ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

التهلكة , الإسلام, المسلمين, Muslims , Quran , صورة

فإن الله عز وجل كرم الإنسان أيما تكريم، وخلقه لعمارة الكون وحمله أمانة أبت السماوات والأرض أن يحملنها، وأشفقن منها، وسخر له الكون بما فيه من الكائنات والمخلوقات لتكون في خدمته وتحت إمرته، وجعل له القوامة على كل الخلق بما أتاه من نعمة العقل وما رزقه من القدرة على الفهم والعلم، لذا كان الإنسان أكرم خلق الله على الله وهو مأمور بإكرام نفسه وصيانة حياته، فنفسه التي بين جنبيه أمانة مستودعة عنده وسيسأل عنها حين يقف بين يدي ربه عز وجل، وهنا سيكون محور الحديث حرمة تعريض الإنسان نفسه للتهلكة، ومفهوم التهلكة الواسع، وذكر صور من المهالك التي يلقي الإنسان فيها نفسه طواعية بكامل إرادته، ونسأل الله أن ينفعنا بما نكتب وينفع به من يوفق إلى قراءته، وأن يجعل كلامنا تذكرة لنا ولغيرنا وحجة لنا لا علينا.

حرمة القاء النفس في التهلكة

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ـ النساء، وهذا نهي صريح عن قتل النفس وتعريضها للهلاك المحقق، والكلام يشمل كل صورة من صور قتل النفس، ويقول في موضع آخر من سورة البقرة: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ولا يخفى علينا أن الآية الثانية أشمل وأعم من الأولى، فالآية الأولى تحرم قتل النفس بالانتحار أو غيره من التعرض للمخاطر الواضحة، أما الآية الثانية فقد جعلت الحديث أعم والنهي أشمل، حيث ينهى الله عز وجل عن تعريض النفس للمهالك حتى وإن كانت المهلكة دون الموت.

وعلى الرغم من أن تلك الآية الثانية قد نزلت في معرض الحديث عن الجهاد، إلا أن هذا لا ينفي كون القاعدة الشرعية عامة وصحيحة، فالمعتبر عموم اللفظ وليس خصوص السبب الذي نزلت من أجله الآية.

مفهوم التهلكة

إن مفهوم التهلكة كما قلنا آنفا لا يقتصر فقط على الموت أو قتل النفس، بل يشمل كل تهلكة تصيب النفس أو البدن، أو تسبب للإنسان أذى في الدنيا وفي الآخرة أيضا، فكما أن من يتناول سما يدخل ضمن من يلقي بنفسه في التهلكة، فإن من يرتكب كبيرة ويصر عليه من زنا أو شرب خمر أو سرقة أو نحوها، فإنه يلقي بنفسه في هلاك محقق، حيث يعرضها لغضب الله وعذابه الشديد.

صور من التهلكة التي يلقي الإنسان فيها نفسه

خلق الله الإنسان ووهبه نعمة الحياة والصحة والعقل وأرسل له من يدله على طريق النجاة في الدنيا والآخرة لينعم فيهما ولا يشقى، وفرض عليه من التكاليف والأوامر ما يصون نفسه عن الهلاك وينقذه من التوابع الوخيمة التي يجنيها من يترك حبل الله، ويترك رحاب هديه عز وجل، لكن بعض الظالمين وقساة القلوب، يأبوا إلا أن يلقوا بأنفسهم في التهلكة، فيتركون طريق النجاة ويركضون في طريق الضياع والضلال المبين ومن صور التهلكة التي يذهب إليها البعض طواعية ما يلي:

  • شرب الخمور ومشتقاتها وما شابهها من المخدرات ونحوها، وفي كل ذلك هلاكاً محققا ومفسدة في الدين والدنيا، فطريق السكر وتغييب العقل لا تنتهي إلا بالموت أو السجن أو المرض وكلها مهالك، أعاذنا الله وإياكم منها.
  • التدخين بكل أنواعه والاستمرار عليه مدة طويلة، هو درب من الانتحار والمت البطيء، فقد أضحى معروفا للكبير والصغير أن التدخين خطر يهدد الصحة ويسبب الأمراض الفتاكة، التي تفتك بالجسد وتحزن القلب.
  • أكل المال الحرام، من الأسباب التي توصل الإنسان إلى الهلاك والتلف في النفس والمال والأهل.
  • ارتكاب الكبائر من الفواحش التي حرمها الله عز وجل وبين عقابها الشديد، كالشرك بالله، وقتل الغير والزنا والسرقة، وغيرها من الذنوب التي تصل بالعبد إلى عذاب النار، وحرمان الجنة والطرد من رحمة الله عز وجل.

وأخيراً أخي المسلم وأختي المسلمة، اعلم أن لنفسك عليك حق وأن الله سيسألك عنها فاتق الله فيها ما استطعت، لا تطيعا فتضيعها وتهلكها بغضب الله في الدنيا، وعذابه الأليم في الآخرة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)).

أضف تعليق

error: