خطبة عن الرزق وأسبابه ومفاتيحه

عندما يُلقي الخطيب خطبة عن الرزق وأسبابه ومفاتيحه وسُبل توسعته؛ فليعلم حينها أنه اختار موضوع خطبة يشغل بال كل الناس؛ نعم كل الناس، هل تعتقدون أن هناك من لا يشغله أمر الرزق أو السعي لكسب قوت يومه أو لقمة عيشه؟

ومن هذا المُنطلق تأتي أهمية خطبة الجمعة التي لدينا اليوم. فكثير من الخطباء الأكرم يسألون عن عنوان هذه الخطبة تحديدًا، وعناوين مُشابهة؛ مثل: أنواع الرزق، الثقة في رزق الله، أسباب الرزق الحلال.. وغيرها من العناوين التي يسعى الخطباء أن يجدوا لها محتوىً جيّد ومؤثر، يترك بصمة قوية في قلوب وعقول المصلين.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الحمد لله الذي عنت الوجوه لعظمته، أحمده سبحانه وأشكره على عظيم آلائه وواسع رحمته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا رسول الله أرسله ربه بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فصلوات الله وسلامه عليه، ما ترك خيرًا إلا دل عليه، ولا شرًا إلا حذر منه.

فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت به نبيا عن قومه، ورسولا عن أمته.

صل يا ربنا عليه وعلى آل بيته وأصحابه الأطهار حق قدره ومقداره العظيم.

الخطبة الأولى

وبعد فإن الوصية المبذولة لي ولكم أيها الإخوة هي تقوى الله ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾.

هم الرزق أكل القلوب وشغل العقول

أيها المسلمون الكرام إن هَم الرزق قد أكل قلوبًا وشغل عقولا، نعم إن من الناس من تزعجه وتُقلقه صراعات سياسية، وتقلبات اقتصادية فلا ينام بليل، ولا يهنأ بعيش.

هم الرزق أمام نصب عينه، لا يستريح إذا ما كسب جنيها إلا ويريد أن يأخذ عشرة مع أن الله ﷻ وهو الغني الكريم قد تكفل بأمر الرزق، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ | وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ | فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾.

نعم الله وحده الذي يرزق الإنسان صغيرة وكبيرة، بل ويرزق جميع المخلوقات، إنسه وجنه، صغيرة وكبيرة ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.

الرزق بيد الله وحده

﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ من الذي يرزقها؟ الله ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الله يرزقها وإياكم.

نعم أيها الإخوة يفتقد نبي الله سليمان نملة فيقول لها: أين كنتِ؟ فتقول له: أمرني ربي أن احمل طعامًا لِدودة عمياء في صخرة صماء في قاع البحر، فمن الذي يرزق؟ الله وحده الذي يدبر ويرزق.

ولو أن أمر الرزق كان بيد الناس، كان بيد البشر لَظلم بعضهم بعضا، ولبغوا بعضهم على بعض، لكان الافتراء عنوانا، ولكان الظلم شعارًا ودثارا لكن من رحمة الله ﷻ أنه وحده الذي تكفل بأمر الرزق.

أسباب سعة الرزق

ولقائلٍ أن يقول: هذا كلام رائع نعرفه ونؤمن به ونقدره لكن أمر السعي على الرزق، وأمر الاشتغال بالمعاش أمر يشغل البال، ولا يريح النفس فهل من أسباب نتعرف بها ونستجلب بها رزق الله؟

نعم أيها الإخوة الأحباب هناك من أسباب عرفنا إياها الرب ودل عليها الشرع.

هذه الأسباب يأتي في أولاها تقوى الله، ولعل الجميع يسمع الحث على تقوى الله على أنه أمر عادي أو طبيعي أو كلام خطابي.

نسمع كثير تقوى الله لكن أمر تقوى الله ﷻ ليس شعارا يردد، وليس كلاما خطابيًا يقال لكنه وعد الله الذي لا يتخلف والله لا يخلف الميعاد.

تحفظون الجزء الذي هو ختام أية في سورة الطلاق ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا | وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾.

