«الظروف» كلمة حق يراد بها باطل

ثلاث كلمات فقط كان يمكن أن تكون حلا سريعا لغياب هذه الزاوية بعد أن تعثر وصولها من الكاتب الذي يفترض به أن يرسل إلينا مقالا لنملأ به هذا المكان الشاغر.

لكن الحقيقة أن الظروف المسكينة لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بهذا الغياب، لكننا نحب أن نقحم الظروف في كل ما لا نعتزم الاعتراف به.

تسأل أحدهم عن سر غيابه الطويل فتسمع جوابا جاهزا «والله ظروف». يتأخر أحد الموظفين وحين تستفسر منه عن السبب فتكون حجته معروفة سلفا «ظروف».

وبالمناسبة فإن «الظروف» التي غالبا ما نستعين بها للخروج من مآزقنا مفردة مبهمة، فهل هي ظروف مكانية أم زمانية أم ماذا على وجه الدقة.

وعلى طريقة «النتيين» فيبدو -والعلم عند الله- أن الظروف باتت اختصارا إلكترونيا لجملة طويلة عريضة مفادها التالي: «لدي أسبابي الخاصة التي لا أريدك أن تطلع عليها. رجاء الزم حدودك».

ومن العجيب أن «الظروف الطارئة» ليست شيئا طارئا، بل عرفت منذ آلاف السنين، وهي نظرية معترف بها في الفقه والقانون. ومن أبرز تطبيقاتها إدراجها في العقود التي لا تكاد تخلو من استثناء يتحدث عن «ظروف طارئة». هذه النظرية تستند في الأساس إلى فكرة «العدالة وإنصاف المتعاقد ورفع الغبن عنه بالعمل على إنقاذه من الخسارة المادية الجسيمة التي تلحق به من جراء الحادث الطارئ الذي لم يكن في حسبانه وتقديره».

وحتى مع هذا التأصيل التاريخي والقانوني للظروف، فإن هذه الأخيرة غالبا ما تستخدم في غير «الزمان» و«المكان» المناسبين. بإمكاننا القول إنه اسيئ استخدامها في الآونة الأخيرة وربما نصل إلى القول إنها «كلمة حق يراد بها باطل».

أيا ما كان الأمر، فربما يتبادر بذهن أحدكم أننا لو وضعنا تنويها يقول «لظروف فنية طارئة تحتجب زاوية فلان في الصفحة»، إذن لكان الأمر أهون من هذه الفلسفات التي لا تقدم أو تأخر. وهو اقتراح ربما يكون في «ظرف مكانه». لكنه اقتراح ظرفي. أشعر أنني بدأت أستظرف. أستودعكم الله.

بقلم: أحمد ضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى