خديعة بر الأمهات في عيد الأم فقط!

بر الأمهات , عيد الأم , fake mothers day

من العار أن يكون البر والوصل والحب لأمهاتنا منحصر في يومٍ واحدٍ في العام؛ هو عيد الأم. ومن المؤلم أن تستجدِ الأم من ابنها البر؛ وكأنما تتسول عنده البر، مع أن الله جل وعلا سبَّب حياته بسببها، فهل من المعقول أن يُسجدَ البر؟

البر فرضٌ لازم لا مِنَّة للأبناء فيه؛ ولذلك من العار على الابن أن تستجد أمه البر؛ دموع الأمهات خلف الأبواب وانينهُم تحت اللُحف؛ والنظر بعين خائفةٍ مرتجة في الدمع ترسم أقبح صورة في الحياة. أمٌ تتوسّل لأبنائها أن يزورها أو أن يرحموها.

مأساةٌ أيُّ مأساةٍ يعيشها بعض الأبناء.

بر الصحابة والسلف بأمهاتهم

أبو هريرة

حافظة العصر ومُحدِّثُ الإسلام -رضي الله عنه- ما حج في حياةِ أمه قط؛ ما حج لأن أُمه على قيد الحياة؛ ولا يريد ان يترك برها وان يغادر بابًا من أبواب الجنة.

طالِب العِلم

وأحد السلف الصالح أراد أن يرحل في طلب العلم إلى الإمام ابن قتيبة؛ فنهته أمه؛ منعته من أن يسير طالب علم، مع أن العلم آخر محطات الوصول فيه إلى جنات النعيم.

أليس الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة”؛ ومع ذلك نهته أمه من أن يطلب العلم.

فلما ماتت أمه وواراها الثري، رحل في طريق العلم إلى ابن قتيبة؛ فلما وصل إلى الإمام، إذا بالإمام قد مات؛ ماتت أمه هنا ومات شيخه هناك؛ فأتى الناس يعزونه في رحيل أمه وفي رحيل شيخه؛ فقال: تَركي لطلب العلم برًا بأمي هذا ثمرة العلم.

يقول الشيخ سعد العتيق: يا مُدَّعي العلم؛ يا من يعتقد أن انشغاله بالدراسة يبيح له أن ينشغل عن برِّ أمه أو أبيه؛ أقول: علمك هذا الذي أشغلك عن أمك جهلٌ لا يضر وعلم لا ينفع.

  • يا رب أغني والدينا عنا بعفوٍ منك يا أكرم الأكرمين.

الابن والبنت لا يكبرانِ في عين الأم؛ مهما بلغ بك السن فلازلت طفلا تحت أقدام أمك؛ وأبرنا من كان يحقق لأمه هذه الرغبة؛ أن يكون طفلا لا يكبر، يتودد إليها، يضاحكها، يفرح بطبخها، بإطعامه من يدها، ومن يوم أن يترفع الابن هنا يخسر كثيرًا.

مُطعِم الدجاج

وكان أحد السلف عالمًا ويعلم الناس، وبين يديه طلابه؛ فإذا بمرَّةٍ أمه تفتح باب المسجد عليه وتنظر اليه وتقول له: أتعلم الناس ودجاجاتي جائِعات؟

تريد أن يوقِف تدريس الناس لان لديها عش به دجاجـ وتريده أن يطعم الدجاج بيده، فما أرسلت أحدًا لأنها، تراه طفلها، والناس يرونه عالم وفقيه، وهو كذلك؛ لكنه عندما يسمع من أمه هذا الطلب: قم الى الدجاجة وأطعمه، كان يغلق كتابه ويخرج الى دجاج أمه يضع له الماء والحَبّ ثم يخرج يعود الى طلابه.

طلابه استفادوا من خلقه أكثر من استفادتهم من علمه.

فليس البِر أن تقضي يوم عيد الأم مع أمك، وتذهب إليها حامِلا هديةً لها؛ نحن لا نمنعك من هذا، لكنه ليس بالبر الذي تستحقه الأمهات. نعم أيها الأبناء؛ ينبغي أن نخفض جناح الذُّلِّ خاصة عند الأمهات، أن نداعبهُن، وأن نُدخل السرور على قلوبهن، نتودد إليهن، بهذا تبلغ الذرى.

موقِد الكانون

كان أحد السلف يشتري القصب حطبٌ خفيف وييبسه في فترة الصيف، فإذا يبُس أتى به في الشتاء، وأمه تُصلي، ويأتي بالكانون -مكان إيقاد النار- فيضع هذا الحطب وقشور الحطب الخفيفة اليابسة يوقدها -حتى لا يكون لها دُخان-؛ فيوقد الكانون خلف أُمه، فيجعل وقت الشتاء الزمهرير وقت دفءٍ لأمه؛ فهو لا يصلي معها، إنما يتقرب إلى الله بإدفاءِ ظهرها حتى تصلي وهي هانِئة.

إنهم عاشوا مع الأمهات في جنانٍ من البر؛ اللهم لا تحرمنا فضلك يا رب العالمين.

محمد بن المنكدر

كان محمد بن المنكدر -وهو من الفقهاء- من خضوعه لأمه أنه يضع خده على الأرض، ثم يأمر أمه ليراضيها، فيقول: وضعي قدمك على خدي أماه.

أُنظر إلى هذا الذل وهذا الخضوع ليرضى الله ويسعد أمه؛ وذلك، فإن ذُلّ الابن عند أمه؛ هذا من مقامات البر العالية.

فمحمد بن المنكدر ليس عابد؛ بل عالم وفقيه من فقهاء المدينة.

محمد بن سيرين

ويُروى أن محمد بن سيرين -وهو من العلماء ومن سادة التابعين- كان يذهب إلى السوق ليختار لأمه بنفسه ألين الثياب؛ لأنه يريد أغلاها وألينها واجملها؛ بل كان يصبغ ثياب أمه في كل عيد حتى يكون الثوب جميلا.

وكان -عليه رحمة الله- إذا تحدث مع أمه تواضع ولان، حتى لا يكاد يسمع صوته إذا نادتهُ أمه قال: لبيك. بصوتٍ كأنَّهُ مريض؛ أي أنه لا يرفع الصوت خشية أن يرتفع صوته على صوت أُمه.

وكان يقول فيما يروى عنه: ويحك إن هذه الأم رضا الله في رضاها.

أيُّ تربية تربَّاها هؤلاء!

سعيد بن عامر

وهو من السلف الصالح؛ كانت له؛ أم دخل عليها وكانت تشتكي ألمًا في قدميها، بات يغمز قدمها -يدلك قدمها / يعمل مساج لقدم أمه- وكان له أخٌ يسمى عمر؛ فكان عمر يصلي الليل كله وسعيد بن عامر يقوم الليل يغمز قدم أمه؛ فقال سعيد: والله ما تمنيت ليلة أخي عمر بليلتي.

يعني: أن غمزي لقدم أمي عند الله أرجو به الثواب أكثر من صلاة أخي الليل كله.

إنه الفقه في أعلى درجاته.

أضف تعليق