هذا وعد الله أيها الإخوة، ووعد الله لا يتخلف أبدا ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا | وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، من حيث لا تؤمم، من حيث لا تنتظر يرزقك الله في الوقت الذي تظن فيه أنه لا نصر ولا رزق.

تقوى الله مفتاح الرزق

يأتي رزق الله من هذا الباب الذي لربما فقدت الأمل منه لكنه وعد الله ووعد الله لا يتخلف، وعد الله لا يتخلف في حق الأفراد والأمم والمجتمعات ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾.

من القائل؟ الله ﷻ، هذا في حق القرى وفي حق الأمم وفي حق المجتمعات ومن قبل في حق الأفراد والأشخاص.

تقوى الله أيها الإخوة ليس شعارا يقال لكن أن تبتغي مرضاة الله في كلامك، في بيعك وشرائك، في شهادتك، في جلوسك مع أخيك، في أولادك، أن تبتغي مرضاة الله ﷻ في كل شيء تريد، وفيما تقول وتسمع، وفيما ترى وتشاهد وتفعل إنه أمر عظيم أيها الإخوة على الجميع أن يراعيه.

لزوم الاستغفار من أسباب سعة الرزق

من بين الأسباب لزوم الاستغفار، وتأملوا هذا المعنى لزوم الاستغفار، أن تلزم الاستغفار، أن تواظب على الاستغفار، أن تُكثر من الاستغفار.

ليس معنى الاستغفار أن أن تستغفر مرة أو مرتين أو مئة مرة حتى، أو تجلس يوما تستغفر فيه الله ﷻ لكن الاستغفار الذي نتحدث عنه أن تكون له ملازمًا وأن تكون له مصاحبا.

قال ﷺ فيما صح عنه ﴿من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب﴾.

اللهم فرج هم المهمومين.

“من لزم الاستغفار” هكذا بالنص تأتي له تلك البشريات الثلاث، يجعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب.

الاستغفار في حياة الأنبياء

إنه الاستغفار دعامة الأنبياء ووصية الأنبياء على مر الزمان.

نوح عليه الصلاة والسلام يقول لقومه ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا | يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا | وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾.

لزمه نبي الله هود وأمر به قومه ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾.

نعم أيها الإخوة الاستغفار هو مصدر قوة الإنسان لمن يلزمه، ولمن يواظب عليه ولمن يكثر منه.

والاستغفار الذي نتحدث عنه ليس استغفارا باللسان وفقط، وليس استغفارا تُجريه على مسبحتك وفقط لكن الاستغفار الذي نتحدث عنه أيها الإخوة إنه الاستغفار باللسان وتصدق عليه الجوارح.

فلا فائدة لإنسان يجلس على قارعة الطريق يستغفر وعينه تنظر إلى ما حرم الله، أو إنسان يستغفر وهو يطفف الميزان، أو إنسان يستغفر وهو يفعل المعاصي.

لكن الاستغفار الذي نتحدث عنه إنه استغفار اللسان الذي توافقه وتصدق عليه الجوارح.

أحد الصالحين لما رأى إنسانا يستغفر وعينه تنظر إلى المحارم فقال له: استغفارك هذا يحتاج إلى استغفار.

هذا الاستغفار يحتاج إلى استغفار آخر مما تفعل.

نعم أيها الإخوة فهو استغفار باللسان تصدق عليه الجوارح والأركان.

صلة الرحم تجلب الرزق

من بين الأسباب أيضا ولعلكم تلحظون أننا لا نتحدث عن أسباب صعبة، أو عن أمور معقدة إنها أمور سهلة ميسورة على من يسر الله.

اللهم يسر علينا جميعا. اللهم يسر جميعا يا ذا الجلال والإكرام.

من بين الأسباب وليس سببًا وفقط لكنه سبب لجلب الرزق ومحل للبركة تلك التي نفتقدها، تعلمون ما هو؟ إنه صلة الرحم، نعم أتحدث عنك يا من قطعت صلة رحمك بأمك وأبيك وإخوتك.

أتحدث عنك يا من قلت لزوجتك لن نتحدث مع أحد من أقاربنا أو أهالينا.

أتحدث عنك أنت يا من قطعت الرحم وقلت: إنهم هم الذين بدأوا وقاطعوني.

صلة الرحم محل البركة

أتحدث عنك أنت يا من تفتقد البركة في رزقك رغم أنك تمتلك رزقًا واسعًا لكن لا بركة فيه، تمتلك دخلًا كبيرًا لكن لا بركة فيه. فصلة الرحم محل البركة ومن قبل محل الرزق.

صلة الرحم، نعم أيها الإخوة الأحباب ﴿من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه﴾. من القائل؟ رسول الله ﷺ.

وفي أحاديث رويت عند أصحاب السنن ولها شواهد في الصحيح منها حديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول فيه واسمعوا بعناية أعزكم الله «إن أعجل الطاعات ثوابا صلة الرحم».

يعني؛ الثواب على الصلاة أو الصيام لربما يكون عند الله في الآخرة.

هناك طاعات كثيرة يكون ثوابها في الآخرة لكن «أعجل الطاعات ثوابا في الدنيا صلة الرحم».

يبين ذلك ﷺ فيقول «إن أعجل الطاعات ثوابا صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونن فجارا فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم» هكذا بنص الحديث.

يكثر الله أموالهم ويكثر عددهم بسبب صلة الرحم نعم أيها الإخوة في رواية أخرى في حديث آخر «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر».

بصلة الرحم أيها الإخوة وأقول وأكرر الكلام لكل من يقول إنهم الذين يقاطعونني، إنهم الذين بدأوا بالقطيعة، إنهم أغلقوا الهواتف في وجهي، واغلقوا الباب دوني، أقول لك: ابدأ أنت.

يقول ﷺ «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

هذه بعض أسباب الرزق أيها الإخوة وسنُكمل الحديث عنها.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم. اللهم يا مُجيب السائلين اغفر لنا جميعاً.

وهنا أيضًا لا تفوتكم: خطبة عن البركة وأسبابها وسبل تحصيلها.. مكتوبة ومؤثرة

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنًا محمدًا رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين.

أحسنوا إلى الضعفاء تنصرون وترزقون

من بين الأسباب الجالبة للرزق أيها الإخوة تعلمون الجواب عند رسول الله ﷺ والذي يقول فيه «إنما ترزقون، وتنصرون بضعفائكم»، الله أكبر.

بضعيف الأمة؛ من فقير ومريض وكبير في السن ومحتاج وغريب، وكل من هو في محل الشفقة، بمساعدته وبالأخذ بيديه فيه سبب كبير للرزق، فيه سبب كبير للنصرة، فيه سبب كبير للبركة هكذا بنص النبي ﷺ «ابغوني في ضعفائكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم».

وأمر الضعيف أيها الإخوة لا يقف عند حد إعطائه عطاءً ماديًا وفقط لكن بمواساته بالكلمة الطيبة ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.

بالإحسان إليه بشاشة في الوجه، طلاقة في الوجه، وحسن معاملة من لين في القول، من جري وسعي على حاجات الأرملة والمسكين والمحتاج وقضاء حوائجهم لا بتعقيدها، أو برفع شعار ودعوة “وأنا ما لي” هذه أمور لا تجلب رزقا، ولا تكون محلاً لبركة.

لما تنصر ضعيفا لما تساعد محتاجا الذي يساعدك هو من خلق الضعيف والمحتاج وهو الله، الله الذي يأخذ بيديك في وقت تحتاج فيه إلى الناس فلا تجد فيه من معين فلا تجد إلا الله معينًا وناصرًا وحافظًا وامينا لك.

بالضعيف أيها الإخوة بمساعدته قولا وفعلا يكون ذلك سببًا لنصرتك، وللحصول على الرزق.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا.

وهنا كذلك: خطبة عن نعمة الماء وحسن تدبيره والمحافظة عليه


ختامًا؛ كانت خطبة اليوم [خطبة عن الرزق وأسبابه ومفاتيحه] إحدى خطب الشيخ مصطفى عزت حميدان؛ جزاه الله خيرا.

ويُمكنكم متابعتنا لتجدوا كل جديد من الخطب المنبرية المتميّزة؛ إن شاء الله.

أضف تعليق

error: