المدير من المشتري والموظف من زحل

لفت جون جراي أنظارنا لكثير من الأفكار الخلاقة سهلة الإقناع والتطبيق لمزيد من التعامل البناء والإيجابي بين الرجال والنساء في كتابه الشهير «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة» ولعله بهذه النظرية التي تعلق بالذهن من عنوان الكتاب تجعلنا نعتقد أن التفريق بين المتجانسات ووضع كل من النقيضين أو المتخاصمين في حيز مختلف عن الآخر يسمح لنا بأفق جديد فيه ابتكار لحل مشكلات كثيرة.

وحين ننظر للمدير في عالمنا الوظيفي نرى الكثير من الاعتبارات التي تجبرنا على أن نعطي فرصة للكواكب والأجرام السماوية أن تستقطب حضرته بعيدا عن كوكب الأرض الذي لم يعد يتحمل نشاز التصرفات وغريب الأفعال، وبهذه الطريقة يستطيع الموظف المختنق بغازات الغطرسة الإدارية أن يعثر على متنفس له يسلي به حالته المريرة أن هذا المدير من عالم آخر.

فمديرنا العربي إذا ادعى الديموقراطية والتشاور مع مرءوسيه فإنه لا يطلب أفكارا أو مقترحات أو يشجع على مشاركة في صنع هوامش القرارات بل يبحث عن طاولة اجتماعات كبيرة لائقة بوضعه الجديد ويقرب منه أحسن الكتبة والمصممين للتقارير وأكثر الموجودين وسامة وحضور وجه لتظهر الصورة أجمل.

وهو كذلك إذا قام بجولة على مكاتب المساكين، فجأة أو بإخطار مسبق، لا يدعوه لهذا التصرف شعوره بالمسؤولية ورغبته في تلمس حاجات الموظفين التي قد تغيب عنه بسببه أو بسببهم، إنما يفزع لهذا النهج مرة عندما يكون مزاج جنابه متعكرا من كثرة طلبات زوجته فينتقم منها في عاملين لا ذنب لهم في اختياره المشؤوم لشريكة حياته المكتئبة أصلا، ومرة عندما تدفعه طبيعته الإدارية في هواية الاصطياد وضبط المخالفات ليثبت لمن فوقه من المسؤولين أنه يعاقب ويقسو ويجازي ولو استخدم في ممارسته السادية هذه ضحايا من صغار المخلصين وضعاف المواظبين.

يرى المدير دوما السلبيات بعين تكاد تخرج من محاجرها، ويرى الإيجابيات في العاملين معه بمجهر قد تساعده قدرته التكبيرية على لفت نظر ضعيف النظر، وهو جاهز دوما للتبرير والتلفيق والتصفيق أيا كان الحال دون ملل أو تعب لظنه أن الإدارة هي الدفاع عن الأخطاء والمراوغة ولو من غير تسجيل أهداف.

أما عندما يبتسم المدير فتلك أنياب الليث إن رأيتها فلا تطمئن لدواعيها وأسبابها فإنها العاصفة التي تسبق الإعصار والفخ الذي ينصب لتقع الفريسة في أسرع وقت، وهو أيضا إذا بادر بالسؤال عن أمر ما يخص العمل واستغرب المسؤول عن سؤاله الذي يتعارض مع نومه الطويل، ففي هذه الحالة لا يخرج الأمر عن احتمالين: إما شكوى من مغامر وضع قرار فصله في كفه، أو اكتشاف حضرة المدير لخطأ مصادفة فأحب أن ينتهز الفرصة لظهور إعلامي محلي أنه متابع ودقيق في متابعته.

وليس لدى المدير مجال للتفكير في تطوير الموظفين أو العاملين لأن موازنة التجديد والتطوير لا تكفي سوى لذلك الأثاث الفاخر الذي يواكب الموضة والتحضر في جو عارم بالرومانسية التي لا يريد حضرة المدير أن تفارقه عندما يفارق غرفة نومه في البيت ليجد ما يماثلها في إدارته التي يشعر بملكيته لها أكثر من شعوره بامتلاك سيارته الأمريكية الصنع.

يحب مديرنا العربي هواية التوقيع، حيث تمطره هذه الممارسة بكثير من الزهو والتباهي أن لا ورقة تجرؤ على الخروج من صادره المكتظ بالملفات إلا بعد أن تبارك بقبلته الأرجوانية بقلمه البلوري، وهو مهووس ومدمن لعادة الاجتماعات المفرغة من محتواها وجداولها لتصبح جلسات يومية أو دورية تشبه جلسات الديوانيات أو الاستراحات التي تجمعه بأصدقائه ورفقائه خارج إطار العمل.

مديرنا العربي من كوكب «المشتري» قذفته الرياح الشمسية ودفعه الضغط الجوي إلى كوكبنا «زحل» دون أن يكون بيننا شخص يشبه «جون جراي» يستطيع أن يفتينا ماذا يريد مديرنا الفاضل..

بقلم: محمد أحمد بابا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى