.

لماذا يذهب الإنسان في بعض الأحيان والعياذ بالله إلى الحرام؛ لأن يقينه هو على الأشياء المحسوسة سواء كانت شهوات أو كانت نفوذاً أو كانت أموالا أو أي شيء. ضعف اليقين على الله عز وجل، فقد وعد الله تبارك وتعالى وهو الذي لا يخلف الميعاد (إن الله لا يخلف الميعاد) وعد المؤمن أنه إن صبر سيعوضه بالخير في الدنيا والآخرة.

اليقين بالله يمنحك القوة والثقة

يقيننا على الله عز وجل هو الذي يُثبتنا في أخذ الخيارات، عندما يكون اليقين على الله عز وجل لا يكون اليقين على البشر.

فانظر إلى البشر اليوم أي مدى يُعظمون المناصب، وكم يتخاصمون عليها، ويصل بهم الحال إلى الحروب الأهلية. أقول لك أخي المؤمن لا تُعظم إلا الله عز وجل.

وقد ضعف يقين الكثيرين ممن تولوا نفوذا في أمتنا ويجعلهم ذلك صغيرين وضعافاً أمام تلك العظمات الخداعة الكذابة.

التوكل على الله والأخذ بالأسباب

إن نبينا محمد هو الذي رُوي عنه -عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات- حين سأله رجل: أرسل ناقتي وأتوكل؟ قال: (اعقلها وتوكل). فصلِّ اللهم عليه أفضل صلاة وأتمَّها.

وفي هذا دلالة على ضرورة الأخذ بالأسباب، فلا يظن المسلم أن التوكل معناه أن يترك عمله وتربية أبنائه ويقول توكلت على الله، فيجد الرزق يأتيه بلا جهد والأبناء في أفضل حال وُهم بلا اهتمام.

وهنا يظهر الفرق بين التوكّل والتواكل أما أعين الناظر بعين العقل والمنطِق. فعليك بالأخذ بالأسباب، إذا مرضت فادع الله أن يشفيك وتناول أدويتك بانتظام واتبع تعليمات طبيبك. وإذا أردت مالًا ورِزقا فسل ربك من عظيم سلطانه وأتقن العمل الحلال الطيّب واجتهد فيه. وإذا أردت ذُريَّة صالحة فتوجَّه لربك بالدعاء والإنابة واعمل على تربيتهم على الأخلاق الحميدة والسجايا القويمة.

جدد التوبة الصادقة إلى ربك، واستغفر كثيرًا وابذل الأسباب وتوكل على الله.

 

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أيها الأحبة الكرام؛ اليقين بالله عز وجل يجعل الإنسان في سجوده أقوى إنسانا، أقوى شخص في العالم؛ لأنه يعلم أنه في مقام السجود أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فيزداد اليقين.

الابتلاء حكمة وخير دائماً

والآن يا إخواننا الوباء موجود، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلمنا وإياكم مع التداوي ومع الوقاية ومع الاستشفاء ومع الانتباه ما الذي يثبت المؤمن؟ يقينه على الله عز وجل بأن الله تبارك وتعالى هو الشافي، وإذا ابتلانا فالابتلاء له حكمة.

أما تأديب وأما تذكير وإما تكفير للذنوب وإما رفع للدرجات.

اليقين على الله تثبيتاً في الدنيا والآخرة

واليقين على الله عز وجل أنه هو الذي يدفع البلاء والوباء والشدائد.

وهذا الذي يثبت الإنسان المؤمن، واليوم ماذا يثبت الإنسان المؤمن أمام الوضع الاقتصادي؟ اليقين على الله عز وجل أنه يغير الأحوال، نعم لا تسكت عن حقك ولا تسكت عن المطالبة بما أخذ منك.

ولكن يقينك على الله عز وجل يُثبتك حتى تستمر في الحياة، وحتى تمشي قُدماً إلى الأمام وإلا يُحبط الإنسان أمام الأمراض، وأمام المؤامرات، وأمام الابتلاءات، يحبط الإنسان.

ومن يتوكل على الله فهو حسبه

لا إحباط في قاموس الإنسان المؤمن الذي في قلبه اليقين على الله عز وجل (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

في بعض الأحيان يتعرض الإنسان لورطة أو يقع في مشكلة فيذهب إلى مسؤول فيقول له المسؤول: لا تقلق موضوعك عندي، فيذهب الرجل إلى بيته مرتاحا مطمئناً.

فهذا بشر مع بشر ربما يخذله أو ربما يضعف لا يستطيع أن يحقق له مراده.

التوكل على الله حق التوكل

ولكن التوكل على الله عز وجل ثابت (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) شرط أن نكون متوكلين حق التوكل ولذلك جاء في الحديث (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا). ففي هذا الحديث الشرط أن المطلوب في التوكل هو حق التوكل.

(لو توكلتم على الله حق توكله)؛ ليست المسألة كلمات تنثرُ في الهواء إنما هو حال واعتقاد وعقيدة ويقين يكون معه التوكل على الله عز وجل.

الدعاء

  • أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم حلاوة الإيمان وأن يجعلنا من عباده المتوكلين المحبوبين عنده المشمولين برحمته والمنظورين بامتداداته.
  • أسأل الله عز وجل أن يرفع الشدائد والبلاء والوباء وأن يُسلمنا وأن يسلم أهلكم وأولادكم وأهلنا وأولادنا وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين عند الله تبارك وتعالى.

تفاصيل الخطبة

  • عنوانها: خطبة عن التوكل على الله -جل وعلا-.
  • ألقاها: الشيخ أمين الكردي.
  • فحواها: هذه خطبة جمعة طيبة مباركة، ألحَّ فيها الخطيب على ضرورة التوكل على الله -سبحانه وتعالى- مع الأخذ بالأسباب. كما وقد أشار إلى بعض المفاهيم التي يجب أن تًصحَّح في عقول العامة حول هذا الأمر.
  • تنويه: هذه خطبة جاهزة مكتوبة؛ متوسطة “لا قصيرة جدًا ولا طويلة جدًا” فيسهل قراءتها والاطلاع عليها وقتما يُتاح لك ذلك. لكن في حال كان لديك رغبة في تحميل خطبة عن التوكل على الله PDF فالرجاء طلبها في التعليقات وسوف نعمل على تلبية طلبكم.

كلمة المحرر

بالطَّبع صال وجال علمائنا وأئِمَّتنا الأجِلاء في خطبهم حول هذا الموضوع، ومنهم الشيخ محمد العريفي والدكتور محمد راتب النابلسي، محمد صالح المنجد، والشيخ محمد حسان.

فضلا عن المنصَّات التي توهَّجت بعديد خطب مؤثرة حول هذا الموضوع، مثل صيد الفوائد – المنبر.. وغيرهما. وهنا نحن نُضيف إلى هذه المكتبة خطبتنا تِلك على أمل أن نكون من الذين يُثرون ذاكرتكم دومًا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: