آلام فرتر

في إجازة صيفية قصيرة إلى العريش المصيف الذي أفضله وأقصده في هذا الوقت من كل عام – اصطحبت معي كتابا سحرتني قراءته لأول مرة وأنا دون الحادية عشرة من العمر.

كان الكتاب – وهو آلام فرتر لشاعر ألمانيا العظيم جوته (The Sorrows of Young Werther) ترجمه عن الفرنسية الكاتب الكبير أحمد حسن الزيات صاحب المدرسة الأسلوبية المتميزة في مؤلفاته وترجماته، بعد مدرستي المنفلوطي وطه حسين – واحدا من الكتب البديعة التي اقتناها أبي منذ ثلاثينيات القرن الماضي ضمن مجموعة ضخمة من أعداد مجلتي الرسالة والرواية اللتين كان يصدرهما ويرأس تحريرهما الزيات، وعدد كبير من المترجمات الجميلة من بينها ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون لألفونس كار ورافاييل للامارتين واعترافات فتي العصر لألفرد دي موسيه وكانت مجلة الرواية تنفرد بنشر ترجمة دريني خشبة الفاتنة لرائعة هوميروس الأوديسة. بالإضافة إلى عدد كبير من الدواوين الشعرية ومختارات النظم والنثر اقتناها أبي في مكتبته المتواضعة تعبيرا عن حبه للشعر، ولممارسته للكتابة الشعرية – في بعض المناسبات – على استحياء، دون أن يحرص على نشره أو إطلاع الآخرين عليه.

وكان ديوان شوقي الشوقيات في طبعته الأولي هو بقرابتي الملكية – كما يقولون – إلى الشعر العربي كله، وكان شوقي أول وأعظم من قرأت من الشعراء في تلك السنوات الباكرة من عمر الصبا.

أما لماذا اصطحبت آلام فرتر دون غيره من تراث هذه القراءات الأولي، فلأن الشاعر والناقد اللبناني الدكتور ياسين الأيوبي أهداني – متفضلا طبعة جديدة من الكتاب، قام فيها بدراسة تحليلية مطولة لهذا النص الأدبي الرائع، كما ترجمه الزيات، وشكله وتمم شرحه، مما جعل من طبعته هذه – التي صدرت مؤخرا – وثيقة أدبية ونقدية يتجاور فيها إبداع جوتة ولغة الزيات وأسلوبه وتحليل الأيوبي وشروحه وتعقيباته.

يقول الأيوبي في دراسته المطولة عن الرواية: بدأتها بباب خاص عن صاحب الرواية وما يتصل به، من سيرة ذاتية وارفة الظلال مترامية القطوف، وحضور فكري واجتماعي وأدبي متعدد الوجوه والأساليب، تلوته بباب آخر أوسع وأطول، عنيت فيه بهذه الرواية الخالدة، باذلا فيها قصاراي في مقاربة النص ودراسته وتحليله، والخروج بما يليق به من فصول نقدية هادئة، لكنها مشحونة بالتوتر الداخلي، متوهجة بسعادة لا حدود لها، لأني قمت بما يشبه الإبداع في مواكبة هذه الرواية وقراءتها بكثير من التبصير والتأمل، مستشعرا – وأنا أبسط الكلام فيها – قدرا كبيرا من العزاء والشفاء الروحي، وهو ما أوصي به جوتة نفسه وناداها بحرارة وتضرع، وهو يقدم لروايته قائلا:

وأنت أيتها النفس اللطيفة الشاعرة! إذا أشجاك ما أشجي فرتر من غصة الهم وحرقة الجوي، فاستمدي البصر والعزاء من آلامه، وتلمسي البرء والشفاء من أسقامه، واتخذي هذا الكتاب صاحبا وصديقا إذا أبي عليك دهرك أو خطؤك أن تجدي من الأصدقاء من هو أقرب إليك، وأحني عليك.

أما جوتة (1749-1832) مؤلف آلام فرتر فهو أشهر أدباء ألمانيا العظام، وأوسعهم تأثيرا في الأدب الأوربي والعالمي، حتي لقد سمي القرن الثامن عشر باسمه، فقيل عنه عصر جوتة لشهرة أعماله: واثارها البعيدة في الأجيال، وشمولية ما كتب وأبدع وعالج، في أعمال تندرج تحت عناوين مختلفة بين شعر وقصة ومسرح ومذكرات ودراسات وبحوث علمية متخصصة في التاريخ والسياسة وعلم النفس والعلوم النظرية والتطبيقية كالنبات والمعادن والسلالة البشرية والهندسية المعمارية، فضلا عن رسائله العديدة المتبادلة بينه وبين كبار أدباء عصره ورجالاته وأصدقائه، وعدد كبير من النساء اللواتي شغلن مساحة كبيرة من مصادر كتاباته وإبداعاته.

في طليعة هذه الأعمالك آلام فرتر وفاوست واليهودي التائه وإيفيجينيا وسنوات التمرس لدي ولهلهم ميستر و قيصر وسقراط وبرومثيوس وستيلا والأغاني الرومانية وأشعار البندقية وشعر وحقيقة والمواطن العام والثائرون والأنساب المختارة وفي نظرية الألوان والميول الاختيارية والديوان الشرقي للمؤلف الغربي – الذي ترجمه الدكتور عبد الرحمن بدوي، ويضم الديوان في قسمه الأول اثني عشر كتابا يضم كل كتاب موضوعا له قصائد وحواشيه من بينها كتاب المغني، كتاب حافظ( الشيرازي)، كتاب العشق، كتاب التفكير، كتاب الحكمة، كتاب زليخا، كتاب الساقي، كتاب الأمثال وأخيرا كتاب الخلد.

أما أعماله الكاملة فقد ناهزت المائة، وتنوعت تنوعا أدبيا وثقافيا وعلميا جعل منه واحدا من أدباء النهضة الكبار، وعلما من أعلام المدرسة الرومانسية وروادها في الإبداع الأدبي على مستوي الشعر والرواية.

ولد يوهان وولفجانج فون جوتة في مدينة فرانكفورت، من أسرة بورجوازية مثقفة، وورث الابن عن أبيه – الذي بلغ مكانة مرموقة في مجتمعه أهلته للزواج من ابنة عمدة فرانكفورت – الحزم والنظام، وتحكيم العقل، والإرادة الصلبة، وعن الأم قوة الخيال وروح القص و جمال الظرف.

وحرص الأب على أن يكون ابنه موظفا كبيرا في الدولة، فوجهه إلى دراسة الحقوق في جامعتي ليبزج وستراسبورج ليمارس المحاماة وينخرط في حياة الناس وليبعده عن الأدب ومجالسه التي لن تحقق الهدف البعيد الذي رسمه له، ويلتقي جوتة بدوق مدينة فايمار: شارل أوجست الذي يدعوه لزيارتها وتستضيفه الدوقة أماليا والدة الدوق الشاب، وتتحول الزيارة إلى إقامة طويلة – تسع سنوات – يصبح فيها جوتة مستشارا ووزيرا، فضلا عن كونه مديرا للمسرح ورئيسا للمجلس الهندسي المكلف بترميم القصر المحترق. لكن نزعته الأدبية تجعله يثور ويتمرد على هذه الوظائف والأعمال الإدارية، فيسافر خلسة إلى إيطاليا حيث تستهويه روما بحياتها الحرة المطمئنة وحاضرها الزاخر بالحركة والحياة، ويقضي فيها عشرين شهرا، قبل أن يرافق الدوق في رحلة إلى فرنسا، ويزور سويسرا عدة مرات، مغذيا دوما مشاعره وتأملاته الواسعة في الطبيعة والإنسان

ويموت والد جوته في عام 1782، ثم تموت والدته بعده بربع قرن عام 1808 وكان آخر مرة رآها فيها عام 1797.

ويسجل الدكتور ياسين الأيوبي في كتابه عن السيرة الذاتية لجوته ما ذكره الدارسون من أنه تعرف على فتاة متواضعة الجمال والعلم والجاه تدعي كريستيان فيلبيوس، جاءت إليه وهو في منصبه الرفيع في فايمار طالبة منه مساعدتها في توظيف شقيقها، فأعجب برقتها. وأحبها، وتزوجها زواجا سريا حتي يتجنب الاختلاط بها في الأوساط الاجتماعية الراقية، وظل الأمر سرا، ولم يعلن زواجه الشرعي منها إلا بعد وفاتها في عام 1816- وهي راضية بذلك وقانعة- بعد سبعة وعشرين عاما من الحياة الزوجية، أنجب منها ابنه الوحيد أوجست وعمره أربعون عاما. ويضيف الدارسون أن هذا الابن قد أفسد حياة والده بسبب نزقه المستمر وممارسته للهو والمرح وإدمانه للشراب، فأرسله أبوه إلى ايطاليا عله يغير من سلوكه ويجدد معالم الحياة في نفسه، لكن أوجست ظل على حاله دون تغيير حتي توفي في عام 1830 قبل وفاة أبيه بعامين. ويقال إن جوته أصيب بنزف دموي حاد عقب وفاة ابنه، فاعتلت رئتاه وأخذت صحته تتدهور وأوجاعه تتزايد، حتي كان صباح الثاني والعشرين من آذار 1832، استيقظ من نومه وسأل عن اليوم فلما أخبر به قال انه بشري الربيع، وسأل عن النور وهو في غرفة مغلقة فطلب شيئا من النور، وكان هذا آخر ما نطق به ثم فاضت روحه.

ولقد أتيح لشاعر ألمانيا العظيم جوته أن يتعرف على العديد من الشخصيات النسائية والكثير من عظماء عصره، غيرت الكثير من مجري حياته وزودته بعناصر ثمينة من الإبداع. من بينهم الشاعر الألماني هردر- الذي تعرف عليه وهو يدرس الحقوق في جامعة ستراسبورج- ولازمه وقتا طويلا، وتأثر به في المنحي القومي الألماني في العديد من كتاباته الشعرية والنثرية والغوص في التراث اليوناني والالتفات إلى الحس البدائي للغة الإنسان الأصيلة ذات الحيوية المدهشة، كما كان لهردر تأثيره المباشر في توجيه جوته نحو أدب شكسبير وما يحمله من عمق الإحساس الإنساني وسبر الأغوار النفسية وإبداع الشعر المسرحي، وهو ما ظهر تأثيره في مسرحية جوته وملحمته الشعرية فاوست

كما نشأت صداقة قوية بين جوته وشيلر، الذي كان يؤمن بالتفكير الجدلي العقلي ويعجب بتفكير جوته المتميز بالوجدان. وتعاونا معا عندما أنشأ شيلر مجلة الساعات وشارك جوته في تحريرها، وأثمرت علاقتهما الفكرية المتشعبة أربعة مجلدات من الرسائل الأدبية والفكرية المتبادلة فيما بينهما على مدي عشر سنوات، عرضا فيها لمجمل قضايا العصر، والهموم الذاتية التي أغنت الأدب الألماني، فجعلته مع أعمال كثيرة أخري ينعم بأجمل عصوره الأدبية في تاريخه الطويل.

كذلك أتيح لجوته أن يتعرف على الأديبة الفرنسية المشهورة البارونة مدام دي ستايل وكانت في زيارة لمقاطعة فايمار حيث موقع جوته ومسرح أعماله ووظائفه ومهامه. وقد جعلت دي ستايل من منزلها صالونا لأهل الفكر والسياسة، كما أنها رأت في مقاطعة فايمار إمارة نموذجية للعلم والأدب والفن، وقصرا كبيرا يعج بالحركة والنشاط والحياة الفكرية على إختلافها، وكان أكثر ما أثار انبهارها ودهشتها مسرحها الكبير الذي يديره أكبر شعراء ألمانيا: جوته.مما جعل من فايمار تبدو في عيني دي ستايل وكأنها أثينا اليونانية وهكذا سجلت آراءها وعبرت عن انطباعها العميق عن رحلتها في كتابها المشهور في ألمانيا.

وأتيح لجوته أن يلتقي بعبقري الموسيقي الغربية الشهير بيتهوفن حين كان جوته يستشفي في إحدي المدن السياحية الجميلة ذات المناخ المعتدل والمياه المعدنية الشافية في صيف عام 1812، يقول الدكتور ياسين الأيوبي عن هذا اللقاء في تقديمه لكتاب آلام فرتر: كان لقاء وديا وتفاهما سريعا، على الرغم من المفارقة الشاسعة بين التربيتين والنشأتين والمكانتين: جوته الثري وصاحب المناصب الرفيعة والأطوار المتقلبة، وبيتهوفن المتبتل لفنه، المنصرف إلى شجون ذاته، وطموحها الكبير في إنجاز أعمال موسيقية خالدة، تخلد اسمه فيصبح على كل شفة ولسان.

وتروي إحدي حبيبات جوته الصغيرات أن العبقريين- بينما كانا يتنزهان في حديقة المدينة- التقيا بالأسرة المالكة، فتوقف جوته عن السير، مفسحا المجال لمرور الموكب الملكي، بينما أخفي بيتهوفن وجهه عن المشهد وضم معطفه على صدره، وظل سائرا في طريقه غير عابيء بأحد. فما كان من الأمراء إلا أن أفسحوا له الطريق، وبادره الأرشيدوق رودلف بالتحية، وكذلك فعلت الإمبراطورة، وسرعان ما التفت بيتهوفن إلى الوراء ليجد جوته متوقفا حانيا ظهره ممسكا قبعته بيده، حتي كاد يلامس الأرض.

ويذكر عنهما بما يشبه الطرفة، أنهما- وهما يتنزهان في حدائق كارلسباد، أخذ الناس يقبلون عليهما ويحيونهما، فاغتاظ جوته من ذلك وشكا إلى رفيقه قائلا: يضايقني أني لا أستطيع الخلاص من مظاهر هذا الإعجاب، فأجابه بيتهوفن بلطف ساخر: لا تنزعج ياصاحب السعادة، فلعل هذه المظاهر موجهة الي شخصي!

وأخيرا يتاح لجوته ان يلتقي بنابليون بونابرت. لقد كانت مقاطعة فايمار تحت حكم الإمبراطورية الروسية التي كانت على عداء شديد مع فرنسا في زمن نابليون بونابرت، وما هي إلا سنوات حتي احتل نابليون فايمار، فهاجر من هاجر وبقي من بقي، وكان جوته أحد المعجبين بنابليون، فعمد الي البقاء في موقعه الذي يشغله في مقر الإدارة، وعندما قامت المفاوضات بين نابليون ورؤساء روسيا وبروسيا، رغب دوق فايمار أن يكون جوته ضمن الوفد المفاوض، وعلم نابليون بوجود جوته بين المفاوضين، فاستقبله منفردا، وأشاد بهمته العالية وشاعريته، ووصفه بأنه أعظم شاعر تراجيدي في ألمانيا. ثم أشار نابليون إلى رواية فرتر التي تأثر بها كل التأثر، لدرجة أنه قرأها سبع مرات، وبخاصة أثناء حملته على مصر. ولم يكتف نابليون بهذا الحوار مع شاعر ألمانيا الأكبر، بل دعاه لحضور فرقة الكوميدي فرانسيز التي كانت ترافقه، وكانت تعرض مسرحية، موت قيصر التي ألفها جوته، وبعدها دعي جوته لمقابلة الإمبراطور الذي فاجأه بقوله يجب أن تكون التراجيديا مدرسة للملوك والشعوب، أما الشاعر فينبغي أن تكون أعظم آثاره، يجب أن تذهب الي باريس، وأن تكتب من جديد رواية موت قيصر وأن تبين كيف أنه كان يستطيع تحقيق سعادة العالم لو أنهم تركوه يعيش.

لا شيء يساوي ترجيديا حسنة الوضع والتأليف، إنها تتفوق على التاريخ من بعض النواحي.

ويقول الدكتور الأيوبي لقد تطورت العلاقة بين جوته ونابليون من الرضا والإعجاب إلى التعلق المثالي، بحيث أصبح الإمبراطور رمزا للقائد العظيم الذي يستمد منه جوته – وأمثاله من الكتاب والفنانين – القوة والإلهام العبقري، أما نابليون فقد وجد في جوته الإنسان الكبير الذي يعمل للإنسانية بسلام، فلا اعتراض لديه، ولا انخراط في جبهة المقاومة وتعرية النظام وفضح عيوبه وثغراته، حتي إذا سقط النسر من عليائه وتصدعت جدران البنيان الشامخ غداة هزيمته الكبري في معركة واترلو في يونيو عام 1815 – أمام الإنجليز والبروسيين – بقي جوته على مشاعر التقدير البطولي للرمز الذي يمنح الاعتزار والشموخ للآخرين، فلم ينكفئ ولم يرتد، ولم يهن عنده الإيمان بإمكان عودة الأمور الي ما كانت عليه طوال قرن من الزمان.

تري، ما الذي أغري نابليون بقراءة آلام فرتر لجوته سبع مرات؟ هأنذا أعود الي قراءتها من جديد بعد انقضاء زمان طويل على قراءتها لأول مرة، واكتشاف عالمها المتوهج بالنبل والحب المثالي والنزعة الرومانتيكية والمشاعر العفيفة، وهو ما سوف أحدثكم عنه في المقال القادم.

بقلم: فاروق شوشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: