خطبة: الآيات الكونية في القرآن الكريم

خطبائنا وأئمتنا الأكارم الأجِلّاء؛ أتيناكم وبحوزتنا موضوع خطبة جمعة قويّ؛ بعنوان: الآيات الكونية في القرآن الكريم. يسوق لكم الإمام الشَّيخ أبي عبد الرحمن محمد بن خدة -جزاه الله خيرا- من خلال الخطبة جمع كبير من آيات الله ﷻ التي وردت في كتابه العزيز.

مقدمة الخطبة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهُدى هُدى نبينا محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة النار.

عباد الله أوصى نفسي وإياكم بتقوى الله ﷻ فهي خير سبيل يسلكه من يريد النجاة في الدنيا والآخرة، وأمتن حبل يتمسك به من يرجو الدرجات الباخرة، وأهدى طريقٍ للسلامة من الفتن الباطنة والظاهرة. وقد كان السلف يرددون قولهم عند ظهور الفتن: اتقوها بالتقوى.

أسباب زيادة الإيمان

عباد الله سنتحدث عن فضل الهداية، ومن ثم أسباب زيادة الإيمان، وأول سبب في زيادة الإيمان هو؛ العلم، ومما يتضمنه العلم؛ تلاوة القرآن الكريم والتأمل له وفهمه وتدبره، ومعرفة الله -جل في علاه- بأسمائه وصفاته، وتأمل سيرة النبي ﷺ، والتأمل في محاسن هذا الدين، وكذلك قراءة سير سند هذه الأمة.

فكل هذا مما يدخل في العلم الذي من حصنه وجمعه وأضاف إليه العمل واقتضى علمه ذلك بالعمل كان مدعاة لزيادة إيمانه.

التأمل في الآيات الكونية والتفكر في الكون

ومن أسباب في زيادة الإيمان كذلك عباد الله التأمل في الآيات الكونية.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: وإذا تأملت ما دعى الله ﷻ في كتابه عباده إلى التفكر فيه أوقعك على العلم به ﷻ وبوحدانيته وصفات كماله، ومن عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره، ولطفه وعدله ورضاه وغضبه، وثوابه وعقابه.

فبهذا تعرض إلى عباده، وندبهم أي دعاهم إلى التفكر في آياته، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: من أسباب الإيمان ودواعيه؛ التفكر في الكون.

عباد الله إن التأمل في آيات الله الكونية؛ أي مفيض خلوقاته ﷻ، التأمل فيما جعله الله ﷻ في هذا الكون من المجريات، من حواديث ومن محدثات، من وجود وموجودات، من قوانين وسنن ونواميس منتظمات.

التأمل في هذا كله يزيد العبد إيمانا، يزيد العبد إيماناً على إيمانه، ومثل هذا النظر وهذا التأمل والتفكر قد أمرنا الله ﷻ به، وندبنا إليه ودعا الخلق لملاحظته. فما منا ألا وهو مطلوب منه هذا النظر، وهذا الذكر والتشهد والتفكر والتأمل.

ولكن يختلف الناس في الغاية من هذا النظر ومن هذا التأمل؛ فأما المؤمن المقر المعترف بالله ﷻ فنظره في أية الكون وتأمله فيها وتفكره فيها يزيده إيمانًا على إيمانه.

وأما أهل الكفر والجحود، وأما أهل الكفر الجاحدين الذين ينكرون وجود الله، الذين يلحدون بذلك لا يعترفون بالخالق الإله المعبود بحق لا يعترفون به.

فهؤلاء الأمر موجه إليهم وجوبًا وحتمًا ليعلموا حقيقة وجود الخالق ﷻ الإله المعبود بحق.

ولهذا قرر أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلف هو؛ عبادة الله، توحيد الله في عبادته وفي ألوهيته، وليس أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك، ليس هذا الأمر بمحققٍ لأن الاعتراف بالخالق أمر فطري يدل عليه الحق العقل.

النظر في الآيات الكونية يزيد الإيمان

لكن النظر في الآيات تزيد المؤمن إيمانا، وأما أن يقال: إن أول واجب هو النظر، أو القصد إلى النظر أو الشك فهذا قول غير محققٍ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: فمن حصلت له المعرفة أو الإيمان إلى أن قال بغير النظر لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة ولا الإيمان إلا به وجب عليه.

وقال -رحمه الله-: وأول الواجباتِ الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداء ما لا يجب على هذا ابتداء.

فالمؤمن مُقرٌ بالله ﷻ، نظره في الكون ليزداد إيمانا على الإيمان، بخلاف الكافر، ولهذا قال الإمام السمعاني -رحمه الله-: على أننا لا ننكر النظر قدر ما ورد به الكتاب والسنة لينال المؤمن بذلك زيادة اليقين، وسكون القلب.

انتهى كلامه على نحو قول إبراهيم كما جاء في كتاب الله ﷻ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، أي ليزداد يقيناً على يقينه ويزداد إيمانًا على إيمانه.

فنظر المؤمن في الآيات الكونية ليزداد إيمانه وليس لإثبات المعرفة والإيمان فهو معترف مُقر بالله ﷻ، مؤمن بالله ﷻ.

الآيات الكونية في القرآن الكريم

عباد الله النظر في الآيات الكونية يزيد العبد إيمانًا، وقد ذكر الله ﷻ ذلك في غير آية من الآيات، وأن النظر في جوف الكون هو آياتٌ لأهل العقول وأهل البصيرة فهم ينظرون ويتعظون ويعتبرون ولذلك إذا تفكروا اعترفوا وازدادوا إيمانا على الإيمان كما في قوله ﷻ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ | الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

يقول أهل الإيمان: بعد نظرهم وتفكرهم بالآيات الكونية، فيزدادون بذلك إيمانا ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

فلو جئنا للنظر في آيات الله ﷻ لرأيت عبد الله العجب العُجاب، فلننظر إلى خلق السماء وألقي بالبصر إليها كرة بعد كرة، وانظر إلى علوها وارتفاعها وسياجها وقرارها ممسكة بقدرة الله ﷻ، وانظر إلى ما هي عليه من أحسن الألوان وموافقتها للبصر.

وقد جاء في كتاب الله ﷻ ذكر أن هذا الخلق من الآيات العظيمة، فمما قاله ﷻ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

هذه ثمانُ آيات لو أنك غررت وقلبت النظر فيها لرأيت فيها العجب العُجاب؛ خلق السماوات والأرض، وكذلك تعاقب الليل والنهار، وكذلك الفلك التي تجري في البحر والأنهار، وكذلك إنزال الماء من السماء على الأرض فيحيي به الأرض بعد موتها، وما دب فيها من دابة ورزقها على الله، وكذلك تصريف الرياح يسرة، وكذلك السحاب المسخر بين السماء والأرض، فلا يعلو إلى أن يمس السماء ولا يسقط فيقع على الأرض.

هذه الآيات العظيمة من تفكر فيها ونظر زاد له ذلك إيمانا على إيمانه.

قال ﷻ ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، هذا الماء أنزله الله من السماء، منه من نتخذه شرابا وسقيا للشجر وأيضا لسوم الغنم ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

وانظر إلى دقة هذا الكلام، ذكر جميع أنواع ما يُسترزق به العبد؛ الزرع وهو من الحبوب، والزيتون من الثمار التي يصلح بها الطعام، والنخيل والأعناب، ومنها ثمار يتفكه بها.

ثم عمم فقال ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾، أي لكم ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، أي زينة تلبسونه وتتنعمون بلباسه، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾، أي جبال ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾، أي حتى لا تنقلب الأرض.

خلق الأرض وثبتها بالجبال ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾، ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً﴾؛ أي طرقًا لتنتهوا حيث تريدون من حاجاتكم ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ﴿وَعَلامَاتٍ﴾؛ أي جبال، علامة لكم في قصد طريقكم والوصول إلى بغيتكم ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، أي ليلا.

فهذا من علم الفلك يهتدون بالنجم فيعرفون الطريق شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ | أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.

شتان بين من خلق هذه العظائم، وبين من لا يخلق بل إنه ليُخلق، ثم قال ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

وقال -جل في علاه- ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ | كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾.

قال -جل وعلا- ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.

وفي الآية التي سبق ذكرها ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾؛ انظر إلى الربط بين السببين من أسباب زيادة الإيمان؛ العلم بالله ﷻ ومنه تدبر القرآن، ومن تدبر القرآن أن فيه الأمر بالنظر بالآيات الكونية. ربط بين هذين السببين العظيمين.

قال ﷻ ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ثم ذكر عدداً من مخلوقاته الكونية ومن آياته الكونية التي فيها آيات، دلائل وحجج وبراهين ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ | أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾.

من الذي حجز بين البحار بهذه الأرض فلا يطفو ولا يعلو بحر على آخر إلا بإذن الله ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ | أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ | أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.

كم ممن ينتظر الرياح ليقضي حاجاته ومصالحه، فإذا جاءت الرياح فرح بذلك أو جاءت الأمطار فرح بذلك، من الذي سخرها؟ ﴿وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ | أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ | قُل لّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.

تدبروا القرآن يا عباد الله

قال -جل وعلا- أن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.

وقال ﷻ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾، وهذا أمر التذكر لتزداد إيمانا على الإيمان.

لا يوجد في خلق الله ﷻ نقصًا وعملا أبدا، وإن شئت أن تكرر النظر فارجع النظر مرة بعد أخرى فإذا لم ترى فطورا ولا نقصا ازددت بذلك إيمانًا.

فانظر كيف يرحم الله ﷻ عباده؟ ويأمرهم بالنظر في ملكوته ليروا أنه ما ثمة تفاوت، وليرجع النظر بعد الآخر ما ترى في فطور ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً﴾؛ خاسئا مما تزعم أن في خلق الله نقص أو عبث، فما يصل بك عند ذلك إلا الاعتراف، وأن تزداد إيمانا بالله ﷻ ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ | وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾.

يقول جل وعلا ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا | رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا | وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا | وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا | أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا | وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا | مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. كل هذا متاع من الله ﷻ لعباده لينعمون بذلك فيشكروا الله ﷻ.

ومن كان في قلبه ريب فلينظر إلى هذه الآيات التي خلقها الله ﷻ فإنها دلائل باهرات وحجج قاطعة على إثبات الرب ﷻ، وإثبات الإله المعبود بحق ﷻ. فهذه بعض الآيات عباد الله من تفكر فيها زاده الله ﷻ إيمانا على إيمان.

أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه غفور رحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد عباد الله؛ فهذه بعض الآيات في الكون الشاهدة لله ﷻ بأنه الإله الحق ﷻ.

فهذه آيات كونية ناطقة بلسان الحال على وحدانيته ﷻ وأنه الرب الخالق الملك الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الإله المعبود بحق ﷻ. فمن تدبر هذه الآيات وتمعن فيها، وتفكر فيها زاده ذلك إيمانا على إيمان.

آيات قرآنية عن خلق الإنسان

ومن هذه الآيات كذلك خلق الله ﷻ للإنسان، يقول ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ | ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ | وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾.

يقول -جل وعلا- ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ | ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ | ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

يقول تبارك وتعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا | وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.

قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾، أي السفن والبواخر، تجري في البحر كالأعلام؛ كالجبال، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾، إذا أمسك -جل وعلا- الريح ظلت هذه السفن والجوارِ راكدة متوقفة ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.

هذه الآيات عباد الله وهذه المخلوقات التي خلقها الله ﷻ لا تعد ولا تحصى كما قال ﷻ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

وقال ﷻ ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾، وقد قال ﷻ مكررا هذه الحقيقة ألا وهي أن التدبر في آيات الله يزيد العبد إيمانا ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.

هؤلاء المؤمنون إذا جاءت هذه السور ومما تتضمنه السور الأمر بالنظر في آيات الله ﷻ الكونية.

فمن نظر فيها ازداد إيمانًا على إيمانه بالله ﷻ. كما أن النظر في هذه الآيات بالنسبة للذي لا يؤمن ولا ينطق بإيمانها لو نظر في نظر تدبرٌ لدلته إن كان صادق الطلب والقصد لدلته على وجود الله ﷻ لما في هذه الآيات الكونية والمخلوقات الربانية التي خلقها الله -جل في علاه- ما فيها من دلائل وبراهين وحجج قابعة وحجج ظاهرة بينة على هذا على إثباته ربًا إلها معبودا بحق ﷻ.

نزهة المؤمن الفكر

نزهة المؤمن الفكر
لذة المؤمن العبر

نحمد الله وحدة
نحن كل على خطر

رب لاه وعمره
قد تقضى وما شعر

رب عيش قد كان فوق
المنى مونق الزهر

في خرير من العيون
وظل من الشجر

وسرور من النبات
وطيب من الثمر

غيرته وأهله
سرعة الدهر بالغير

نحمد الله وحده
إن في ذا لمعتبر

نحمد الله وحدة
إن في ذا لمعتبر

إن في ذا لعبرة
للبيب إذا اعتبر

نحمد الله وحده
إن في ذا لمعتبر

فمن تذكر في الآيات زادته إيمانا على إيمانه.

هنا أيضًا: خطبة الجمعة عن بداية العام الجديد

الدعاء

  • نسأل الله ﷻ أن يمن علينا بالنظر والتفكر والتأمل في آياته الكونية، فينتج لنا ذلك زيادة الإيمان على الإيمان، كما نسأله ﷻ أن يثبت إيماننا، ويزيدنا إيمانا على الإيمان.
  • ونسأله ﷻ أن يختم لنا جميعا بالحسنى، ونسأله ﷻ أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفرة والمنافقين.
  • ونسأله ﷻ أن يقوي شوكة المسلمين، وأن يجمع شملهم، ويوحد صفوفهم، وأن يجعلهم يدًا واحدةً على أعدائهم.
  • ونسأله ﷻ أن يرفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


خطبة الجمعة: الآيات الكونية في القرآن الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: