أبو طالب «شيخ بني هاشم»

أبو طالب , عم الرسول , شيخ بني هاشم

لا يمكن لأحد رواية السيرة النبوية الشريفة دون ذكر الدور العظيم الذي لعبه أبو طالب عم الرسول ﷺ وشيخ بني هاشم. فلقد كفل أبو طالب محمدا وهو طفل وصبي وحماه وهو رجل ونبي وكان وجود أبي طالب لنصرة رسول الله ﷺ ضرورة من ضرورات الخلقة وسنة لا بد منه لظهور البعثة وانتشار الدعوة ولقد أدرك أبو طالب الواجب الذي أناطه به القدر فنصر ابن أخيه وأيده ولم يعبأ بكبراء قريش وزعمائها حين عادوه وخاصموه من أجله، فلقد أنفق حياته كلها في نصرة النبي ﷺ وفي قهر أعدائه…

عندما توفي عبد المطلب سيد قريش آلت كفالة حفيده محمد بن عبد الله إلى عمه أبي طالب وإن لم يكن أكبر إخوته سنا فلقد كان الحارث أسمهم وكان العباس أكثرهم مالا لكنه كان على ماله حريصًا فلا عجب أن كان أبو طالب على فقره أنبلهم خلقا وأكرمهم في قريش مكانة واحتراما ولذا عهد إليه عبد المطلب بكفالة محمد من بعده.

وقد أحب أبو طالب ابن أخيه حتى كان يقدمه على أبنائه وكان يجد فيه من النجابة والذكاء والبر وطيب النفس ما يزيده به تعلقا وأراد أبو طالب أن يخرج يوما في تجارة له إلى الشام حين كان محمد في الثانية عشرة من عمره ولم يفكر في استصحابه خوفا عليه من عناء السفر وقسوة الصحراء ولكن محمدا تشبث بزمام ناقته وقال له: يا عم إلى من تكلني ولا أب لي ولا أم فرد أبو طالب في تأثر: والله لأكلك إلى غيري ثم مد يده فجذبه وأردفه خلفه وصحب الغلام القافلة حتى بلغ بصري في جنوب الشام وهناك التقي كما تروي كتب السيرة بالراهب الذي رأى فيه أمارات النبوة فنصح عمه ألا يوغل به في بلاد الشام خوفا عليه من اليهود أن يعرفوا منه هذه الإمارات فينالوه بالأذى فقفل أبو طالب عائدا بالغلام وفضل سلامته عن أي مغنم من تجارة أو مال.

وكما عرف محمد طرق القوافل في الصحراء مع عمه أبي طالب عرف كذلك حمل السلاح إذ وقف إلى جانب أعمامه في حرب الفجار وقد سميت بهذا الاسم لأنها وقعت في الأشهر الحرم التي تمتنع خلالها قبائل العرب عن القتال ويعقدون أسواق تجارتهم بعكاظ وذي المجاز لتبادل التجارة وللتفاخر والجدل ثم الحج بعد ذلك عند أصنامهم بالكعبة وفيها كان اليهود والنصارى وعباد الأصنام يحدث كل عن رأيه آمنا لأنه في الشهر الحرام.

وكان أبو طالب برغم مكانته وعلو مركزه في قريش قليل المال كثير العيال ففكر أن يجد لابن أخيه سبيلا للرزق أوسع مما يجيئه من رعاية الغنم فقد كان محمد يرعى غنم أهله وكذا غنم أهل مكة وكان يذكر رعيه للغنم مغتبطا وكان يقول: ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم ولهذا قصد أبو طالب إلى خديجة بنت خويلد؛ وكانت امرأة من بني أسد ذات شرف ومال. وطلب منها أن تستأجر محمدا في تجارتها إلى الشام وتمكن محمد بأمانته ومقدرته أن ينجر بأموال خديجة أوفر ربحا مما فعل غيره من قبل كما استحوذ على إعجابها بوسامة طلعته ونبل شمائله فوق ما كانت تعرف من فضله على شباب مكة فلم يلبث إعجابها به أن انقلب حبا جعلها وهي في الأربعين من عمرها تود أن تتزوج من هذا الشاب الذي نفذت نظراته وكلماته إلى أعماق قلبها وهي التي ردت من قبل أعظم رجال قريش شرفا ونسبا ومالا وتزوج محمد من خديجة وبدأت صفحة جديدة من حياة المبعوث الأمين وهي حياة الزوجية والأبوة التي عانت من الآلام لفقد الأبناء ما عاناه محمد في طفولته وصباه لفقد الآباء.

ثم جاء الحادث الخطير لا في حياة قريش والعرب وحدهم بل في حياة الإنسانية جمعاء فلقد تلقى محمد رسالة السماء وجاءه الوحي الإلهي فحمله الأمانة العظمي وبعثه في الناس بشيرا ونذيرا وعندما أمره أن يظهر ما خفي من أمره وأن يصدع بما جاءه منه ونزل الوحي بقوله ﷻ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُون﴾ — سورة الشعراء الآيات من 214 إلى 216.

ولذا دعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته وحاول أن يحدثهم داعيا إياهم إلى عبادة الله ﷻ فقطع عمه أبو لهب حديثه واستنفر القوم ليخرجوا من بيت محمد فانصرفوا مستهزئين.

وانتقل محمد بعد ذلك بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعا فصعد إلى الصفا ونادي يا معشر قريش فلما اكتمل جمعهم قال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقون؟ قالوا: نعم أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذبا قط. قال: فإني نذير بين يدي عذاب شديد… يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يابني زهرة يا بني تميم يابني مخزوم يا بني أسد إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله فنهض أبو لهب وكان رجلا بدينا سريع الغضب فصاح: تبا لك أهذا جمعتنا؟ وارتج على محمد ونظر إلى عمه أبي طالب في صمت وماليث الوحي أن جاء بقوله ﷻ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب﴾.

ولم يكن أبو طالب قد دخل في دين الله لكنه ظل حاميا لابن أخيه معلنا استعداده للدفاع عنه لذلك مشي كبراء قريش وأشرافها إلى دار أبي طالب، وقالوا له إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فرد أبو طالب ردا جميلا ومضى محمد يشتد في الدعوة إلى رسالته غير مكترث بهم فقد أخذت دعوته في الانتشار وبدأ اتباعه يتزايدون مما جعل أشراف قريش وكبراءها يمشون إلى أبي طالب مرة ثانية ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة وكان أن هد فتي في قريش وأجملهم وطلبوا إليه أن يتخذه ولدا ويسلمهم محمدا فأبي ومضى محمد في دعوته ومضت قريش في ائتمارها وغيها وعندئذ ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة وقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين

وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم وبعث إلى محمد فقص عليه رسالة قريش ثم قال له: فابق على وعلي نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق وأطرق محمد إطراقة وقف إزاءها التاريخ مبهوتا في انتظار الكلمة التي سينطق بها رسول الله ﷺ بعد أن أدرك أنه لم يبق له دون الحق نصير ولم يعد يملك سوي إيمانه بربه عدة، ولكنه صمم على أداء رسالته والدعوة إلى ما أمره به ربه مهما كانت العواقب لذا التفت إلى عمه وقال له: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته».

واهتز الشيخ لما سمع من جواب ابن أخيه وما هي إلا لحظة حتى نادي أبو طالب محمدا فلم أقبل قال له في تأثر: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدا ولم يكن أبو طالب غافلا عما يدبره القوم وأدرك أن حياة ابن أخيه قد غدت في خطر عظيم فدعا محمدا وبني هاشم أن يهجروا بيوتهم جميعا في مكة ويدخلوا في شعب أبي طالب قريبا من مكة عند الجمرة الوسطى.

وأصبح الناس في مكة وإذا محمد قد غاب وإذا بنو هاشم قد غابوا جميعا فائتمرت قريش من جديد واتفقوا فيما بينهم على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة وعلقوا صحيفة هذا العقد في جوف الكعبة توكيدا لها وتسجيلا وقام الشيخ الحكيم أبو طالب بالسهر على أهله في محنتهم طوال زمن الحصار فكان يوزع الطعام عليهم ويدعوهم إلى الصبر والجلد كما بث العيون والأرصاد على منافذ الشعب وأقام حراسة مشددة على حدوده من رجاله الأقوياء ليلا ونهارا حتى لا يفاجئهم أحد وكان يغير موضع النبي ﷺ في مرقده كل ليلة ضمانا لسلامته وظلت مقاطعة المسلمين قائمة ثلاث سنوات متتابعة حتى قيض الله زهيرا بن أمية فطاف بالبيت سبعا ثم نادي في الناس: يتأهل مكة أن أكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكي لايبتاعون وليبتاع منهم والله للأقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ولما شقت الصحيفة إذا الأرضة قد أكلتها إلا فاتحتها باسمك اللهم وبذا أتيح للرسول ﷺ وقومه أن يعودوا من الشعب إلى مكة.

وأدركت المنية أبا طالب وهو ابن خمس وثمانين قضى أكثر من نصفها في رعاية رسول الله ﷺ ونصرته وحمايته فلما مات فرحت قريش لموته واشتد بأسها وأذاها، بينما حزن النبي ﷺ حزنا شديدا وكان يقول: ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب.

بقلم: جمال حماد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: