«لا تنسي».. قصة حزينة ومؤلمة

لا تنسي , قصة حزينة ومؤلمة

جميلة كالزهرة الندية.. مغرية كالحلوى المسكرة، لكن القلب لم يهنأ بالراحة برغم المؤهلات.. وبعد ثلاثة أعوام من الحب الصافي وجدت نفسها أمام العدم. والعمر يمضي وحبيب القلب يتعثر في ظروفه ويبدو مستسلما لها.. وأمها تعيرها بصديقاتها اللاتي تزوجن وأنجبن وهي ما زالت تتعلق بالأمل الخائب. وأبوها يذكرها بأن قطار العمر لا ينتظر الخائبين.

وفي شدة ضيقها طرقت باب مكتب رئيسها المباشر في الشركة في موعدها الصباحي ودخلت، فرفع إليها رأسه مبتسما لكنه رأي في ملامح وجهها ما يشي بمتاعبها.. فخفتت الابتسامة.. وانتظر الزوبعة متوجسا. عريس جديد مرة أخرى. وأزمة عائلية جديدة.. وتساؤل من حبيبة القلب يذكره بعجزه عن حمايتها من الطامعين. تقول له بعينيها كل مرة: متى تستطيع حمايتي.. متي تتقدم.. فيحس القلب بطعنة الألم.. وتفسد الأوقات.

في بداية الحب كانت هذه اللحظات هي متعة اليوم وعزاء المعذب عن تعاسته. نصف ساعة من الزمن لا تزيد، لكنها تعدل الليل كله والنهار. تجلس أمام مكتبه كالوردة المتفتحة.. تنظر إليه بعينيها الجميلتين باسمة. تسأله: كيف أمضي ليلته الماضية وماذا فعل.. ومن قابل؟!.. تسمع باهتمام يطرب له القلب الحزين. وحتى تفاصيل التفاصيل في حياته العائلية تحب أن تعرفها وتتابعها بنفس الاهتمام. ويسألها هو عما فعلت في يومها فتروي له كل شيء.. حتى لون بيجامتها التي تنام فيها يحب أن يعرفه.. ومنها عرف ألوان بيجاماتها وأحب في الخيال بيجامتها فستقية اللون.

كيف نشأ الحب.. وكيف استسلم له.. لا يدري.. لم يكن البادئ بالاقتراب.. لكنها هي التي اخترقت الحواجز بجرأة غبطها عليها. فتراكم الاهتمام والحنان يوما بعد يوم حتى صار جبلا من الحب المكتوم. اعترف لنفسه بأنه أسير حبها.. لكنه لم ينطق بما ينوء به قلبه.. تعاسته أوضح من أن يحاول إخفاءها.. لكن اللسان عاجز عن التعبير.. زوج تعيس وأب لابنتين يقتربان من سن المراهقة وفي الاربعين من عمره.. وهي وردة في الرابعة والعشرين من عمرها فكيف للغريبين أن يلتقيا على شاطئ الأمان؟ لكن فتاة القلب لم ترض بالعجز والسكون.. ويوما دخلت مكتبه في الصباح الباكر ووضعت في يده لفافة صغيرة ففتحها بحذر فإذا بها قلب أحمر اللون جميل منقوش عليه هذه العبارة الساحرة: لا تنسني.

فنطقت الشفاه بالحب المكتوم وناقشا الامر بموضوعية وأمل. روي لها عن عذابه مع زوجته كثيرة الشجار والخصام والهجر.. والتي تجاهره بالكراهية والجفاء، وإشفاقه على ابنتيه من العذاب. وسمعت له وعيناها تنديان بالدمع تأثرا بتعاسته. واتفقا على أن ينتظرا الوقت المناسب الذي يستطيع فيه أن ينجو بحياته من هذه التعاسة ويتزوجها.

وأصبح لقاء الصباح القصير مع فنجان القهوة هو واحته التي يستظل بها من هجير تعاسته. ومن حين إلى آخر تروي له عن معركة عائلية جديدة نشبت بينها وبين ابويها حول عريس ملائم رفضته، فينقبض باطنه ويشعر بمسئوليته عن هذا العناء.. وتروح هي تخفف عنه إحساسه بالذنب وتؤكد له أنها لن تتزوج إلا من تحب ولو أمضت العمر كله في انتظاره. يقول لنفسه عقب كل محنة: جميلة وطيبة وصادقة الحس وقوية الشخصية وسمعتها لم تشبها شائبة.. فلماذا تحكم على نفسها بهذا العناء؟

وتقول هي لنفسها جاد ومستقيم وانسان وحتى منافسوه في العمل يعترفون له بأمانته وطهارة يده.. فلماذا يحرم من كان مثله من السعادة والأمان؟

وعقب إحدى الأزمات جاءت إلى لقاء الصباح متورمة العينين من البكاء فسخط على نفسه حتى الموت وقال لها: سأقابل أباك ولو طردني من بيته.

وفي المساء توجه إلى بيتها.. واستقبله الأب بفتور وقال له في طعنات قاتلة: زوج وأب فوق الأربعين وتحرم ابنتي من كل فرصها الطيبة منذ أعوام واقفا في طريق سعادتها.. فكيف تنتظر مني الترحيب؟ وكيف يكون تصرفك أنت لو جاءك يوما خاطب في ظروفك لإحدى ابنتيك؟

وغادر بيتها مهزوما حزينا. وفشلت جهودها مع أبيها وأمها في إثنائهما عن موقفهما الحاسم وانهال عليها شقيقها الأكبر وشقيقتها المتزوجة باللوم والعتاب وشهد مسكنها اجتماعات عائلية خطيرة بلغ التهديد فيها منتهاه.. حتى انفجر شقيقها مصرحا بأنه سيذهب غدا إلى عملها ويقابل مديره العام ويشكو إليه رئيسها الذي يغويها ويضيع مستقبلها وهو زوج وأب، فلم ينقذها من تنفيذ هذا الوعيد إلا سقوطها مغشيا عليها وسط ذهول الحاضرين.

وفي استسلام حزين قال لها حبيبها في لقاء الصباح بعد أيام: ضميري لم يعد يحتمل المزيد فسامحيني.. لقد قدمت طلبا بنقلي إلى فرع الشركة بالإسكندرية وسأنقل حياتي إلى هناك.

وسألته بإشفاق عن موقف زوجته فأجابها واجما بأن ذلك كان مطلبها منذ البداية لتعيش بجوار أهلها، وقد آن الأوان لتنفيذه ليرفع عن حبيبته ما تلاقيه من عناء ثم خانته دموعه فانسابت في صمت.. وجاوبته عيناها بمطر من الدمع الحزين.

واختفي حبيب القلب من مبني العمل.. وتشابهت الأيام حتى فقدت الإحساس بمرورها. وبعد شهور دعاها شقيقها لزيارته في بيته.

وقدم لها زميلا له في العمل قال لها إنه يرغب في الاستفادة بخبرتها العملية في مسألة تشغله. واستسلمت للمصير وبعد أسابيع صارحها صديق شقيقها بأنه يرغب في التقدم لخطبتها.. وهمت بأن تقول له شيئا فقاطعها قائلا:

– أعرف كل شيء عنك.. ولا أطمع في حبك الآن لكني آمل فيه حين تجمعنا العشرة وتجدين فيها ما يمسح أحزانك.

وأحنت رأسها شاكرة وحزينة.

ومضت الإجراءات في طريقها المرسوم.. وأبدي خطيبها المهندس الشاب روحا كريمة واستجابة مرحبة بكل مطالبها. ورحل أبوها عن الحياة في فترة الاستعداد للزواج فوقف خطيبها إلى جوارها في المحنة وأبدي شهامة شكرها له الجميع. وغمرها بعطفه وحنانه وكرمه، فاعترفت لنفسها بأنه يصعب عليها تجاهل مودته، لكن ما حيلتها في القلب المحلق في سماء بعيدة عنه. فحتي في اللحظات التي كان ينبغي لها أن تكون فيها سعيدة تتذكر الآخر وتتذكر القلب الذي أهدته له وعبارته الموحية: لا تنسني.. وتتذكر يأسه وحزنه فيحن القلب ويرثي له، وحين اصطحبها خطيبها إلى معرض الأثاث لتختار أثاث عشها، استغرقت في مناقشة طويلة مع صاحب المعرض ثم التفتت الي خطيبها فجأة لتستشيره في أمر، فرأت وجه الآخر الحزين فوق جسم الخطيب للحظة عابرة حتى كادت الارض تميد بها.

لكن كل شيء مضي في طريقه المرسوم برغم كل شيء.. وتم الزفاف.. ورمقت عريسها إلى جوارها في الحفل.. ورأت ابتسامته العريضة وسعادته الطاغية فتمنت لو كانت تستطيع مشاركته البهجة والسعادة. وبقلب مخلص دعت ربها أن يوفقها في إسعاده جزاء لما قدم لها ولأسرتها من حنان ومواساة وعطف.

وفي الصباح المبكر تنبهت حواسها وهي مغمضة العينين في فراش العرس، فقفزت صورة الآخر إلى مخيلتها رغما عنها.. وتساءلت: ترى هل علم بزواجها الآن؟

وتساءلت: أين مستقره في هذه اللحظة من الصباح؟

وفتحت عينيها لأول مرة فرأت زوجها راقدا في فراشه ثملا بالري والاطمئنان، فلم تستطع أن تحدد مشاعرها تجاهه.. هل تكرهه؟ لا تستطيع أن تجزم بذلك فهو عطوف ومتسامح وراغب في إسعادها والسعادة معها.. هل تنفر منه؟ ليس بالضبط لكنها تضيق قليلا بتعجله عطاءها له وقد وعدها من قبل أن يصبر عليها حتى يتم تمهيد أرض القلب وتصبح قادرة على الإنبات من جديد.. فالأرض تحتاج إلى فترة نقاهة.. يتعرض باطنها خلالها للشمس والهواء.. وتصبح صالحة لاستقبال البذرة الجديدة. وهي صادقة الرغبة في العطاء.. لكن أطوار القلب ليست طوع بنانها. وتلفتت بعينيها ترقب غرفة نومها الوردية وبيجامتها فستقية اللون الجديدة التي اختارتها عن عمد لتمضي بها ليلتها الأولي مع زوجها عسى أن تساعدها على استيعاب الموقف، ثم عادت بنظرها إلى زوجها الراقد إلى جوارها، وركزت عينيها عليه برهة.. ورغما عنها تراءت لها ملامح وجه حبيب القلب المحكوم بأقداره.. فجفلت لحظة.. ثم رقت مشاعرها وتذكرت القلب المهدي وعبارته الآسرة وفي أعماقها هتف صوت باطني: لتهنأ له الحياة حيث يكون فلقد كان صادق الحب، لكن ظروفه أقوي منه.

وانتبهت على حركة طارئة إلى جوارها فرأت زوجها يتقلب في فراشه ثم يستقر وجهه مرة أخري في مواجهتها فرمقته طويلا.. ورأت ظل ابتسامة يرتسم على وجهه وهو نائم فخمنت انه يحلم حلما سعيدا لعله يسترجع فيه أحداث ليلتهما الماضية.. فرق قلبها له.. وصدق عزمها على أن تشجع محاولاته للتقرب منها، عسى أن تفلح الجهود في تمهيد الأرض المجهدة لاستقبال بذرة جديدة.

ومن أعماقها قالت بغير كلام: إلهي.. لا تطل تمزقي بين نداء الواقع الحاضر وهتاف الماضي الجميل، وعجل بإنبات بذور الحب من جديد.

بقلم: عبدالوهاب مطاوع

أضف تعليق

error: