مقال عن قيام الليل

قيام الليل

إن الإنسان من حين لآخر يحتاج أن ينأى بنفسه بعيدًا عن مشاغل الدنيا وصخبها، وأن يلوذ بنفسه عن كل الفتن التي أوقع نفسه فيها من الحياة، سواء المال، أو الهموم والمشاغل، يريد أن يشعر بروحانيته التي تبعث الطمأنينة في نفسه، يشعر أن الله يربت على قلبه ويسمع دعاءه، فيلجأ إلى قيام الليل، الذي هو ملاذه وملجأه ومنبع طمأنينته، ينأى بنفسه عن الدنيا ومشاغلها ولا يشغل قلبه وعقله إلا برضا الله ومحبته وإخلاص الدعاء له.

إن قيام الليل هو الصلاة التي يؤديها المسلم في الليل، وحيدًا عن كل أقاربه أو مشاغله، يتقرب فيها من الله بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، ويخلص الدعاء بما يحتاجه، وهو يعلم أن الله قريب منه يسمعه ويلبي ما يريده، ويعلم جيدًا أن الله راضِ عنه مغتبطًا بقيامه.

قيام الليل تجارة رابحة مع الله، يفوز بها الإنسان في الدنيا والآخرة، فيبارك الله “تعالى” في أعماله، ويرزقه أضعاف رزقه، ويدخل السكينة في قلبه والطمأنينة، ويرشده دائمًا إلى الصلاح، ويرزقه الجنة في الآخرة، وذلك خير ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان في حياته.

ونخلص من ذلك كله أن قيام الليل هو الملجأ الدافئ للإنسان حتى يسمو في روحانيته ويتقرب إلى الله بجوارحه وقلبه وعقله ولا يشغله شاغل عنه، يتضرع إليه، ويطلب منه الرزق متذللًا خاضعًا، ويستغفر كثيرًا فتعود صفحته كما كانت بيضاء خالية من الذنوب كما ولدته امه، ويستأنف الحياة من جديد ويعود من جديد ليستغفر ويتوب إلى الله.

وفي هذا المقال أسلط الضوء على فضائل قيام الليل من خلال ما جاء عنه في القرآن والسنة وصفة النبي في صلاة قيام الليل، وفي النهاية أوضح بعض الخطوات التي يسير على دربها الإنسان حتى يلتزم بتلك الصلاة الجليلة.

الحث على قيام الليل في القرآن الكريم

إن القرآن الكريم اهتم اهتمامًا كبيرًا بالحث على صلاة قيام الليل، لما ف يها من المنفعة والفضائل الكبيرة التي تعود على الإنسان في الدنيا والآخرة: من البركة والعافية، وسعة الرزق، والسكينة في القلب.

قال “تعالى”: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

والله في الآية الكريمة يلقي الضوء على اولئك الذين يتركون نومهم ويقيمون ليلهم، فهم يفضلون قيام الليل والصلاة والتضرع إلى الله، والتقرب إليه عن النوم بما فيه من اللذة.

قال “تعالى”: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ويخبرنا الله “سبحانه وتعالى” عن يقومون للتهجد، ومن صفاتهم أنهم لا ينامون الليل إلا قليله، في سبيل التقرب إلى الله وقيام الليل، والاستغفار.

قال “تعالى”: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).

والله في الآية الكريمة يقارن بين من ينام الليل غير عابئ بشيء، متمتعًا بلذة النوم، متكاسلًا عن الصلاة غير عابئ بها، والذي يقوم الليل يرجو رحمة الله ويستغفره خشية الآخرة وطمعًا فيرضا الله وفي نيل جنته، بالتأكيد لا يستوي الذي يعمل من أجل الله، والذي لا يعمل.

ومن الآيات الكريمة السابقة نرى منزلة قيام الليل عند الله؛ فمنزلتها كبيرة، وغالية، ترفع من يلتزم بها إلى الدرجات العالية عند الله “سبحانه وتعالى”، وتعد فرصة كبيرة للإنسان المؤمن، فلا يجب أن يفوتها وينال ما فيها من الخير والبركة.

فضلًا اقرأ أيضًا: فضائل قيام الليل

الحثّ على قيام الليل في السنة

والنبي “صلى الله عليه وسلم” لم يغفل عن الحث على قيام الليل، وأوضح لنا “صلى الله عليه وسلم” الفضائل التي تعود على الإنسان إذا تمسك بقيام الليل والتزم به، وهو “صلى الله عليه وسلم” بذلك يوضح ما استخفى علينا من القرآن، فالقرآن أخبرنا منزلة قيام الليل عند الله “سبحانه وتعالى” والنبي يكمل بالفضائل التي تعود على الإنسان المتمسك بقيام الليل.

قال “صلى الله عليه وسلم”: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد).

والرسول “صلى الله عليه وسلم” في الحديث الشريف يوضح أهمية قيام الليل وفضائله؛ فهو دأب الصالحين وعادتهم التي لا تنقطع، وبها يتقرب الإنسان إلى ربه “سبحانه وتعالى”، وبها تُكفر السيئات، وبها ينأى الإنسان عن الآثام والمعاصي، وبها يلوذ الإنسان بالطمأنينة والهدوء والسكينة.

ولك كذلك: فضل صلاة قيام الليل ووقتها

قال “صلى الله عليه وسلم”: (في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام).

والرسول “صلى الله عليه وسلم” في الحديث الشريف يبرز فضل قائم الليل والدرجة التي ينالها من الجنة، وتلك الفضيلة خير الفضائل التي يمكن أن يحظى بها الإنسان نتيجة اجتهاده في صلاة القيام.

وفي أحاديث أخرى يخبرنا النبي “صلى الله عليه وسلم” عن فضائل قيام الليل، وأنها شرف المؤمن؛ إذ يقول “صلى الله عليه وسلم”: (من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين).

ويقول “صلى الله عليه وسلم”: (من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين).

ويقول “صلى الله عليه وسلم”: (أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).

والرسول “صلى الله عليه وسلم” كان يحرص حرصًا شديدًا على قيام الليل غير منقطع عنها، رغم أنه معصومًا من الخطأ، ونبي الله المرسل للأمة، لكنه كان يؤدي صلاته حتى يشكر الله بكل جوارحه وقلبه.

قالت عائشة “رضي الله عنها”: (كان النبي صلى الله علية وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟) قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً).

لذلك كان الرسول “صلى الله عليه وسلم” الأجدر أن نقتدي به في كل شيء من أمور حياتنا، والأجدر أن نقتدي به في التمسك بقيام الليل.

وما يفعله الرسول “صلى الله عليه وسلم” يجب أن يجعل أولئك الذين ناموا عن معظم العبادات يشعرون بالخجل من أنفسهم، فالناس في زمننا الحالي أصبحوا يقضون الفرائض متعجلين لتقضية الواجب الذي عليهم، ألا ينظرون إلى الرسول “صلى الله عليه وسلم” كيف يتمسك بقيام الليل، كيف يصلي حتى تتورم قدماه، يجب أن يتأملوا في ذلك ويعيدوا النظر في أنفسهم.

وفي النهاية توصلنا أن قيام الليل له من الفضائل ما لا تضاهيه فضائل، وأنه يجب أن يتمسك به المسلم في حياته حتى ينعم في بالبركة والرزق من عند الله “سبحانه وتعالى”، ولكي يلتزم الإنسان في قيام الليل عليه أن يخلص النية إلى الله “سبحانه وتعالى” ويعتزم القيام كل ليلة ليؤدي صلاة قيام الليل، وقد يبدأ بركعتين ثم الوتر، ويستمر في التدرج حتى يستطيع أن يقضي معظم ليله في قيام الليل، والتبتل إلى الله والدعاء له، وطلب المغفرة، مستشعرًا حلاوة التقرب من الله، وينول بذلك الخير والبركة والرزق في الدنيا والآخرة.

أضف تعليق