ماذا رأى الرسول في الإسراء والمعراج؟ ليلة العجائب والأسرار

ماذا رأى الرسول في الإسراء والمعراج

ويسأل المسلمون دومًا وعلى مَرِّ العصور: ماذا رأى الرسول في الإسراء والمعراج؟ في هذه الليلة التي لطالما سمعوا العجائب والأسرار الهائلة والعظيمة من الإمام في خطبة الجمعة أو من المُعلِّم في دورِ العلم أو من غيرهم.

ونظرًا لأن هذه الرحلة الهامة في حياة النبي ﷺ ذُكِرت في الكتاب والسُّنَّةِ، فنحن الآن سنحاول أن نسرِد بشكل مُبسَّط وعلمي ما دار في هذه الليلة مع المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.

ماذا رأى الرسول في الإسراء والمعراج؟

وهنا سنُلقي نظرةً عن كثب حول رحلة الإسراء والمعراج وما رآهُ الحبيب ﷺ في هذه الحادثة العظيمة.

مُقدِّمة

في سورة الإسراء خلّد الله جل وعلا الإسراء “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ”. بينما في سورة النجم خلّد الله -تعالى- المعراج “وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى | عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى”.

النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف فصُدَّ، وفي العام نفسه ماتت زوجته خديجة، ومات عمه أبو طالب. فكان لذلك أثرًا في قلبه وأثرًا على دعوته.

فما تجرّأت قُريش عليه إلا بعد وفاة عمه، وأصابه الحزن على وفاة زوجته، ونزل في قبرها ولم يُصلي عليها لأنه يومئذ لم تكن قد شرعت الصلاة على الميت.

بداية رحلة الإسراء والمعراج

ثم لما أراد الله جل وعلا بنبيِّه مزيد كرامة، وعظيم فضلٍ وهو نائم. إذ بسقف البيت يُفرج، مما يعني أن النزول نزول غير مُعتاد. فإذا بالمَلك “جبرائيل” عنده. ثم أخذه وشقّ صدره شقًّا حسّيًا، وأخرج قلبه.

ثُم غُسِلَ قلبه الطاهر الشريف بطست من ذهب، لأن أواني الجنة أعلاها ما كان من ذهب.

ثم غُسل أيضًا بماء زمزم، لأنَّهُ لا ماء في الدنيا أطيبُ منه. ثم مُلِئ القلب الشريف إيمانًا وحكمة، حتى يتهيّأ لرحلةٍ إلى الملكوت الأعلى.

الله يقول الخليل إبراهيم “وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” ~ سورة الأنعام – الآية ٧٥.

ثم جِيء له بالبراق، ولما ركبه وكأن البراق شمُس “يعني منَع ظَهْرَه-أبى”، فقال جبرائيل للبراق: ما حملك على هذا؟ والله ما ركبك من خلق الله قط أحدٌ أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم.

فاستكان البراق، فركبه صلى الله عليه وسلم حتى أتى به إلى المسجد الأقصى. فربط ﷺ دابتهُ بحلقةٍ كان الأنبياء يربطونها فيه.

وهذا يدُل على أمرين:

  • أن البراق ركبه قبله ﷺ أحدٌ من الأنبياء.
  • ويدل على أن الأنبياء كانوا يأتون إلى المسجد الأقصى ويربطون الحلقة.

ثم دخل ﷺ المسجد، وجاء في بعض الروايات أنَّهُ صلّى ركعتين لوحده، ثم أُقيمت الصلاة، ثم قدمه جبرائيل على سائر الأنبياء، ليرث ﷺ ميراث الأنبياء كله، ويصلوا جميعا وراءه، ويُسَلَّم زِمان الأمور كلها، مشرقها ومغربها، والقبلتين كلاهما الأقصى والحرام. ويصبح ﷺ وأمته هم الوارثون الحقيقيون للأرض.

والله جل وعلا يقول “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” ~ سورة الأنبياء – الآية ١٠٥. ولا أحد أعظمُ صلاحًا منه صلوات الله وسلامه عليه.

فصلى ﷺ بالنبيين إماما ليُعرَف قدرُه. لأنه لا مكان أشرف من المسجد، ولا مكان في المسجد أعظم من موضع الإمام. فاجتمع جلالة الإمام -وهو النبي عليه الصلاة والسلام- وجلالة المأمومين -وهم أنبياء الله ورسله- وجلالة المكان -وهو المسجد الأقصى المبارك-.

وقد جيء له ﷺ بإنائين، أحدهما فيه لبن، والآخر فيه خمر. فقال له جبرائيل: اختر “أي أحدهما”، فاختار اللبن. فنودي: هُديت للفِطرة وهُديّة أمتك.

إلى هنا انتهت رِحلة الإسراء.

المعراج

انتهت مهمة البُراق، ولا يُدرى بأي آلةٍ عُرِجَ به ﷺ، لكن نعلمُ من الشَّرع أن جبرائيل كان معه.

فاستفتح السماء الدنيا، فوجد أباهُ آدم، فقال له مُرَحِّبًا: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح.

وهذا يدل على أن الأب يفرح لصلاح الأبناء.

ثُم أتى السماء الثانية، فوجود فيها ابني الخالة، يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم.

ثُم أتى السماء الثالثة، فوجد من أوتي شطر الحسنِ وهو يوسف.

ثُم أتى السماء الرابعة، فوجد أخاه إدريس.

وفي السماء الخامسة هارون.

وفي السماء السادسة موسى.

وجميعهم: موسى وهارون وإدريس ويوسف ويحيى وعيسى، قالوا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل أحد منهم بالابن الصالح، لأنه ليس أحدٌ منهم في عمود نسبه الطاهر الشريف صلوات الله وسلامه عليه.

ثم لقي في السماء السابعة أباهُ إبراهيم. يقول نبينا محمد ﷺ “أنا أشبه ولده به” مع أن بينهما آلاف السنين.

لماذا قابل النبي ﷺ هؤلاء الأنبياء؟

قابل ﷺ: آدم ويحيى وعيسى ويوسف وإدريس وإبراهيم وموسى وهارون.

وأفضل من أجاب عن هذا السؤال هو أبو القاسم السهيلي رحمه الله في كتاب الروض الأنف، فقال: قابل هؤلاء دون غيرهم لأن في حياته ما يشبه حياتهم.

فآدم، فإن فيه انتقال من الجنة إلى الأرض. هجرة وحنين إلى الوطن. والنبي ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة.

وأمّا يحيى وعيسى، فقد لقيا من اليهود ما لقياه. وهو ﷺ سيهاجر إلى المدينة وسيلقى من اليهود ما لقيه.

وأشبه يوسف في أن إخوته أوثق الناس به عادوه. وكذلك النبي ﷺ أول من عاداهُ قومه. يقول تعالى “وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ” ~ سورة الأنعام – الآية ٦٦.

وفي لقاء إدريس يدُل على رفيع مقامه. فقد قال تعالى عن إدريس “وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا” ~ سورة مريم – الآية ٥٧.

وقد جاء في بعض الآثار أن إدريس كان يُرفع له لوحده ما يرفع من عمل صالحٍ لأهل الأرض كلهم. فالمنقبة ما يرفع للمؤمنين في اليوم والليلة من عملٍ صالح.

فقيل أن الشبه ما بين النبي ﷺ وإدريس “رفيعُ المقام”.

وقابل في الخامسة هارون، وقد كان مُحببًا في قومه، والرسول ﷺ آل إلى أن يحبه قومه.

وأما موسى، فالمعالجة. فإن موسى لقي من بني إسرائيل ما لقي. والنبي ﷺ لقي في معالجة أمته ما لقي. ولهذا كان يقول “رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قدْ أُوذِيَ بأَكْثَرَ مِن هذا فَصَبَرَ”.

وقد وجد إبراهيم على حالةٍ معينة، فقد كان مُسنِدًا ظهره إلى البيت المعمور. وهو عليه الصلاة والسلام ختم الله له بأن حجَّ حجة الوداع، وعظم البيت وطاف حوله، ووقف على إرث إبراهيم كله، ثم مات صلوات الله وسلامه عليه.

وقد استحسن كثيرٌ من أهل العلم هذا التعليل. ومن هؤلاء الحافظ بن حجر رحمه الله في فتح الباري.

سدرة المنتهى.. ونهاية الرحلة

ثم آل ﷺ إلى سدرة المنتهى. وهناك رأى جبرائيل على الهيئة التي خلقه الله -سبحانه وتعالى- عليها. واقرأ قوله تعالى “وَلَقَدْ رَآهُ نـزلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى” ~ سورة النجم – الآية ١٣.

ثم رأى ﷺ مالك “خازِن النار” فبدأ مالكٌ بالسلام على رسول الله ﷺ. وهذا من رفيع مقامه ﷺ عِند ربه.

ثم فُرِضت عليه ﷺ الصلوات الخمس. واقرأ تفاصيل النُصح الذي تقدم به نبي الله موسى لنبينا عليهما الصلاة والسلام في شأن تخفيف الصلاة المفروضة على المسلمين.

ومن وقتها والنبي ﷺ يحفظُ هذا الودَّ لموسى، فيقول “ونِعم الصاحب كان لكُم”.

وعندما قابل خليل الله إبراهيم قال له: أقرئ أمَّتَكَ منِّي السَّلامَ وأخبِرْهُم أنَّ الجنَّةَ طيِّبةُ التُّربةِ عذبةُ الماءِ، وأنَّها قيعانٌ، وأنَّ غِراسَها سُبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبرُ.

الغرض من الرحلة

حين قال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”. دَلَّ على أن المقصود الأعظم من الرحلة أن يرى ﷺ شيئًا من آيات ربِّه.

وهذا يدُل على أنه ﷺ لم يرى ربَّه. يقول “الشيخ صالح المغامسي” أن أسلوب القرآن أن الله -تعالى- لا يمُنّ بالأدنى مع وجود الأعلى. ولاريب أن رؤية الله أعظم من رؤيةِ آياته.

وهو من الجميل ما نختتم به هذا المقال الذي تناولنا من خلاله رحلة الإسراء والمعراج بالتفصيل وما رأى الرسول ﷺ في هذه الحادثة من عجائب وأسرار عظيمة.

أضف تعليق