مكانة الصيام وفضائل شهر رمضان المبارك

فوائد الصيام وآدابه

فرض الصيام في شهر رمضان على الأمة الإسلامية في السنة الثانية للهجرة، بعدما انتقلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، ولم يُفرض الصيام بغتة على المسلمين في شهر رمضان، بل تنزل مخيرًا في بادئ الأمر، ثم فُرض إلزامًا على المسلمين.

مكانة الصيام في الإسلام

والصيام له مكانته العظيمة في الإسلام، وهو عبادة مهمة من العبادات التي يتقرب بها العبد من الله “سبحانه وتعالى”، فإسلام المرء لا يتم إلا بالصيام، فهو ركن أساسي من أركان الإسلام، قال رسول الله “صلى الله عليه وسلم” (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا). لذا فإن الصيام فرض أساسي لابد أن يقوم به كل مسلم، عاقل، بالغ، ليس به ما يمنعه من الصيام.

وإذا نظرنا في معنى الصيام، فإنه يعني لغويًا: الإمساك المطلق، واصطلاحًا: الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر، مع إخلاص النية.

فالصوم، ليس معناه الصوم عن الأكل والشراب فقط، بل الصوم عن كل المفطرات مما يغضب الله، فالصائم لا يكذب، أو ينم، أو يغش، أو يخادع، أو يسخر من أحد.

واقرأ الآن: صلاة التروايح وقيام الليل في شهر رمضان

والصائم: يغض بصره، ويقبل على الله بالطاعة، ويبتعد عن صغائر الذنوب وكبائرها، ويتحلى بالخلق القويم الحميدة.

قال “تعالى” (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

وكلمة (تتقون) كلمة شاملة، جامعة، تحمل في طياتها، الكثير من معاني الطاعة، وأشكال العبادات التي يجب أن يتسلح بها الصائم في مسيرة الشهر الكريم، وألا يحيد عنها حتى يحقق الفضائل التي تنزل بها الشهر الكريم من عند الله على عباده، تلك الفضائل المليئة بالرحمة.

قبل أن نفرد الحديث عن الطاعات التي يتسلح بها الصائم في صيامه، والتي تعد الآداب المستحبة في شهر رمضان، سأوجز الفضائل التي تنزل بها الشهر الكريم على العباد في هذا الشهر، لتكون تلك الفضائل هي الغاية السامية، التي في سبيلها، يحرص الصائم على أن يكون صومه محققًا فيه التقوى بكل ما تشمله الكلمة من معانٍ.

فضائل شهر رمضان المبارك

  • أول تلك الفضائل، أن شهر رمضان هو الشهر الذي تنزل فيه القرآن الكريم، ليكون نبراسًا يضيء الطريق أمام خطى الحضارة الإسلامية وبه تشكلت الإمبراطورية الإسلامية، بكل ما فيه من معاني العدل، والسلام، والمحبة.
  • ثانيها، أنه الشهر الذي يفتح الله فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب النار، فلا تغلق أبواب الجنة، ولا يفتح باب من أبواب النار، وتلك مزية كبيرة تميز بها شهر رمضان، وأنعم بها الله على عباده، فالمسلم في شهر رمضان تكون الجنة مهيأه له، يصل إليها بجميل صيامه، وأعماله الصالحة في أثناء الصيام، وللصائمين المؤمنين باب في الجنة يسمى الريان، وهو باب مخصوص للصائمين.
  • ثالثها، أن شهر رمضان شهر مغفرة الذنوب، فكل ما يشوب النفس من الرذائل، وكل ما غلف القلب من الآثام طوال الأيام الأخرى من العام، يأتي الصيام ليمحيها من قلب المسلم الصائم المتعبد بالأعمال والعبادات الصالحة، فيخرج من شهر رمضان وقد غفرت ذنوبه كلها، وأصبحت صفحته بيضاء، كبياض قلبه، وسكينة نفسه.
  • رابعها، أن مع أول ليلة من ليالي رمضان تصفد الشياطين، فلا يكون بين الإنسان وعمله الصالح حائل سوى نفسه، فإن صبر عليها، وتغلب على أهوائها، واجتهد في الطاعة، غير مكتف بقليلها، بل يستزيد فيها، فإنه يحوز الجنة التي وعد بها الله، ولا يكون للشيطان من قلبه مكانًا يوسوس إليه منه.
  • كل تلك الفضائل وأكثر من أجل الفضائل والمزايا التي وهبها الله لعباده، ولا يلاقيها المسلم في غيره من الشهور، لذلك فإن الخاسر من مر عليه رمضان ولم يستغله أحسن استغلال، بل من لم يجتهد فيه ويتبتل إلى الله بالعبادة والتقرب إليه محبة في رحمته وفضائله على عباده لا خشية من النار فقط.
  • وبعد أن أوجزنا القول في فضائل شهر رمضان، فإنا نفرد الآداب التي يجب أن يتحلى بها المسلم الصائم في شهر رمضان، ويستعد لها قبل مجيء رمضان بأيام قليلة، حتى ينال جزاء اجتهاده وعبادته.
  • أول تلك الآداب التي يجب أن يتحلى بها المسلم قبيل مجيء شهر رمضان، هو إخلاص النية، والنية محلها القلب، والنية هي الروح التي يدبها المسلم في أعماله، فلا عمل يدوم بدون النية الخالصة، فالأفضل قبل أن تقبل الليلة الأولى من شهر رمضان أن ينوي المسلم بقلب خاشع أن يؤدي عبادات الشهر على أكمل وجه، وألا يتكاسل عنها، ويكون أوله كآخره في الاجتهاد في العبادة، بل يكون آخره أشد من أوله في العبادة، والإقبال على الله بها.
  • ثم تجيء العبادات المفروضة في هذا الشهر، وبها يتسلح المسلم في صيامه لينال الجزاء العظيم الذي منحه الله إياه في هذا الشهر الكريم، وإن أول العبادات التي تعين المسلم على نيل جنة الله وتساعده على مغفرة ذنوبه: الصلاة في مواقيتها، فمن واظب عليها في مواقيتها التي حددها الله، فإنها تكون خير معين على الدنيا ومشاقها، وتحمل المسلم على بساط إلى جنة الله “عز وجل، ويخرج المسلم وفي قلبه حلاوة الالتزام بالخضوع إلى الله والتذلل له دون غيره، ومنها تجيء عزة النفس والثقة وطهارة القلب.
  • وأشير في ذلك إلى الالتزام بصلاة الفجر، وصلاة القيام، فإن فضلهما عظيم، والالتزام بهما غير يسير، فمن يلتزم بصلاة الفجر في مواقيته، وفي جماعة، فإن كل عمل يهون عنده، لأنه دأب على عدم التكاسل والاستيقاظ لصلاة الفجر، وبالتالي أي عمل آخر سيعود عليه باليسر، ولن يرى فيه المشقة.
  • وصلاة القيام، هي الصلاة التي يستغلها المسلم في الدعاء، وطلب العفو والمغفرة، وإذا صلاها المسلم فإنه يقتدي في صلاته بالرسول “صلى الله عليه وسلم” فالرسول كان يصلي إحدى عشر ركعة في جماعة، فأقبل الناس عليه وزادوا في كل يوم، فامتنع الرسول عن صلاتها في المسجد حتى لا تفرض على الناس، واستمر على ذلك حتى فارق الحياة، وعاد من بعده سيدنا عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” ودعى الناس إلى صلاة التراويح في جماعة.
  • والصائم يجب أن يتسلح بالقرآن، فيتلوه ويتدارسه، مستغلًا أيام رمضان المباركة في تدبر القرآن وتدارسه، فلا ننسى أنه الشهر الذي تنزل فيه القرآن، وهدى الناس إلى الطريق المستقيم، وانتشلهم من الظلمة إلى النور، فلا يجب أن يخلو شهر رمضان من ختمة واحدة على الأقل بتدبر وعمل به.
  • والذكر الحكيم، لا يخلو لسان المسلم منه، وليس لسانه فقط بل بقلبه، في كل الأوقات، المحددة منها والغير محددة.
  • ولا نغفل في آدابنا أن نقتدي بالرسول “صلى الله عليه وسلم” أثناء الصيام، فالرسول حث على تعجيل الفطور، وتأخير السحور، وشكر الله على نعمة بلوغ شهر رمضان، وأن يبدأ المسلم إفطاره برطبات أو بضع تمرات.
  • وفي النهاية نقول أن الصيام فيه من الفوائد ما لا يحصى، ففوائده بدنية، ونفسية، واجتماعية وروحانية، فالصيام يدرب المسلم على الصبر، ويربيه على الأخلاق الحميدة، والزهد في الدنيا، وينمي في داخله العطف على الفقراء والإحسان إليهم.

أضف تعليق