خطبة الجمعة في موضوع عشر ذي الحجة ويوم عرفة

خطبة الجمعة في موضوع عشر ذي الحجة ويوم عرفة

عناصر الخطبة

  • العشر الأول من ذي الحجة أيام مباركة ينبغي للمسلم أن يغتنمها في التقرب إلى الله ﷻ.
  • تجتمع في هذه الأيام العشر من ذي الحجة أمّهات العبادات المرغوبة، ولا تجتمع في غير هذه الأيام، وتتنوع الأعمال الصالحة التي يقوم بها المسلم في هذه الأيام الفضيلة.
  • يسنّ للإنسان المقتدر أن يعقد النية والعزم على تقديم الأضحية قربة لله ﷻ، وقد اتفق جمهور العلماء على أنها سنة مؤكدة يفوت خيرٌ كبيرٌ بتركها.

الخطبة الأولى

من ميزات الدين الإسلامي أنه دين الرحمة والمغفرة، ودين الخير واليسر، ذو منهج قويم يدعو إلى تنظيم الأوقات وإدارتها، واغتنامها قبل فواتها، والاجتهاد في تحقيق مرضاة الله من خلال الاشتغال إما بعلم نافع، أو دعاء ضارع، أو عبادة صادقة، أو ذكر مطمئن لله سبحانه، أو فكر في ملكوته ﷻ، وذلك ليظهر المسلم عبوديته الكاملة لخالقه جل وعلا، وتمسّكه بالمنهج الرباني الذي ارتضاه الله لعباده في الأرض.

وقد يحصل للمسلم فتورٌ في العبادة أو ملل من المواظبة على الأعمال، فكان من رحمة الله ﷻ أنه جعل للناس مواسم مباركة، تُضاعف فيها الأعمال الصالحة، وتحيا بها القلوب بنفحات الله ﷻ، يقول النبيّ ﷺ: «اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتِكُمْ وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» ← رواه البيهقي.

وقد شاء الله ﷻ أن تكون أعمار أمة نبينا محمد ﷺ ما بين الستين والسبعين؛ لذا جعل لهم ما يقابل هذا العمر القصير بأعمال لا يعلم أجرها إلا الله، كموسم ليلة القدر ويوم عرفة، ومن أعظم هذه المواسم الأيام العشر الأول من ذي الحجة التي أقسم الله بها في كتابه العزيز ، وإن أقسم الله ﷻ بشيء فهذا يدل على عظمته لأن الله لا يقسم إلا بالعظيم، قال الله ﷻ: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، قال ابن كثير رحمه الله: “المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغيرهم”.

فالمسلم حين يدرك هذه الأيام المباركة فإنما يدركها بتوفيق الله ﷻ، وهي نعمة عظيمة ينبغي له أن لا يغفل عنها.

فمن أعظم فضائل هذه الأيام العشر أنها تشتمل على الميقات الزماني للركن الخامس من أركان الإسلام، ألا وهو ركن الحج الذي تهفو نفوس المسلمين إلى أدائه من جميع أقطار العالم وجهاته، متعلقة قلوبهم برحمة الله ﷻ وبركاته التي يفيضها على الحجيج، قال ﷺ: «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ← رواه مسلم.

ومن فضائل عشر ذي الحجة أنها تتضمن يوم عرفة وهو خير أيام السنة، الذي أنزل الله ﷻ فيه آية إكمال الدين التي نزلت في يوم الجمعة، قال الله ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

فقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله ﷻ عنه، “أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أيّ آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3].

قال عمر: «قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة» ←، وبكى عمر عند نزول هذه الآية، وقال: ما بعد هذه الزيادة إلا النقصان، ويقصد بذلك موت رسول الله ﷺ، فكل فضل ليوم عرفة هو تتويج لفضائل هذه الأيام العشرة المباركة.

وقد كان سلف هذه الأمة، يعظمون هذه الأيام ويجتهدون فيها بالعبادة والطاعة، كما قال أبو عثمان النهدي رحمه الله: “كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأَوَّلَ من ذي الحجة، والعشر الأَوَّلَ من المحرم”.

فيوم عرفة يوم عظيم يكفر الله فيه سنتين من الذنوب، كما قال ﷺ: «… صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَه…» ← رواه مسلم.

وفي هذا اليوم ينعم الله على عبادة بالمغفرة من الذنوب، إلا حقوق العباد، فلا بدّ من إرجاعها لأصحابها، ولا يعتقد معتقد أنّ تكفير السّنة التي بعدها بابٌ لعمل الذنوب، بل على الإنسان أن يراقب الله دائماً.

عباد الله: يستحب في هذه الأيام المباركة أن يجتهد المسلم في العبادة والتقرب من الله عزّ وجل، وبذل الأعمال الصالحة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ”، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» ← رواه أبو داود.

والعمل الصالح ميدانه واسع فسيح، ولم يحدّد النبي ﷺ عملاً بعينه، بل أطلق العمل الصالح، ليكون ذلك باباً للخير كله، بحسب قدرة المسلم واستطاعته.

فهذه الأيام عظيمة عند الله ﷻ وفضلها كبير، وقد كان النبيّ ﷺ لا يعدل بالعمل الصالح في هذه الأيام شيئاً إلا المجاهد في سبيل الله ﷻ.

ومن أعظم العبادات في هذه الأيام المباركة عبادة الذّكر، وهذه العبادة ميسورة لكل أحد من المسلمين، فهي لا تتوقف على طهارة أو استقبال قبلة أو غير ذلك من الشروط، ومع ذلك فإن الله ﷻ جعل لها أجوراً عظيمة، حيث قال ﷻ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، والأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة قال ابن عباس يعني: “أيام العشر”.

وقد جاء في حديث رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، قَالَ مَكِّيٌّ: وَأَزْكَاهَا، عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ، قَالُوا: وَذَلِكَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ← [شرح السنة للبغوي 3/66].

ومن جملة الذكر المستحب في هذه الأيام الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، لما يظهر في هذه الأيام من بركة الطاعة والدعاء ونعم الله ﷻ على الناس بشهود مناسك الحج وشعيرة عيد الأضحى ومظاهر الفرح بنعمة الله سبحانه.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ، الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ» ← رواه الإمام أحمد.

فالسنة أن يكثر المسلم من التكبير فيقول: الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، الله اكبر، ولله الحمد، يكرر هذا ويرفع به صوته، وقد كان الصحابة يرفعون أصواتهم بالتكبير في هذه الأيام العشر.

وكان ابنُ عمر رضي الله عنهما يكبّر بمنى في هذه الأيام خلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي مجلسه، وفي ممشاه، ومن المستحب الجهر بالتكبير، وحريّ بنا نحن المسلمين أن نحيي هذه السنة التي تظهر عظمة الإسلام وقوته.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

عباد الله: تجتمع في هذه الأيام العشر من ذي الحجة أمّهات العبادات المرغوبة، ولا تجتمع في غير هذه الأيام، ففيها عبادة الصلاة التي هي ركن الدين وعاموده، ويشرع في هذه الأيام عبادة الصوم، فروي عن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن: «كان النبي ﷺ يصوم العشر، وثلاثة أيام من كل شهر الاثنين والخميس» ← رواه النسائي.

كما يستحب الإكثار من الصدقة في هذه الأيام وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» ← صحيح البخاري.

وفي هذه الأيام المباركة عبادة الحج والعمرة، إضافة إلى عبادة التقرب إلى الله بالأضاحي اقتداءً بسيدنا إبراهيم عليه السلام.

قال ابن حجر في الفتح: “والذي يظهر أنّ السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره”.

وينبغي للمسلم أن يستثمر أوقاته في الأمور النافعة والأعمال الصالحة، ولو بعبادة الذّكر والفكر التي يشغل بها العبد عقله وروحه.

كما يستحب للإنسان المقتدر أنْ يعقد النية والعزم على تقديم الأضحية قربة لله ﷻ، وقد اتفق جمهور العلماء على أنها سنة مؤكدة يفوت خيرٌ كبيرٌ بتركها إذا كان المسلم قادراً على القيام بها، فعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «مَا عَمِلَ آدَمِي مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» ← رواه النسائي.

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يستحب لمن أراد أن يضحي أن لا يزيل شيئاً من شعره ومن أظفاره في عشر ذي الحجة حتى يضحي، وذلك لما روته أم سلمة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» ← رواه مسلم.

قال الإمام السيوطي رحمه الله: “من أراد أن يضحي فلا يقلم من أظفاره ولا يحلق شيئاً من شعره في عشر الأول من ذي الحجة، وهذا النهي عند الجمهور نهى تنزيه والحكمة فيه أن يبقى كامل الأجزاء للعتق من النار وقيل للتشبيه بالمحرم”، ولكن لو قلم أظافره أو قص شعره فالأضحية صحيحة ومقبولة إن شاء الله.

والحمد لله ربّ العالمين..

المزيد من الخطب حول العشر الأول من ذي الحجة

ولا يزال للحديث بقية، حيث تجد أدناه مجموعة أُخرى من الخطب المنبرية الرائِعة التي تتناول موضوع العشر الأول من شهر ذي الحجة:

والله ﷻ وليّ التوفيق.

أضف تعليق

error: