بحث عن الجهاز الإخراجي “البولي” – مُدَقَّق ومستفيض

الجهاز الإخراجي

محوَر بحث اليوم سيكون عن الجهاز الإخراجي -أو الجهاز البولي-. وبداية؛ لتعلَم أن أحد أهم وأروع الأمور التي يقوم بها جسم الإنسان هي الحفاظ على ما يُسمى  بـ “الاتزان الداخلي”. والاتزان الداخلي؛ هو التنظيم الذي يحافظ على استقرار البيئة الداخلية للجسم. بغض النظر عما يقوم به الإنسان من نشاطات يطرأ الكثير من التغيرات على الجسم بشكل يومي؛ حيث يتناول الإنسان أطعمة وأشربة مختلفة.

كما يدخل الجسم بعض المواد الكيميائية، وتتغير درجة الحرارة الجسم عند اختلاف مستويات الأنشطة التي يمارسها الفرد. ولكن يمكن للجسم أن يتأقلم مع جميع هذه التغيرات فإنه ليس بالأمر الصعب على الجسم.

الجهاز الإخراجي

تلعب جميع الأجزاء العضوية في الجسم دوراً هاماً في الحفاظ على الاتزان الداخلي فهو الأمر الذي يضمن بقاء الفرد علي قيد الحياة، ولكن الجهاز الإخراجي Excretory system المعروف كذلك باسم “الجهاز البولي” والذي يشمل ما يلي:

  • الكليتان.
  • الحالبان.
  • المثانة.
  • الإحليل.

التنظيم الأسموزي

تحافظ كل هذه الأعضاء على حالة الاتزان الداخلي، فالجهاز الإخراجي مسؤول عن الحفاظ على المستويات المطلوبة من الماء والمواد المذابة في الجسم، وهذا ما يسمى بـ “التنظيم الأسموزي” وهو الطريقة التي يتخلص فيها الجسم من المواد التي لا يحتاجها مثل النواتج الثانوية لعمليات الأيض مع ضمان عدم تعرض الجسم إلى الجفاف.

إن الحفاظ على هذا الاتزان هو أمر في غاية الأهمية، وهذه العملية تحدث طوال الوقت في أجسامكم طالما أنكم على قيد الحياة.

كما هو الحال بالنسبة للأجهزة العضوية الأخرى التي تحدثنا عنها سابقاً فإن تركيب الجهاز الإخراجي يختلف من حيوان لآخر؛ حيث تتخلص الحيوانات المختلفة من الفضلات بطرق مختلفة، وذلك بناءً على تاريخها التطوري وطبيعة البيئة التي تعيش فيها، ونوع الأنشطة التي تقوم بها.

الأمونيا

تؤثر هذه العوامل كلها على كيفية تنظيم جسم الحيوان للماء فيجب إذابة معظم الفضلات الأيضية في الماء لكي يتم طرحها والتخلص منها.

ولكن المشكلة هي أن الأمونيا المنتج الثانوي الرئيسي لعملية الأيض التي تنتج من تفكك بروتينات سامة جداً إذا بالاعتماد على كمية الماء الموجودة في جسم الحيوان ومدى سهولة احتفاظ الحيوان بكمية من الماء في داخله تقوم الحيوانات بتحويل هذه الأمونيا إلى يوريا أو حمض اليوريك.

وتقوم الثدييات وكذلك البرمائيات وبعض الحيوانات البحرية مثل أسماك القرش والسلاحف البحرية بتحويل الأمونيا إلى يوريا، وهو مركب ينتج عن اتحاد الأمونيا وثاني أكسيد الكربون في الكبد.

وتمتاز اليوريا بسميتها المنخفضة؛ حيث يمكنها أن تبقى في الجهاز الدوري لفترة من الوقت دون آثار سلبية كبيرة.

ولا بد من وجود كمية إضافية من الماء لإذابة اليوريا والتخلص منها ،وهذا ليس بالأمر الصعب، فالتبول ليس مزعجاً على الإطلاق.

ولكن هذه العملية قد تكون مزعجة بالنسبة لطائر أو حشرة أو سحلية تعيش في الصحراء.

حمض اليوريك

فالحيوانات التي يجب أن تكون خفيفة بما فيه الكفاية لتتمكن من الطيران أو ليس لديها كميات فائضة من الماء ستقوم بتحويل الأمونيا إلى حمض اليوريك الذي يُفرز كسائلاً كثيفاً لذلك فإنها لا تحتاج للكثير من الماء.

وبالنظر إلى فضلات الطيور إذا لم يسبق لكم النظر إلى فضلات الطيور حاولوا أن تنتبهوا من الآن فصاعدا. إن المادة البيضاء في فضلات الطيور هي في الواقع حمض اليوريك، أما المواد البنية فهي البراز.

كيف يتخلص الإنسان من اليوريا؟

بعد الحديث عن مكونات فضلات الطيور دعونا ننتقل للحديث عن الخطوات التي يتبعها جسم الإنسان للتخلص من اليوريا من الدم وطرحها خارج الجسم.

يبدأ الجهاز الإخراجي بالكليتين، وتقوم الكليتان بمعظم الوظائف الصعبة في الجهاز الإخراجي؛ فهي تحافظ على مستويات الماء والمواد المذابة في الجسم. كما تتحكم بالضغط الدم، فلا شك أن الكليتان تقوم بمهام ذات أهمية بالغة.

ولكن الطريقة التي تنفذ فيها مهامها ليست في غاية الفعالية، فهي تبدأ عملها من خلال ترشيح مجموعة من السوائل والمواد المذابة في هذه السوائل من الدم ثم تقوم بإعادة امتصاص 99 % منها مجددا قبل التخلص من ال 1 % المتبقية على شكل بول.

فتخيلوا أن 99% من السائل الذي تم ترشيحه يتم إعادة امتصاصه ففي اليوم الواحد تقوم الكليتان بترشيح حوالي 180 لتر من السوائل من الدم.

ولكن يتخلص الجسم من واحد ونصف لتر فقط عن طريق التبول مما يعني أن وظيفة معظم الجهاز الإخراجي هي ليست التخلص من الفضلات بل إعادة الامتصاص. ولكن من الواضح أن هذا الجهاز ناجحٌ في ابقاءنا على قيد الحياة، لذلك لا نجادل مدى فعاليته.

وهنا تقرأ عن الجهاز العصبي: مكوناته ووظائفه وطريقة عمله تفصيلاً

آلية عمل الكليتين

استعدوا فهناك الكثير من المصطلحات الغريبة مثل؛

النفرونات

تقوم الكليتان بكل هذه الوظائف باستخدام شبكة من وحدات الترشيح الصغيرة، والتي تسمى النفرونات؛ حيث تحتوي كل كلية يبلغ حجمها حجم ثمرة المانجو حوالي مليون نفرون. ويتم فصل جميع النفرونات ويتم وضعها بجانب بعضها البعض فسيمتد طولها إلى أكثر من 80 كيلو متراً.

ومن هنا تبدأ الوظيفة الأهم، ولتفسير آلية عمل النفرون نتتبع تدفق الدم والسوائل من القلب وصولا إلى المرحاض.

يدخل الدم المتدفق من القلب إلى الكليتين عبر الشرايين الكلوية وتسمى بـ “الشرايين الكلوية” لأنها ترتبط بالكليتين، وعند دخول الدم عبر الشريان الكلوي فإنه يجبر بالمرور بشبكة من الشعيرات الدموية الصغيرة إلى أن يصل إلى تشابك من الشعيرات الدموية المسامية تسمى الكبيبة، وتعد هذه هي نقطة البداية لكل نفرون.

محفظة بومان

يكون الضغط داخل الكبيبة مرتفع بدرجة كافية تسمح بدفع ما يعادل 20 % من السوائل إلى خارج الدم، وتجمعه في حوصلة تُشبه الكوب تسمى ” محفظة بومان” وهذه المواد التي تم عصرها هي ليست دماً بل يُطلق عليها الآن “السائل الراشح” ويتكون السائل الراشح من الماء واليوريا وبعض الأيونات والجزيئات صغيرة الحجم مثل الصوديوم والجلوكوز والأحماض الأمينية.

أما المواد الأكبر حجماً في الدم مثل خلايا الدم الحمراء والبروتينات كبيرة الحجم لا يتم ترشيحها. والآن أصبح سائل الراشح جاهزاً للانتقال، فيتدفق من محفظة بومان إلى أنبوب ملتوٍ تُسمى ” النبيب الملتوي القريب” وسمي بذلك لأنه قريب من الكبيبة.

وهذا هو النوع الأول وهناك نبيب ملتوٍ ثانٍ في النفرون ويحدث في هذين النُبيبين بالإضافة إلى مجموعة أخرى من النبيبات عملية التنظيم الأسموزي.

يتم من خلال عدة أنواع متخصصة من المضخات وإضافة إلى النقل النشط وغير النشط إعادة امتصاص الماء والمواد المذابة للوصول إلى حالة الاتزان التي يحتاجها الجسم في تلك اللحظة.

في النبيب القريب يتم إعادة امتصاص المحاليل العضوية من السائل الراشح مثل الجلوكوز والأحماض الأمينية، وغيرها من المواد المهمة التي يحتاجها الجسم.

ومن المهم أيضاً استعادة بعض جزيئات الصوديوم والبوتاسيوم والماء الذي سيحتاجه الجسم لاحقا. ويدخل بعد ذلك السائل الراشح في إلتواء هنلي Henley وهو نُبيب طويل على شكل حرف U يمر خلال الطبقتين الرئيسيتين للكلية. تُسمى الطبقة الخارجية بـ “القشرة الكلوية” حيث تتواجد الكبيبة ومحفظة بومان النُبيبان الملتويان. أما الطرق الداخلية فهي “النخاع الكلوي” الذي يعتبر مركز الكلية.

عالم التشريح فريدريك هنلي

تم اكتشاف التواء هنلي في القرن التاسع عشر من قبل الطبيب الألماني وعالم التشريح فريدريك غوستاف جاكوب هنلي.

ومن الواضح أنه واحد من هؤلاء الأشخاص الذين لا يشعرون بالاشمئزاز على الإطلاق، لأنه قضى معظم حياته المهنية في تشريح الكلى ومقل العيون والأدمغة، ويبدو كذلك أنه كان معجباً بالمخاط والقيح.

وكان من أهم علماء التشريح في عصره، وتم اعتماد كتابه الذي يتألف من ثلاثة أجزاء والذي يتحدث عن التشريح الجهازي البشري كمرجع أساسي في علم التشريح.

واشتهر الكتاب باهتمامه الباهر بالتفاصيل المعقدة وبرسومه التوضيحية الجميلة. لم يكتفي هنلي باكتشاف التواء هنلي الذي يقوم بالوظيفة الأهم في الكليتين عند الثدييات. بل كان هنلي أيضا من أوائل من اعتمدوا نظرية انتشار المرض بالجراثيم التي لم تحظى بشعبية كبيرة حينها.

روبرت كوخ

يعتبر تلميذ هنلي وهو أحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة، وعمل الاثنين معاً لصياغة فرضية هنلي كوخ التي ما زالت إلى اليوم تحدد الشروط الأربعة الرئيسية التي يجب أن تتوافر لافتراض وجود علاقة بين الميكروب ومرض ما.

يعود الفضل لهنلي بالكثير من الأمور التي نعرفها الآن عن جسم الإنسان بدليل أن هناك ما لا يقل عن 9 أجزاء من الجسم تحمل اسمه مثل شقوق هنلي الموجودة بين الألياف العضلية في القلب، وتجاويف هنلي؛ وهي جيوب مجهرية موجودة في بياض العين.

دعونا نسترجع ما قلناه؛ حتى الآن تم استخراج السائل الرشح من الدم ثم أعيد امتصاص بعض الجزيئات العضوية الهامة التي يجب الاحتفاظ بها. ولكن معظم عمليات إعادة الامتصاص هنا في التواء هنلي الذي يقوم بثلاثة أمور مهمة للغاية:

  • أولا: يقوم باستخراج معظم الماء الذي يحتاجه الجسم من السائل الراشح وهو في طريقه إلى الأسفل أي باتجاه النخاع.
  • ثانيا: يضخ الأملاح التي يجب أن يحتفظ بها الجسم من السائل الراشح أثناء عودته إلى الأعلى باتجاه القشرة.
  • ثالثاً: نتيجة لهذه العمليات يُصبح النخاع الكلوي مفرط التوتر أو شديد الملوحة بالمقارنة مع السائل الراشح مما يؤدي إلى نشوء فرقٍ في التركيز مما يسمح للنخاع لاستخلاص المزيد من الماء مرة أخيرة من السائل الراشح قبل إكمال رحلته إلى خارج الجسم.

قد تكون العملية معقدة بعض الشيء إلا أنها تسمح للثدييات بإفراز بول مركز بقدر الإمكان باستخدام الحد الأدنى من الماء الذي يمكن للجسم أن يستغني عنه في ذلك الوقت.

السائل الراشح

يبدأ السائل الراشح في النزول إلى أسفل الالتواء، وما عليكم معرفته هنا هو أن الغشاء هنا يكون عالي النفاذية للماء وليس للأملاح أو المواد الأخرى فهو منفذ بشكل رئيسي للماء.

والآن بالمقارنة مع السائل الراشح يكون نسيج النخاع الكلوي شديد الملوحة، وعندما يمر السائل الراشح عبر الذراع النازل يصبح النسيج المحيط مفرط التوتر بشكل متزايد.

وكلما اتجهنا إلى الأسفل كلما ازدادت الملوحة. وعند ربط المعلومات التي ذكرناها في الموضوعات السابقة عن الخاصية الأسموزية ستعرفون أنه أثناء حركة السائل الراشح فإنه سيفقد المزيد والمزيد من الماء عبر غشاء.

وبمجرد وصول السائل الراشح إلى الجزء السفلي من الالتواء فإنه سيكون شديد التركيز.

أما الآن فسيدخل السائل الراشح في الذراع الصاعد من التواء هنلي، وهنا تحدث نفس العملية ولكن بشكل عكسي فلا يكون الغشاء منفذاً للماء.

وبدلا من ذلك يكون مبطناً بقنوات تنقل الأيونات مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكلور، ولشدة تركيز السائل الراشح فإنه في الواقع أصبح مفرط التوتر بالمقارنة مع السائل الموجود في النخاع الكلوي؛ لذلك أثناء صعوده تبدأ كمية كبيرة من الأملاح بالتدفق من السائل الراشح إلى الخارج مما يجعل النخاع الكلوي شديد الملوحة إلى حد كبير، وينشأ عن هذا الارتفاع الشديد في ملوحة النخاع الكلوي فرقا في التركيز بين النخاع الكلوي والسائل الراشح.

وهذه العملية ضرورية للوصول إلى الخطوة النهائية من تكوين البول، ولكن قبل ذلك بعد خروج السائل الراشح من التواء هنلي ووصوله إلى القشرة فإنه يدخل في النُبيب الملتو الثاني والذي يسمى بـ “النبيب الملتوي البعيد” في حين أنه تم في النبيب الملتوي  الأول إعادة امتصاص المركبات العضوية التي كانت موجودة في السائل الراشح.

يتم في النبيب الملتوي الثاني تنظيم مستويات البوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم؛ حيث يتم تنظيم هذه المستويات بالاعتماد على المضخات والهرمونات التي تنظم عملية إعادة الامتصاص.

وعند الانتهاء من جميع هذه العمليات يكون الجسم قد استعاد كل المواد التي يرغب بالاحتفاظ بها من السائل الراشح؛ مما يعني أنه كل ما تبقى في السائل الراشح هو مجرد الفائض من الماء واليوريا والفضلات الأيضية الأخرى.

يتم التخلص من كل هذه المواد في القنوات الجامعة التي تنقلها إلى النخاع الكلوي مرة أخرى. وكما تذكرون فإن النخاع الكلوي شديد الملوحة فتتدخل في هذه المرحلة المزيد من الهرمونات وتأمر القنوات الجامعة بتغيير مسامية أغشيتها.

وإذا أصبحت الأغشية ذات مسامية مرتفعة سيمتص النخاع الكلوي المزيد من الماء مما يجعل البول أكثر تركيزاً. وفي هذه المرحلة يغادر البول الكليتين ويتدفق إلى المثانة البولية بواسطة أنابيب تُسمى الحالبان.

وعندما يجتمع البول في المثانة يشعر الجسم في حاجة للذهاب إلى الحمام، وعند حدوث ذلك تسترخي العضلة العاصرة ثم يخرج البول من المثانة إلى أنبوب يُسمى إحليل وهكذا يخرج البول من الجسم.

ونكون بهذا قد بينا لكم آليه عمل الجهاز الإخراجي في الإنسان، ويعمل الجهاز الإخراجي في معظم الثدييات على نحو مشابه على الرغم من وجود بعض الاختلافات بناءً على البيئة التي يعيشون بها والأنشطة التي يقومون بها، فعلى سبيل المثال؛ الجرذ الكنغري Dipodomys وهو حيوان صغير يعيش في الصحراء يمتلك البول الأكثر تركيزا بين جميع الحيوانات الأخرى في العالم.

وذلك لأنه لا يمكنه الاستغناء عن الماء؛ وبالتالي يكون التواء هنلي لديه طويلا جداً حتى يتم إعادة امتصاص معظم الماء من السائل الراشح.

وفي المقابل في حيوان القندس يكون التواء هنلي لديه قصيراً جداً؛ لأنه لا يحتاج لإعادة امتصاص الماء فهو من القوارض المائية التي تعيش عادة في الماء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: