إنما الأعمال بالنيات.. صحة الحديث – ما يؤخذ منه وما يرشد إليه

صورة , الدعاء , الصلاة , مسلم , الأعمال

سينصَب كلامنا اليوم حول حديث إنما الأعمال بالنيات. وبعد أن نحمد الله علام الغيوب، ومن لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرضين، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يُخدع ولا سبيل إلى الكذب عليه أو المراوغة بين يديه.

الحمد لله أنه يعلم خبايانا ولا تستتر عنه خفايانا ويجازينا على نوايانا ولا يأخذنا بظاهر أفعالنا فقط، الحمد لله أنه يعلم ولا يظلم مثقال ذرة، الحمد لله أن ربنا الله!

صحة حديث إنما الأعمال بالنيات

حديثنا اليوم يدور حول عبارة قصيرة وكلمات شهيرة نقلتها لنا السُنَّة النبوية المطهرة، تشكل جزء أساسيا من بناء شريعتنا وكيان عقيدتنا، حيث أنه من أشهر الأحاديث التي نتحرك في دائرة معانيها، ونتصرف في عباداتنا وعادتنا انطلاقا منها ويقينا بمصداقيتها، وهو الحديث المشهور من صحيح البخاري والذي روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).

أهمية حديث إنما الأعمال بالنيات

هذا الحديث الذي بين أيدينا يعد من أهم الأحاديث والتي تمثل قاعدة عامة من قواعد الشريعة الإسلامية، وهي أن النيات معتبرة في الشرع بما لا يقل عن الأعمال نفسها ولا ينفصل عنها، كما أنها معتبرة في قضية الثواب والعقاب، ويعده بعض العلماء شطر الدين أي نصفه، مبينين أن مدار الشريعة بين حديثين هذا الحديث واحد منهم حيث يتعلق بنصف الأعمال وهي النوايا.

ما يؤخذ من الحديث

يؤخذ من هذا الحديث عدد من المعلومات والفوائد العقائدية والشرعية والآداب الإسلامية من أهمها ما يلي:
أن النية شرط من شروط صحة الأعمال ولا تعتبر الأعمال من الناحية الشرعية إلا بالنية، ومثال ذلك، أن الرجل أو المرأة في العموم قد يغتسل وينظف جسده أو يعمم جميع جسده بالماء دون نية معينة، فلا يعد هذا من باب الطهارة من الحدث بينما يفعل نفس الشيء بنية غسل الجنابة فيرفع هذا الفعل عنه الحدث الأكبر ويبيح له مس المصحف والصلاة وغيرها، إذا الفرق الوحيد هنا هو النية.

أن الله يحاسب الإنسان على نواياه بالضبط كما يحاسبه على أعمال الجوارح، فيجزي خيرا على النية الطيبة حتى وإن اقتصر الأمر على مجرد النية ولم يتعداها إلى الفعل أو العمل، ومن الأحاديث التي تؤكد نفس المعنى ما جاء عن النبي صل الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل إذ يقول: (قَالَ إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، إِلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلى أَضْعافٍ كَثيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللهُ لَهُ سَيِّئَةً واحِدَةً).

النية هي التي تحدد حكم بعض الأفعال، وقديما ضربوا لنا مثالا لو أن رجل تقترب منه أفعى توشك أن تقتله فرآه رجل أخر فأخذ حجرا يريد أن يقتل به الأفعى، فلما ألقاه أصاب الرجل فقتله، فهل هو قاتل أم لا؟

هذا الحديث يعلمنا أن الحكم على ظواهر الناس حكم قاصر، يقوم على نظرة قاصرة ومحدودة، فكم من منفق وساع في الخير يملأ الدنيا بمعروفه لا يبتغ من وراء ذلك إلا الرياء والسمعة والذكر الحسن في المجالس، فهذا ليس له من عمله إلا ما أراد.

يؤدبنا هذا الحديث بأدب رائع وهو أن لا ننصب أنفسنا حكاما على الخلق ولا على أفعالهم، وكيف نحكم على شيء بدا لنا نصفه وخفي علينا نصفه، فكثير من الأفعال التي تلتبس علينا نفسرها من تلقاء أنفسنا ونصنفها رجما بالغيب ونحن نجهل نية فاعلها أو مقصده أو دوافعه.

واقرأ هنا أيضًا: رَبُّوا أبنائكم على حب الله

ما يرشد إليه الحديث

في الحديث دعوة لإصلاح نوايانا وأن نسير في هذه الحياة بنية طيبة، ساعين إلى الخير في كل أحوالنا فإن وفقنا في سعينا فخيرا وإن حالت الظروف دون ذلك فُزنا بثواب النية وجُزينا خيرا عليها.

النية نصف العمل وهي التي تحفزنا وتقوى عزيمتنا على نصفه الآخر، فمن ينوي القيام لصلاة الفجر فهو يحفز نفسه ومخه، ويعد جسده للقيام ويقوي عزيمته فيقاوم الكسل والبرد والرغبة في النوم، فإن أفلح فقاد فاز وإن أخفق أو غلبه شيطانه فإن الله يجزيه عن نيته ويعينه على نفسه.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: