الحرمان العاطفي.. جريمة الآباء في حق الأبناء

الحرمان العاطفي , جريمة الآباء في حق الأبناء

في كل مرحلة من مراحلها الدراسية كان لها أستاذ تفضله، ثم تستلطفه ثم تحبه، وعندما يبادلها الإعجاب أو الحب تسرع مبتعدة؛ لأنها ببساطة تكتشف أن حبه مختلف عن هذا الحب الذي تعرفه، فلم تكن تسعى إلا لنيل بضع لحظات اهتمام وود، وقليل من نظرات حانية، كانت تتمنى أن تكون ابنته فيحتضنها بعطفه، فجُل من أحبتهم كانوا في مقام والدها، وغالبا كانوا متزوجين ولديهم أبناء في مثل سنها.. أما حبه فكان مريبا؛ لأنه أراد منها شيئا مختلفا عما أرادته هي؛ لذا كانت تسرع مبتعدة، ثم ما تلبث أن تعود لغيره ممن يحمل نفس الصفات الأبوية، وتعوض من خلاله الحنين الذي تفتقده، كانت دائمة البحث عن شيء ما.

كل مرة فشلت فيها علاقتها بأحد أساتذتها بسبب تجاوزه، كانت تحاول ألا تكرر التجربة مرة أخرى، إلا أنها لم تملك السيطرة على مشاعرها، فقد كانت هناك تلك المساحة الخاوية داخل نفسها، والتي تود لو تسقط فيها حجرا من الصوان حتى تمتلئ، ولكنها —للأسف— لم تكن لتمتلئ أبدا.

فمشاعرها كانت دائمة “التعلق”؛ لأنها كانت بحاجة إلى هذا التعلق، لم تنتبه في يوم من الأيام لابن الجيران الوسيم الذي كانت تتلهف عليه صديقاتها كلما أتين لزيارتها، وكانت تستغرب حديثهن الصغير، ومشاعرهن التافهة من وجهة نظرها، مقارنة بمشاعرها السرية.

الدفء المفقود

هي قصة متكررة لإعجاب الفتيات بأساتذتهن، وتعلقهن بمن يكبرهن سنا، وكذلك الأولاد، وعادة يكمن السبب في الفقر العاطفي الذي يتسبب فيه الآباء للأبناء، فيذهبون لتعويضه بعيدا مع كهل عجوز، أو امرأة مسنة، أو مع صديق، أو زميلة في علاقة قد تكون مريبة، ولكن ما هي الآثار الناجمة عن الجوع العاطفي لدى الأبناء؟ وكيف يعوض الآباء أولادهم عاطفيا؟ هذا ما سنتناوله في هذا الموضوع.

تقول هناء 25 سنة إنها كانت تحب الذهاب لمنزل خالتها؛ حيث تجلس مع العائلة كلها من الأبناء فتشعر بحالة من الدفء الأسري، والاحتواء الذي لم تكن تشعر به مع إخوتها ووالديها، فقد كان كل في حاله، وكانت تسود حالة من المادية والبرودة التي أثرت عليها كثيرا عندما كبرت، فأصبحت تبحث عن أي شخص يشعرها بالدفء والأمان.

تتذكر شيرين بعض التصرفات التي لم تكن تجد لها مبررات في وقتها، فكانت تذهب للمذاكرة لدى جارتها، وكانت في مثل سنها، وكانت تحب أن تتقرب منها وتحادثها وتلتصق بها، ولم تكن صديقتها تتلهف عليها بالمثل، فكانت تشعر بالوحدة والألم، وكانت دائما تتعجب لماذا لا تحتاج إلي صديقتي مثلما أحتاج إليها.. وعندما كبرت حمدت الله أن صديقتها لم تجاريها، وإلا كان قد حدث ما لم تحمد عقباه.

آثار مريبة

وفي تعليقه على هذا الموضوع يقول د.محمد المهدي استشاري الطب النفسي والمستشار الاجتماعي لموقع أون إسلام .نت: إن الاحتياج الوجداني لكل من الأب والأم من الحاجات الأساسية لدى الأطفال؛ حيث يؤكد علماء النفس أنه من أهم الاحتياجات لدى الأبناء في السنوات الخمس الأولى، والبعض يقول إنه يمتد حتى سن المراهقة، وإن أي نقص في الرعاية الوجدانية ينتج عنه خلل أو مشكلة تأخذ أشكالا مختلفة، يعد الأكثر خطورة بينها “الجنسية المثلية”، فقد وجدت الأبحاث أن النسبة الأكبر من حالات الجنسية المثلية تنبع من عامل الجوع للأبوة أو للأمومة.

فعندما يكون الأب بعيدا عن الابن الذكر، سواء كان بعدا ماديا كالسفر، أو معنويا كأن تكون علاقتهما مضطربة، فلا يعطيه الحنان الكافي، فتصاب علاقتهما بالجفوة والقسوة، فإن ما يحدث بعد ذلك أن الطفل يتجه ناحية الجنس المتاح، وهو الأم ويغرق بعلاقته معها، وتضعف علاقته أكثر مع الأب، وبالتالي يتوحد مع العنصر الأنثوي، وينتابه حنين شديد للرعاية الأبوية الوجدانية، والتي لا تكمن في توفير الاحتياجات المادية، ولكن في اللمسة الوجدانية، والحضور مع الطفل في حياته وفي وعيه.

ويضيف د. المهدي: حينها يبحث الابن عنها فيمن هو أكبر منه كنموذج للرجل، ويظل بداخله إحساس بالنقص فيما يتعلق بالتكوين الذكوري، فيتعلق بالمدرس، أو الزميل الأكبر، أو أي شخص في العائلة، وفي البداية ستكون العلاقة بحثا عن الحنان المفتقد، ولكن في ظرف ما ستتلوث وتصل إلى الطريق الجنسي.

ونفس الشيء ينطبق على نموذج الأم والبنت حين تكون العلاقة بينهما تفتقد الحنان والرعاية الوجدانية الأمومية فتبحث عن الاكتمال في أنثى فتشعر أنها تكتمل بها ولا تتكامل معها، وتتلوث العلاقة في وقت من الأوقات بالسلوك الجنسي المثلي، ويعد ذلك أخطر نتيجة للاحتياج الوجداني الأبوي.

ويستكمل د.المهدي حديثه قائلا إنه توجد بعض النتائج الأخرى التي لا تصل لذلك، منها على سبيل المثال: أن البنت التي حرمت من وجود الأب نجدها تسعى لأن تقترن عاطفيا بمن هو أكبر سنا بما يوازي سن الأب أو أصغر قليلا، وترفض الزواج ممن يتقدم لها من الشباب بشكل مستمر، ومن الممكن أن يكون هذا الشخص متزوجا أيضا، بحيث يمثل معاني الأبوة كاملة، ونفس الحال بالنسبة للولد.

ويؤكد د.المهدي أن الشخص الذي حُرم الرعاية الأبوية تظل داخله فجوة عاطفية، ولديه جوع شديد للحب، ويظل يبحث عن هذا الاحتياج وهذا الحب، ولا يرتوي أبدا، فتنتج العلاقات المتعددة للشباب، فالبنت تحب أناسا كثيرين؛ لأن لديها جوعا للرجل، والولد نفس القصة؛ لأن الفجوة داخله لا تملؤها الرعاية الأبوية، فلا يشبع أبدا، فيظل يتورط دائما في علاقات نسائية لا تنتهي.

ويشير: في أحيان أخرى تحدث علاقة بين الفتاة المراهقة وبين مدرسها؛ لأنه الرجل الذي يمثل صورة والدها، والمتواجد أمامها باستمرار، فتسعى للارتباط به، ليس في علاقة حب، ولكنها علاقة افتتان وهوس عاطفي بهذا الشخص؛ حيث ترى أنه أفضل شخص في العالم، فتحب أن تراه، وتشعر أنها تحت حمايته ورعايته، وهي علاقة غير منطقية من الناحية الاجتماعية؛ لأنه يوجد تفاوت في الاحتياجات فهي تحتاج من يحتويها وجدانيا، ويهتم بها، ويسأل عنها، “احتياجات فتاة في فترة المراهقة”، أما الأستاذ فطبيعته كرجل لديه احتياجات أخرى مختلفة عما تريده هي، فقد تكون علاقته بزوجته غير مشبعة، أو يكون بعيدا عن زوجته، فيجد في هذه الفتاة ما يفتح شهيته لنواحي جسديه فتُصدم به الفتاة الصغيرة؛ لأنها تراه كأب.

وهنا تأخذ العلاقة أحد مسارين:

  • الأول: هو أن تبتعد عنه نهائيا، وتبحث عن غيره الأكثر نقاءً وصفاءً وطهارة، أو أن تعطيه ما يريد كثمن للحب الذي تحتاجه منه، فتتورط في ممارسات لم تقصدها، فتدخل في منزلق خطير، وقد تنحدر إلى البغاء؛ حيث تغوي أي رجل كي تأخذ ما تريد، فتصبح تغوي لتأخذ، وكثير من البغايا كان الجوع العاطفي أو الأبوي سببا لامتهانهن هذه المهنة التي تنتقم فيها جسديا من عنصر الرجل.
  • أما المسار الآخر: فهو أنها تصطدم وتبتعد نهائيا عن الرجال، ويتحول ذلك إلى أعراض مرضية، واضطرابات نفس جسدية، وإحساس بالخوف وعدم الأمان.

العطاء المعطل

ومن ناحيتها تستكمل أميرة بدران —الأخصائية النفسية والمستشارة الاجتماعية بموقع أون إسلام.نت— الآثار الناجمة عن الحرمان العاطفي لدى الأبناء فتقول إن مستقبلات العطاء لديهم تصبح معطلة؛ لأنهم لم يروها بينهم وبين والديهم، وبالتالي فإنهم يبذلون جهدا كبيرا كي يتعلموا فن العطاء، كما أن علاقاتهم العاطفية تصبح بلا استقرار فالابن أو البنت يظل يبحث عن الشيء المحروم منه دون وعي في علاقاته بالزملاء أو الأصدقاء، وقد تأخذ علاقته بهم منحى أعلى من الطبيعي؛ لأنه يطلب من العلاقات أكثر مما تتحمل، فتحدث مشكلات مع الأصدقاء والزملاء؛ لأنه لا يجد ما يريده.

وتستطرد أميرة قائلة: إنه أحيانا يحدث “اضطراب التعلق” بمعنى أنه لا يتحمل فكرة الفقدان التي يتحملها الشخص الطبيعي كما خلقه الله، فنحن نتأثر ونتألم عندما يموت عزيز علينا، ونحزن بشدة، ولكننا نتحمل في النهاية، وهذه عادة صحية، أما الشخص الذي يفتقد حنان والديه فإنه يصاب باضطراب التعلق، وهو شكل مرضي فيصاب بدرجة عالية من الاعتمادية على وجود شخص آخر، وعندما يفارقه تصبح حالة حياة أو موت بالنسبة إليه، فيصاب باكتئاب شديد، وتتوقف حياته وعمله وعلاقاته، وذلك ببساطة يحدث لأن العلاقة بينهما لم تكن صحيحة منذ البداية.

احذر وتجنب

ينوه د.المهدي إلى ظروف الحياة والحالة الاقتصادية التي تأخذ الآباء بعيدا عن الأبناء؛ حيث أصبح يوجد ما يزيد عن 20% من الآباء المصريين المغتربين، وبالتالي فنحن نرى أن الآباء في خمس الأسر غائبين، بالإضافة إلى نسبة كبيرة أخرى من الآباء المشغولين لتوفير الاحتياجات المادية اللازمة. ويضيف: يجب ألا يبتعد الآباء عن أطفالهم بغير ضرورة، فلا نتوسع في الضرورات وفرص الحياة الأفضل التي لا تنتهي، فنأخذ مثلا 20 سنة سفرا؛ لنوفر بعض الممتلكات المادية، ويتم ترشيد التكالب على الشراء وترشيد الشراهة الاستهلاكية، وفي المقابل لابد أن يضع الآباء في اعتبارهم الاحتياج الوجداني والعاطفي لهؤلاء الصغار فيوفرون وقتا وجهدا، ويخلقون فرصة لتلبية ذلك.

ويحث د. المهدي على التواجد الإيجابي أو البارز للآباء في حياة الأبناء، والذي يعني الوجود المؤثر الدافئ عاطفيا للأب، والقادر على توصيل مشاعره للطفل، وقادر أيضا على استقبال مشاعر الطفل، وبالتالي يحدث ما يسمى بالتفاعل الوجداني.

كما يحذر من نموذج الأب المضغوط نفسيا، وكذلك الأم المجهدة التي تذهب للعمل، ثم تعود لاستكمال طلبات المنزل، فتصبح مجهدة وعصبية، فيكون كلا الأبوين مجهدين، وبالتالي لن يستطيعا إعطاء الصغار ما يحتاجونه من حب وحنان بما يعوض الاحتياج الوجداني لهم، والذي لا يُعطى إلا في جو من الراحة وانشراح الصدر. أما الإجهاد فلا يعطي إلا المشاعر السلبية، بالإضافة إلى الحرمان الوجداني، فنصدر لهم العصبية، ونخلق لديهم حالة من العناد والتوتر.

ويؤكد د. المهدي على خطورة أن يطغى الجانب الأبوي والأمومي “الناقد” على الجانب “الرعائي”، فلا يجب أن يكون كل دوري مع الأبناء أن أرشد وأنهى وأحذر، فلابد من وجود الجانب الرعائي أيضا، والذي يتمثل في الطبطبة على الأبناء والتواجد المريح معهم، وقضاء وقت لا نتحدث فيه عن واجبات مدرسية، ولا توجيهات أخلاقية.

كتبت: ليلى حلاوة

وهنا أيضًا تقرأ:


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: