ما هو الجهاد الأكبر

صورة , الدعاء , الجهاد الأكبر
الدعاء

الحياة بكل ما فيها هي اختبار طويل، وامتحان لا تنقطع أسئلته، وتتنوع بين النعمة والنقمة والمحنة، وإجابته هي التي تحدد مصير الإنسان من النجاة أو عدمها؛ وتعيش أنفسنا تطلب من متع الحياة أصنافا وألوانا منها المباح ومنها الممتنع شرعا، وهنا ينشأ الصراع بين الرغبة في تحصيل السعادة وأسبابها والرغبة بين حفظ النفس من الخروج عن حدود الشريعة وإطارها.

وهذا الصراع الدائم هو أصل جهاد النفس، الذي يعد ضمن العبادات الدائمة التي يفعلها المسلم كل يوم وكل ساعة، فجهاد النفس حالة تلازم العبد منذ بداية التكليف وحتى يحين أجله، فهو يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة وعلى أداء الفرائض، ويجاهد مشاعر الكسل التي تثنيه عن العبادة، ويجاهد نفسه في محاولة مستمرة لمقاومة المعاصي والشهوات التي هي جزء من طبيعته، وتستمر المجاهدة في تحمله للمسؤليات التي تلقى على عاتقه كل يوم والتي تزيد مع تقدم العمر وانتقاله من مرحلة إلى أخرى، فالاعتماد على النفس يحتاج إلى مجاهدة والمثابرة على المشقات والتغلب على العقبات في سبيل تحقيق النجاح والارتقاء بالحياة يحتاج إلى مجاهدة وأي مجاهدة!

بعض الأثار التي تحض على جهاد النفس

لما كانت منزلة هذا النوع من الجهاد عظيمة وأهميته لألتزام الطاعة والمداومة عليها كبيرة، فقد حثت عليه الشريعة وأولته اهتماما كبيرا جدا ومن الأثار التي تناولت قضية جهاد النفس وسلطت الضوء عليها، قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ) وفي هذا ما فيه من الدلالة على أهمية مجاهدة التفس فيما يتعلق بالتزام العبادة والحرص عليها وعدم الانصياع لنداء النفس والهوى الذي يجمل في عيني الإنسان الصحبة والاستمتاع بالوقت بوسائل التسلية المختلفة.

ومن الأثار التي تؤكد نفس المعنى وتعززه قول النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد رجوعه من غزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وهل هناك جهاد أعظم من جهاد الأعداء؟ قال: بلى؛ جهاد النفس) وهذا تصريح واضح بأن جهاد النفس أكبر وأشق.

لماذا جهاد النفس هو الأكبر: وصف النبي –عليه السلام جهاد النفس بأنه الجهاد الأكبر، ويمكننا أن نبين علة ذلك فيما يلي:

جهاد الأعداء ساعة وجهاد النفس كل ساعة

حين يجاهد الإنسان عدوا فهو ظاهر معروف له، يعلم دواخله ونقاط ضعفه وقوته، ويعلم كيف تكون محاربته ويعد نفسه لمواجهة خطره، أما حين يجاهد نفسه فهو يجاهد عدوا خفيا، يحركه ويسيطر على أفعاله وأقواله ويوجهه إلى ما يريد، ويملي عليه برغباته وشهواته.

مجاهدة النفس تعظم لأن العدو ملاصقا للإنسان، ولأن الأعداء كثر، فالنفس والهوي والشيطان، كلهم يدفعون المرء في اتجاه المتع والشهوات ويصعبون عليه الالتزام بالطاعات، والامتثال للأوامر والبعد عن النواهي.

جهاد النفس يسبق جهاد الأعداء ويأتي قبله، فلا يتحمل الجهاد والحرب والخروج للقاء عدو قد يكون آخره القتل إلا من وطن نفسه على مجاهدتها، ودربها على التخلى عن متع الدنيا الزائفة وملذاتها الذائلة.

صور من مجاهدة النفس

جهاد النفس له صور كثيرة ومراتب متعددة، من أعظمها مجاهدة النفس بالصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي واقتراف الشهوات، ومنها الصبر على طلب العلم والصبر على الدعوة لله، ومتطلباتها والعزيمة على مواصلتها رغم ما يعترض المرء من مشقة أو متاعب أو اتهامات أو صد، ومنها مجاهدة الإنسان نفسه لتهذيبها والعمل على تطهيرها من الذنوب والمعاصي وتقويم اعوجاجها والعمل طول الوقت على محاسبتها!

كيف تحسم صراع النفس وتغلب أوامر الله

أولا: بتعظيم قدر الله وحرماته في قلبك، ومداومة المراقبة ومحاسبة النفس طول الوقت.
ثانيا: الوعي بمبدأ شرعي هام للغاية في الحكم على الأمور واتخاذه القرارات، وهو أن الأعمال تقاس بخواتيمها وعواقبها، فكم من شهوة ولذة أعقبها ندم وحسرة وحرمان من الرضا، وكم من طاعة صبر الإنسان عليها وقوام هواه والتزمها، فأعقبها لذة ومتعة وتذوق لحلاوة الإيمان، واستمتاع برضا الله وتوفيقه وتسديده.

وأخيرا اعلم أخي المسلم وأختي المسلمة أن اتباع الهوى والانقياد لرغبات النفس درب من الضعف والاستسلام،وسجية لا تنتمي إلى سجايا الرجال، فقمة القوة أن تملك زمام نفسك فتقودها قبل أن تقودك وتحركها قبل أن تحركك.

أضف تعليق