كلمة قصيرة بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية.. بعنوان «فضيلة الصبر»

كلمة قصيرة بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية

تأتي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، لتُحيي في نفوسنا فضائل كثيرة، وتأخذ بعقولنا وقلوبنا إلى قيمٍ عُليا، ولعل فضيلة الصبر والتحمل في سبيل الدعوة والعقيدة من أبرز مواقِف الهِجرة.

إن معاناة المسلمين الأوائِل كانت شديدة، ومع ذلك فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا. وهذه المعاناة النفسية والجسدية لم تكُن وقفا على أفراد أو فرد، بل كانت شاملة لصاحب الدعوة والمؤمنين بها جميعا.

وفي صحيح البخاري “باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة”، وساق مجموعة أحاديث؛ منها ما روي أن خبايا قال: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله، فقعد وهو مُحمر وجهه، فقال «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحمٍ أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضَع المنشار على مفرق رأسه، فيشَق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الرَّاكِب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله».

والملاحظ هنا أنه وسط الشدة تُولَد الآمال الكبار في قلوب المستضعفين، ومع كآبة المنظر وقسوة الموقف يأتي فرج الله، ولكن الإنسان عجول، فإذا ما كان مؤمنا صادقا فإنه لا يجزع ولا يقنط، ويظل يحدوه الأمل في نصر الله ﷻ.

وفي حديثٍ آخر عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: – بينا رسول الله ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش من المشركين، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، فقذفه على ظهر النبي ﷺ، فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة عليها السلام، فأخذت من ظهره، ودعت على من صنع ذلك، فقال النبي ﷺ «اللهم عليك الملأ من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، أو أبي بن خلف». فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر غير أمية، أو أبي، فإنه كان رجلا ضخما، فلما جروه تقطعت أوصاله قبل أن يُلقى في البئر.

وفي موقف مُشابه سأل عروة بن الزبير عبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ. قال: بين النبي ﷺ يُصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ. وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله!

الصبر على بلواء الجسد يهون بالنسبة إلى بلواء النفس. لقد كانت هناك ضغوط نفسية شديدة تحملها الرسول ﷺ والذين آمنوا معه.

لقد لجأ المشركون إلى الإغراء والمساومة، وقال كبيرهم لرسول الله ﷺ: إن كنت تريد مالا جمعنا لك الأموال حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد مُلكا ملّكناك علينا، وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن هذا الذي يأتيك رئيًّا -أي تابعا من الجن- تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.

ولكن الرسول ﷺ واجه كبيرهم وألقى على مسامعه سورة فصلت. وفي مثل هذا الموقف قال الرسول الكريم ﷺ «والله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه».

إن الهجرة تعلمنا الصبر الجميل الذي تحسن عاقبته، ويضيء النفس بالأمل الكبير في الله رب العالمين.

لديّ أيضًا بعض المقترحات:

أضف تعليق

error: