كيف حافظت جدتي «83 سنة» على صحتها!

شارك عبر:

كيف حافظت جدتي «83 سنة» على صحتها!

تجاوزت الستين عاماً وتصر على اختيار ملابسها بعناية، فتبدو في حلًتها أبهى مني.. وتجاوزت السبعين عاماً وتسبق خطواتها خطواتي إذا ما خرجنا معاً مترجلين.. ثم تجاوزت الثمانين عاماً ولازالت تفيق مع آذان الفجر ملبية النداء، بينما أستغرق في نومي.

جدتي “فاطمة”.. بعد عام من الرحيل لم يمر عابراً في ذاكرتي، فلازلت أتذكر صوتها الحاني بالرغم من شخصيتها الجادة القيادية، وقلقها الدائم على أبنائها وأحفادها وأبناء أحفادها بالرغم من قوة إيمانها، وعطائها الذي لم ينفذ حتى رحيلها.

معادلة الإيجابية

قدمت جدتي نموذجاً رائعاً لمرحلة عمرية يخفق البعض في تجاوزها، فما أن تبدأ مرحلة الشيخوخة ويبدأ معها الخروج من “معادلة الإيجابية”، هكذا يصفها الدكتور سامح علي مدير مركز دراسات الشيخوخة والأمراض المصاحبة لها بمعهد حلمي للدراسات الطبية بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، حيث المعاناة من بعض الأمراض المزمنة والاستسلام لها، وما يتبع ذلك من طلب الرعاية الخاصة.

لم تخرج جدتي من معادلة الإيجابية، على الرغم من إصابتها بالعديد من الأمراض المزمنة، فكانت مريضة سكري منذ عامها الأربعين، وتبعه إصابتها بارتفاع ضغط الدم المزمن، ثم ضعف في عضلة القلب بعد تجاوزها سن الستين، بالإضافة إلى أمراض أخرى مرافقة مثل النقرص وآلام المفاصل.

“ازدياد معدل حدوث أمراض تؤدي إلى الوفاة بعد النضج”، هو التعريف الذي اصطلح عليه د. سامح للشيخوخة، التي لاترتبط عادة بسن محدد، وأهم سماتها هو بدأ وظائف الأعضاء في الانهيار ، إلا أن هناك مفاتيح سلوكية يقدمها لنا د. سامح يمكن من خلالها تجاوز هذا الانهيار، وتحسين ظروف المعيشة لزيادة الإيجابية في شريحة مهمة ومتميزة تمثل جذور المجتمع.

مفاتيح سلوكية

الحياة النشطة

ممارسة المشي نصف ساعة يومياً، على الأقل 5 أيام في الأسبوع يساعد في تحسين الحالة الجسدية والنفسية أيضاً..

الحفاظ على سلوك صحي نشط كان أهم ما يميز جدتي، فلم تكن تسكن أعضاؤها منذ لحظة استيقاظها، كنا نجدها بين أنشطة العمل في المنزل وفي حديقة بيتها الهاديء في إحدى قرى مصر، الذي يملؤه النشاط والحيوية والضجيج لحظة تجمع أبنائها وأحفادها، وما أسعدها من لحظة تجعلها في أبهج حالاتها.

واقرأ هنا عن: فوائد رياضة الجري والمشي للجسم وكيف نتفادي مشاكل كل منهما

الثبات النفسي والروحاني

يؤثر النشاط الروحاني، مثل الصلاة وقراءة القرآن، بشكل إيجابي على الصحة الجسدية والنفسية للمسنين، لأنه يجنبهم الهلع من الموت الذي يسيطر دوما على تفكيرهم في هذه المرحلة، كذلك يجنبهم حالة الخواء التي يتعرضون لها نتيجة انفضاض الأهل من حولهم وانشغال كل منهم في حياته الخاصة.

هكذا كانت جدتي، فلم يفارق يدها كتاب الله، فالختمة تلوى الأخرى، والصلاة على أوقاتها، وأبناءها وأحفادها حولها من وقت لآخر تشركهم معها في اهتماماتها ومشاكلها، ويشركونها معهم في كل تفاصيل حياتهم، فتجد دائما ما يشغل وقتها وبالها عن التفكير فيما سواه، فكان هذا يجنبها عادات سلبية كالجلوس أمام التلفاز فترات طويلة أو المبالغة في كثرة الأكل.

النظام الغذائي المتوازن

حرصت جدتي كل الحرص على تنظيم غذائها الذي يتناسب مع ما ألم بها من أمراض، فكان تركيزها على الخضروات والفاكهة قليلة السكر، واللحوم البيضاء، والتقليل من اللحوم الحمراء والدهون والسكريات بشكل عام، مراعية كمية الوجبة وجودتها، فلم تكن تتوانى عن توبيخ ابنة أو حفيدة تخالف نظامهما الغذائي فتقدم لها وجبة مالحة، وقلما تجدها تخالف نظامها الغذائي فتطول يدها السكريات العالية أو المخللات، لتقول عبارتها الشهيرة، عند إفساد نظامها الغذائي، “النفس أمًارة بالسوء”.

واقرأ هنا عن: علاقة الغذاء بالقلق والاكتئاب

الكشف الدوري

هو أهم مفاتيح الصحة الجسدية، كنت أتعجب من اهتمام جدتي وإدراكها لأهمية وضرورة الكشف الدوري، خاصة إذا ألم بها أي عرض صحي مغاير، فلم تكن تتأخر في إجراء

الفحوصات اللازمة، وربما لا تقتنع بنتيجة أحد المعامل فتصر على إعادة الفحص في معمل آخر، حريصة على مراجعة طبيبها، واختياره بعناية، وكان جهاز قياس الضغط ملازماً لها، ومواعيد علاجاتها ثابتة ومحددة، تبدأها مع إفطارها، وتنهيا قبل نومها.

النوم الصحي

التحكم في ساعات النوم بما لا يقل عن 7 ساعات يومياً في فترة الليل، من أهم السلوكيات التي تساعد في تحسين الحالة الصحية للمسنين والتي كانتتحرص عليها جدتي، غير أني أتذكرها في ليال ساهرة قلقة بشأن ابنة من 4 بنات أو ابن وحيد، أو واحد من 18 حفيداً وحفيدة، و7 من أبناء الأحفاد.

عاشت جدتي حياة صحية، فاعلة ومنتجة عطًاءة من أجلنا أبنائها وأحفادها، فلم ننفض من حولها حتى لحظة رحيلها، شعرنا حقاً باحتياجنا لها، فرحلت عنا بجسدها وبقيت ذكراها تراودنا في سؤال ابن أوابنة حفيداتها عنها، وتجربتها تبهرنا، وأتساءل، هل سيتمكن أبنائها من حذو تجربتها في ظل تسارع الحياة؟

بقلم: نهال لاشين


شارك عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top