سهرة ممتعة.. قصة كلاسيكية جميلة

سهرة ممتعة, قصة كلاسيكية جميلة

استسلمت الصغيرة للنوم في غرفتها بعد عناء شديد… فأحكم الغطاء حولها… ونظر إليها طويلا ليتأكد من أنها لن تصحو مرة أخرى… ثم غادر الغرفة إلى المطبخ فصنع لنفسه فنجانا من القهوة… وحمله إلى مقعده المريح أمام التليفزيون وتمدد أمامه يرقب شاشته في استرخاء وهو يحتسي القهوة ويدخن ويفكر.

لكم أرهقتني الصغيرة هذا المساء قبل أن تنام… بكت كثيرا وسألتني من جديد عنها… واتهمتني بحرمانها منها وأقسمت أنها لن تذهب إلى المدرسة غدا إذا لم أعدها باصطحابها إليها، فاضطررت لأن أعدها بذلك. أقسى من الألم أن تتظاهر بأنه ليس بك أي جرح وأنت الجريح حتى الموت… وهذا ما أفعله كل يوم مع طفلتي الصغيرة ومع زملاء العمل والأصدقاء وأمي وإخوتي منذ شهور طويلة.

شقيقتي التي تكبرني بعامين هي وحدها التي لم تنخدع لحظة بتظاهري بالاستهانة بما حدث ونظرت إلى طويلا وأنا أجلس في الشرفة وقت الأصيل أشرب القهوة وأرقب الطريق… ثم انفجرت فجأة في البكاء فلم أستطع الاستمرار في الخديعة وجاوبتها بسيل صامت من الدموع.

تزورني كثيرا منذ جرى ما جرى… وتغسل ملابس الطفلة وتطهو طعام الأسبوع وتضعه في الثلاجة وتلاعب الطفلة… وتصطحبها إلى المحالّ لشراء احتياجاتها وتدعوني إلى بيتها كل بضعة أيام لتناول طعام العشاء وقضاء الأمسية مع زوجها وأطفالها… زوجها صديق أكثر منه قريب… تآلفت روحي معه منذ انضم إلى أسرتنا ووجدت فيه قلبا طيبا وعقلا راجحا. كلاهما عطوف يبادل الآخر عطفا وحبا، فنضح بيتهما بعطر الحب والرحمة… هكذا كنت معها في أيامنا السابقة… لكن أريج الحب لم يثبت للأيام.

كانت شقيقة لأحد زملاء العمل… رأيتها معه أكثر من مرة واجتذبتني إليها بجمالها… وخفة ظلها… وقوة شخصيتها… جسست نبضها فوجدت الطريق مفتوحا أمامي… فاتحت شقيقها في خطبتها فرحب بي على الفور وتعاونا في إعداد عش الزوجية وقدمت لها كل ما أملكه… وأحببتها وشغفت بها قبل أن نبدأ حياتنا الزوجية.

وبعد الزواج سلمت لها راية قلبي وازددت افتتانا بها، وجاءت الصغيرة بعد عام من الزواج، فوثقت الروابط وجملت الحياة أكثر. لكنها على الرغم من سعادتها معي كانت دائما ملولة وضجرة… وكثيرة الشكوى من كل شيء، تشكو من عملها وعدم إنصافها فيه… ومن متاعب الطفلة الصغيرة ومن ارتفاع الأسعار… وقلة الدخل، مع أني أضع في يدها مرتبي الكبير كاملا كل شهر ولا أحاسبها فيما أنفقته… وتشكو من غيابي أسبوعين كل شهر في موقع العمل البعيد بالشركة التي أعمل بها، مع أني أتقاضى عن هذين الأسبوعين أجرا مضاعفا يخفف من عناء حياتنا.

وفي كل الظروف كنت أسمع باهتمام وأواسيها وأخفف عنها… فتستريح ثم لا تلبث أن تتألق الابتسامة الجميلة في وجهها.

ولجمالها وخفة ظلها… وشهامتها نالت مكانة غالية لدي أمي وإخوتي وزملائي، فهي الحريصة دائما على صحة أمي ومجاملة أشقائي في مناسباتهم والمتطوعة بشهامة لمساعدة كل من يحتاج إلى مساعدتها منهم، وكلما أثني عليها أحد من أهلي ثملت طربا بالثناء وازددت بها فخرا وغفرت لها نغمتها الشاكية.

أما في بيوت أصدقائي فقد تألقت بجمالها وحضورها وخفة ظلها في المناسبات الاجتماعية، وفي مصيف الشركة كسبت ود زملاء العمل الذين تجمعنا بهم الإجازة وشقق المصيف.

وفي إحدى هذه الإجازات تعرفنا إلى أسرة زميل جديد انتقل إلى فرع الشركة مؤخرا وتقاربت الميول بيننا سريعا وكثرت لقاءاتنا خلال إجازة الصيف… ثم استمرت بعد العودة من المصيف، فتعددت دعواته لنا للعشاء ودعواتنا له ولزوجته وابنتيه، وتوثقت العلاقة بيننا حتى أصبحنا لا نخرج في نزهة إلا معهم… ولا نقضي يوم الإجازة الأسبوعية إلا معا في بيتنا أو بيتهم أو في النادي.

وعلى الرغم من سعادتها البادية فلقد ازدادت النغمة الشاكية في حديثها وأضافت إلى أسباب شكواها المتعددة… سببا جديدا لم يكن قائما من قبل هو أنا، فقد بدأت تشكو مني… وتحاسبني على كل كلمة أو إشارة وتستشعر في تصرفاتي العادية جرحا لمشاعرها أو عدم تقدير لها… أو تجاهلا للاهتمام بها… وعبثا حاولت أن أنفي عن نفسي الاتهام وأبرهن لها على العكس… إلى أن فوجئت بها بعد عودتنا من النادي ونوم طفلتنا الصغيرة ذات يوم تقول لي في جدية:

– أريد أن أحدثك في أمر مهم…

فتطلعت إليها باسما ومنتظرا، فإذا بها تطلب مني الطلاق!

الطلاق؟ بعد يوم سعيد قضيناه في النادي مع أسرة صديقة ولم تكف طواله عن الضحك والابتهاج؟ لماذا؟ وماذا حدث؟… جد أم هزل هذا؟… أسئلة كثيرة متلاحقة طرحتها عليها وأنا مبهور الأنفاس… فلم أحظ منها بجواب شاف وكان كل ما قالته لي إنها تريد الطلاق ولن تتنازل عنه، وسوف تغادر البيت غدا إلى بيت أسرتها حتى أستجيب لطلبها.

وماذا عن ابنتك؟ لا جواب!… وماذا عني وقد قدمت لك كل ما أستطيع لأرضيك وأحافظ على هذه الأسرة الصغيرة من أجلك ومن أجل طفلتنا؟… لا جواب…

هل أسأت إليك… هل آذيتك مرة… هل ضربتك مرة؟… هل أهنتك؟ هل بخلت عليك؟… لا جواب… أو أجوبة كاللاجواب بكلام متهافت عن بعض الخلافات العابرة البسيطة القديمة التي لا تخلو منها حياة زوجية ولم تستغرق ساعات وانقضت منذ زمن طويل.

إذن ما العمل؟ تجيبني: الطلاق… فكري… راجعي نفسك. فكري في ابنتك… في مستقبلها… في مصلحتها!

ولكن لا تفكير ولا مراجعة… طوال الأسابيع التالية لم تنجح أية محاولة معها لإقناعها بالعدول عن طلبها حتى صرخت فيها أمها في حضوري: يا ظالمة… واصطدم بها شقيقها صداما صاخبا… وكادا يتشابكان بالأيدي في وجودي.

وأخيرا سلمت بما لا مفر منه، لكني أردت في اللحظة الأخيرة أن أضع أصعب العراقيل في طريقها لعلها تفيق إلى نفسها، فعلقت موافقتي على طلاقها على تنازلها عن حضانة الطفلة لي. وتلقي القلب الجريح طعنة أشد إيلاما بموافقتها على هذا الشرط القاسي! ويوم أبلغتني شقيقتي بموافقتها في التليفون وهي تصب لعناتها على الفاجرة التي تضحي بطفلتها للحصول على الطلاق وضعت السماعة مذهولا وظللت أتجول في مسكني الخالي تنهبني الأفكار والخواطر… وإحساس مرير برخصي وهواني على زوجتي يقتلني… وفجأة وجدتني أقف أمام المرآة وأتفرس في وجهي وهيئتي لأكتشف سر بضاعتي التي تدفع أما للتخلي عن طفلتها للتخلص من عشرتي، وطال وقوفي أمام المرآة… حتى خفت على نفسي من الجنون، فتناولت حبة مهدئة ودخلت في فراشي محاولا النوم فمضي وقت طويل وأنا مستلق في الفراش أرقب نجفة غرفة النوم وأتساءل متحيرا: لماذا يراني الآخرون طيبا وحلو المعاشرة ومهذبا… ولا تراني زوجتي كذلك؟… لا بد أنهم جميعا مخطئون وهي وحدها الصادقة، فالزوجة هي من تعرف صدقا حقيقة من تعاشره، أما الأهل والأصدقاء فهم لا يعرفون عنه إلا ما تبدو عليه صورته الخارجية… وفي غمار أفكاري اكتشفت

فجأة أن معظم لمبات النجفة المصممة على شكل ملائكة صغيرة تحمل مشاعل الإضاءة مطفأة وتالفة، وتذكرت أنها كذلك منذ زمن طويل ولم أفكر في تغييرها. قلت لنفسي: انطفأت وتلفت ولم نتنبه لضرورة استبدالها بلمبات جديدة… فمتى انطفأت مشاعل الحب في حياتي وخيم عليها ظلام النفور دون أن أدري؟

في قلب الأحزان يتشاغل الذهن أحيانا بالأشياء الصغيرة… فهل هذه علامة صحية… أم نذير جنون؟

أطفأت نور الغرفة ووضعت الوسادة فوق رأسي محاولا النوم فغمر ضوء الصباح الغرفة ولم يغمض لي جفن وفي مساء ذلك اليوم توجهت مع شقيقتي إلى مكتب المحامي… وجاءت هي وشقيقها وطفلتي بعد اختفاء أسابيع وأعدت صيغة التنازل عن حضانة الطفلة… ووقعتها أمامي بثبات وهي تتجنب النظر إلي وإلى شقيقتي… ثم خرجنا إلى مكتب المأذون فطلقتها فيه… وقبلت الغادرة الطفلة وهي تقول لها إنها ستسافر لبضعة أيام وستتركها مع بابا حتى تعود، ثم غادرت المكتب في صحبة شقيقها دون وداع.

ومنذ ذلك اليوم تغيرت أشياء كثيرة في حياتي، فاعتذرت عن عدم السفر إلى مواقع العمل البعيد متنازلا عن فوائده المادية… وتفرغت لرعاية طفلتي والاهتمام بشئونها ومحاولة ابتكار إجابة جديدة كل يوم على سؤالها الدائم عن موعد عودة أمها.

وفي يوم الجمعة من كل أسبوع يأتي شقيق الغادرة خجلا ليستأذنني في اصطحاب الطفلة إلى أمها، وتبكيني صامتا فرحة الطفلة بالذهاب معه… وتبكيني أكثر عودتها من الزيارة دامعة وهي تسألني عن سبب عدم عودة أمها للإقامة معنا.

أيامي تتوالى كئيبة… ومواساة الأهل لي تخفف عني بعض آلامي وتثير رثائي لنفسي في نفس الوقت. قالت أمي راثية سعادتي المهدرة: كنت دائما أطيب أبنائي وأكثرهم حنانا بإخوته، ولم تحتج يوما لمن ينبهك إلى واجبك… فكيف تكون أقلهم حظا في الحياة؟

فأسمع كلماتها الطيبة شاكرا… ومتظاهرا بالمرح وبالاستهانة ومؤكدا لها أني سعيد بحياتي هكذا مع ابنتي… لكن هيهات أن يغفل قلب الأم عن التعاسة الكامنة في الأعماق… وكنت أظن أني قد تجرعت كأس الألم كاملة… فإذا بي أذهب إلى عملي ذات صباح فأجد الجميع يتفحصونني باهتمام ورثاء خفي كأنما يتوقعون مني شيئا لا أعرفه… وشعرت في نظراتهم بشيء مريب، فسألت أقربهم إلى قلبي عما يدور حولي… فنظر إلى صامتا ثم فاجأني بدعوتي للخروج معه من العمل في مشوار قصير… وفي الشارع قال لي بنبرة عاطفة:

– لا بد من أن تعرف ما يعرفه غيرك… لقد تزوجت زوجتك السابقة من زميلنا فلان زواجا عرفيا وعرف الجميع في العمل بذلك اليوم.

فشعرت بأن ساقي تعجزان عن حملي… وتوقفت في الشارع مذهولا… فلان … صديقي المقرب الذي تعرفت على أسرته في المصيف واحترمت زوجته وأحببت ابنتيه؟… أهذا اختفى من حياتي طوال الأسابيع الماضية، وكنت أعتب عليه تخليه عني في محنتي… فإذا به صانعها والمسئول عنها!

هذه هي القصة إذن… نار تسري تحت الرماد وأنا مطمئن إلى يومي وغدي مع زوجتي وطفلتي الصغيرة… الأمر إذن ليس مصادفة وإنما تدبير محكم أنا ضحيته وطفلتي أيضا… لكن كيف تنازلت المعتزة بنفسها وجمالها عن كبريائها فرضيت بوضع الزوجة الثانية لزوج وأب لابنتين في سن المراهقة وكيف تمادت في الهوان فرضيت بزواج عرفي أشبه بالزواج السري؟

وعجزت تماما عن المشي… فاستدعي زميلي سيارة أجرة وصحبني إلى سكني الخالي ولازمني طوال اليوم يهون على الأمر… ويخفف عني… وحملته عند انصرافه خطابا إلى مديري أطلب فيه إجازة لمدة أسبوعين.

وأمضيت الإجازة في مسكني لا أكاد أغادره إلا لفترة قصيرة كل مساء مع طفلتي أشتري خلالها لها ما تحتاج إليه أو أروح عنها وعن نفسي بالمشي قليلا في الشوارع.

وعدت للعمل بعد الإجازة جريح القلب والكرامة… وتجاهل الزملاء أية إشارة إلى زميلي بطل القصة احتراما لمشاعري، وشعرت بارتياح كبير حين علمت بأن مديرنا قد نقله إلى فرع آخر مصحوبا بتقرير سيئ عن أخلاقياته ورتبت حياتي بعد ذلك على التفرغ لعملي وطفلتي ولم يعد هناك ما يشغلني سوي تدبير احتياجات معيشتنا معا وترتيب زياراتها لأسرتي وبيوت أشقائي.

وأسرفت في احتساء القهوة والتدخين والجلوس شاردا أمام جهاز التليفزيون كل ليلة… أرقب شاشته طوال الوقت ولا أعي مما أراه الكثير، وأصبحت مشكلة حياتي الوحيدة هي إخفاء الحقيقة المؤلمة عن طفلتي حتى لا تترسب في وجدانها الصغير وتنمو داخله مع الأيام.

فرفضت أن تزور طفلتي أمها في الشقة المفروشة التي استأجرها الصديق الغادر، ورفضت السماح لها برؤيتها إلا في بيت جدتها وتحت رقابة شقيقتي التي تحملت هذا العناء الأسبوعي راضية إكراما لي.

ولم أشعر بالشماتة في الغادرة… وشقيقتي تحدثني عن ذبول جمالها وانكسار نظرتها… ومحاولتها إقناع شقيقتي بأنها كانت مغلوبة على أمرها فيما فعلت، وأنها تدفع الثمن غاليا الآن من لوم الجميع واحتقارهم الصامت لها ومن تهدم الأحلام السعيدة وانكشافها عن حياة نصف زوجة تختلس من زوجها بضع ساعات من يومه وتتعرض لمتاعب عديدة من زوجته وابنتيه.

نعم لم أشعر بالشماتة فيها… ولا بالعطف عليها… فجرحي لم يدع لي مجالا للتفكير في أمرها، واهتماماتي مركزة الآن في شئون الطفلة الصغيرة ودروسها… وملابسها… وحمامها… وطعامها وصحتها وتسليتي اليومية هي الجلوس أمام شاشة التليفزيون بعد نوم الصغيرة ومشاهدة أفلامها وقصص حياة الآخرين فيها والاندماج معها بعض الوقت والاستمتاع باحتساء القهوة والتدخين في هدوء وأنا أفكر من حين لآخر في البحث عن إجابة مثالية لسؤال الطفلة اليومي عن أمها، بشرط أن تكون إجابة لا تكذب… ولا تهز في نفس الوقت صورة الأم الحنون في مخيلة طفلتها.

وما زلت أفكر في هذا الأمر كل ليلة… ولم أهتد بعد إلى الإجابة المثالية…

تنبه من شروده فجأة على صوت أزيز جهاز التليفزيون بعد انتهاء الإرسال… فتعجب كيف انتهى دون أن يتنبه إليه… وحاول جاهدا أن يتذكر ماذا كانت سهرة الليلة… فلم ينجح في التذكر ونهض ببطء فأدار مؤشر التليفزيون باحثا عن قناة ما زالت تبث إرسالها في هذا الوقت المتأخر من الليل… وارتسمت الخيبة على وجهه حين لم يجد شيئا سوى الأزيز على كل القنوات… فأغلق الجهاز وتثاءب ومضي متثاقلا إلى غرفة نومه وهو ما زال يفكر… في الإجابة المحيرة التي يبحث عنها.

بقلم: عبدالوهاب مطاوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: