قصة حب قصيرة.. حزينة «صديقة قديمة»

دخل العمارة التي يقيم بها، واستعد لمشوار صعود الدرج إلى مسكنه بالدور الرابع. فاستجمع قواه وبدأ يصعد الدرج ببطء شديد. حذره الطبيب منذ فترة من بذل المجهود الكبير خاصة في صعود السلم، لكن كيف يتجنب ذلك وعمارته بلا مصعد ولا أمل في سكن آخر في ظروفه الحالية. ولا مفر من الاحتمال ومحاولة تقليل الأضرار بقدر الإمكان.

لا تبدأ صعود السلم وأنت مرهق بالمشي. وإنما توقف برهة حتى ينتظم تنفسك وتتخلص من إجهاد المشي. ثم أبدأ صعود السلم درجة بعد درجة، واشغل ذهنك بالتفكير في أشياء بهيجة تهون عليك الرحلة وتزيد من بطء خطوتك. هكذا نصحه أهل الخبرة. فالتزم بنصائحهم وعمل بها، وكثيرا ما انتهز فرصة الصعود البطيء ففكر فيما يشغله من أمور. أو تربص لأي جار نازل في الاتجاه الآخر فحياه وتوقف يتحدث معه في أي شأن ليستريح لحظات. وفي مرات كثيرة ينظر إلى أبواب الشقق المغلقة ويتذكر سكانها من الجيران. ويسترجع ذكرياته معهم. عمارته برغم الارتفاع ليست كبيرة فهي من خمسة أدوار وتقيم في كل دور أسرتان..

وقد جمعته الحياة بسكانها منذ عشر سنوات فعرفهم وعرفوه وتبادل معهم علاقات المودة وحسن الجوار.

تجاوز الدور الأول بسلام وبدأ يصعد درجات الدور الثاني فسمع وقع أقدام صغيرة هابطة من أعلى. ما أكثر أطفال العمارة وما أحبهم إلى قلبه. هم أصدقاؤه الحقيقيون في هذه العمارة. ومعهم يتصرف على سجيته، أكثر مما يفعل مع أي جار آخر. اقتربت الأقدام الصغيرة. فرآها أمامه وتهلل لرؤيتها بأكثر مما يفعل مع أي طفل آخر. وتوقف لاهثا وهو يقول في مرح:

– من هذا (القمر) الجميل الذي يهبط السلم؟

ابتسمت الصغيرة ابتسامة عريضة. وأفسحت الطريق له ليعبره لكنه لم يفعل، وإنما توقف وقال لها: آلي أين يذهب القمر الآن؟

فأجابته بصوت خافت أنها نازلة لتشتري بعض الحلوي من البقال الذي يقع محله في نفس العمارة. فسأل عن نوع الحلوي. وعن ثمنها وعن مرات تناولها كل يوم. وقدم نصائحه الثمينة لها بعدم الإفراط في تناولها حتى لا تفسد هذه الأسنان اللؤلؤية الجميلة. وحتى لا تفسد شهيتها للطعام، كما كرر نصيحته المعتادة لها بألا تغادر رصيف العمارة أو تعبر الطريق لأي سبب من الأسباب خوفا عليها من السيارات المسرعة. وتلقي تأكيداتها بأنها ستفعل ذلك، ولم يكتف بالوعد وإنما قال لها إنه سيحسب الزمن من لحظة مغادرتها إلى لحظة عودتها ليعرف هل التزمت بوعدها أم أخلفته، وسينتظر منها أن تطرق باب شقته لتطمئنه على عودتها سالمة.

فإذا فعلت ذلك فسوف يعطيها كتاب الصور وأقلام التلوين التي كان يستخدمها ابنه وهو في سنها. ولم ينس بعد ذلك أن يسألها عن شقيقها وأبيها، ثم عن ماما وأجابته بأن الجميع على مايرام فأفسح لها الطريق. وواصل الصعود ثم التفت إليها بعد عدة درجات فوجدها تنظر إليه ضاحكة، ولوح لها مودعا ومذكرا بوعدها فلوحت له بيدها الصغيرة ثم واصلت الهبوط بنشاط.

سألها عن ماما وأجابت أنها بخير. ترى هل تحتفظ ذاكرتها الصغيرة بأي أثر للأخرى التي انسحبت إلى عالم النسيان؟ يقولون إن ذاكرة الأطفال أقوى مما نعرفه عنها. فهل تختزن ذاكرتها أي أثر للأخرى الحقيقية؟.

لقد كانت جميلة كالملاك ورقيقة مع الجميع وحزينة حزنا شفينا غامضا يثير عطف كل من يتعامل معها وإشفاقه، تبادر الجميع بالتحية كلما التقت بأحد على درج السلم ولا يفوتها السؤال عن الزوجات والأزواج والأبناء، ولا تفوتها مناسبة لمجاملة جيرانها دون أن تجاملهم فيها بإخلاص، ففي كل المناسبات يطرق طفلها الصغير الباب حاملا التورتة الجميلة التي برعت في صناعتها في البيت، مع تحيات ماما وتهنئتها، وفي المناسبات الحزينة تذهب مبكرة وتشارك أصحابها بدموعها الغزيرة.

ومن زوجته عرف أنها زوجة لمحاسب شاب يقيم في الشقة التي تعلو مسكنهما مباشرة، وأنها أم لطفل في الخامسة وحامل في وليد جديد تنتظره بشغف، ورقيقة وغزيرة الدموع في كل الأحيان، وسمع من زوجته أن جارة لهما عاتبتها بفظاظة ذات يوم لأن ابنها ضرب طفلتها خلال لهوهما في مدخل العمارة. فانفجرت باكية وهي تعتذر لها بحرارة حتى ندمت الجارة على غلظتها معها. وتأسفت لها كثيرا.

ومن زوجته أيضا عرف أنها تزوجت زميلا لها بالكلية بعد قصة حب عميق بينهما، وأنها كافحت طويلا مع أبويها لإقناعهما بفتاها الذي لم يكن يملك إمكانيات الزواج ولأتعدها الحياة معه إلا بحياة متقشفة، لا تقارن بحياتها السابقة في بيت أبيها الطبيب الناجح، وأنها رفضت العريس الجاهز الذي رشحته لها جارتها والذي يملك شقة مناسبة في حي راق. وسيارة حديثة. ودخلا يمكنها من الحياة المريحة وتمسكت بفتاها المكافح الذي حصل بمعجزة على شقة صغيرة في الدور الخامس في بيت قديم بلا مصعد. وجفت إمكانياته فعجز عن تقديم أي شيء آخر وتكفلت هي ببقية تكاليف الجهاز وتنازلت عن أحلام الزفاف الفاخر في فندق كبير. ورضيت من الحياة بزوج تحبه ويحبها ويتعاونان معا على أعباء الحياة وأعانها أبوها بمبلغ شهري صغير، رافضا بإصرار السماح لها بالعمل لأن صحتها لا تحتمل إجهاد العمل ورعاية بيت وطفل صغير، وسعدت بحياتها مع زوجها وإن كانت قد تعرضت لأزمة صحية شديدة عقب ولادتها طفلها وأقامت شهورا بعد الولادة في بيت أبيها، ثم ظهرت ذات يوم أمام مدخل العمارة حاملة وليدها، وآثار المرض بادية في وجهها الجميل فتسارع الجيران لتهنئتها بالعودة والإنجاب. وتواصلت حياتها بعد ذلك هادئة، لا يسمع لها الجيران صوتا ولا يرونها إلا على درج السلم ممسكة بيد طفلها فتبدأ بالتحية والسؤال عن الأبناء، وتتبادل الحديث لحظات مع من يصادفها ثم تودعه باحترام.

وترامت الأنباء إلى المهتمين بأنها تمضي فترات طويلة في فراشها وتتحامل على نفسها لتقوم بواجبها تجاه زوجها وطفلها. وإن علاقتها بطفلها غريبة ومثيرة للتأمل فهي لا تنهاه عن شيء. وإذا أخطأت مرة ونهرته فبكي كانت دموعها أغزر من دموعه وندمها أسرع من غضبها. وإذا أبدي تجاهها أي بادرة تمرد طبيعية من أمثاله من الأطفال بكت بالدمع الغزير وعاتبته كما تعاتب المرأة رجلا رشيدا وقالت له: أهكذا يكون جزائي منك لأني أحبك كل هذا الحب؟ أهكذا يكون جزاء الحب الذي أحمله لك؟!

ثم تواصل البكاء بلا نهاية حتى يضطرب الطفل الصغير ويندم ويعتذر لها، فيتعانقان بحرارة ويواصلان علاقتهما الحميمة!

تناقلت الجارات عنها ذلك، فقالت جارة خبيثة إنها تخاطب زوجها في شخص طفلها وإنها مصدومة في زوجها الذي ضحت من أجله بالحياة المريحة فلم يعوضها زوجها بحبه عن تضحيتها. وإنما جرفته معركة الحياة وشغلته عن إشباع احتياجاتها العاطفية. وتحول بعد الزواج والإنجاب إلى زوج تقليدي مهموم بأعباء الحياة. ولا وقت لديه لزوجته التي ما زالت تعيش في الخيال.

لكن أحدا لم يسمع عنهما ما يؤيد هذا الزعم أو يؤكده فلم يتشاجرا مرة أمام أحد. ولم تسمع زوجات الجيران منها يوما شكوى من زوجها حتى ولو فسرت بعضهن ذلك، بدافع الغيرة منها غالبا، بأنها ترفض الاعتراف لنفسها بصدمتها في الحب حتى لا تذهب تضحيتها هباء، أما هو فكثيرا ما قابلها صدفة في مدخل العمارة أو على درج السلم فبادرته كعادتها مع الجميع بتحيتها الرقيقة وسؤالها عن زوجته وطفله، ورد تحيتها بحب واحترام.

ثم يوما صادفها هابطة الدرج وهي في أيام حملها الأخيرة وقد بدا الإجهاد واضحا على وجهها فعرض عليها إن كانت في حاجة إلى شيء من المحالّ التجارية أن يأتيها به، لتوفر على نفسها مشقة نزول السلم وصعوده. فشكرته بحرارة، وأكدت له أنها في حاجة للمشي تنفيذا لأوامر الطبيب.

وبعد أسبوعين من هذا اللقاء العابر دخلت المستشفى لتضع مولودها فكانت طفلة جميلة كما عرف من زوجته، وغادرت المستشفى إلى بيت أبيها لقضاء فترة النقاهة فيه، فطالت غيبتها عن العمارة وأغلق زوجها شقته واصطحب طفله الصغير إلى بيت أمه وأقام فيه.

وطالت غيبتها عن المألوف في مثل هذه الظروف فزارتها زوجته وبعض سيدات العمارة في بيت أبيها، وعدن مكتئبات لتدهور صحتها وبطء شفائها.

ويوما صحا من نومه ودخل الحمام ثم اتجه إلى غرفة المعيشة، فوجد زوجته جالسة أمام مائدة الإفطار تقرأ صحيفة الصباح ودموعها تنساب في صمت، فتساءل متوجسا عن الخبر، فقدمت له الصحيفة التي تقرأها. فتوقفت عيناه على صورة الجارة الرقيقة متصدرة صفحة الوفيات!

ومضت شهور طويلة بعد ذلك والشقة العلوية مغلقة كما هي، وساكنها غائب عن العمارة. ثم أحس ذات يوم بدبيب حياة جديدة فيها. وعرف من زوجته أن جارها قد عاد للسكن في شقته مع طفليه. ومع زوجته الجديدة!

نعم زوجته الجديدة.. فقد تزوج من إحدى قريباته مستأذنا والدي زوجته الراحلة اللذين سلما بحقه في الزواج، ليجد من يرعى طفليه الصغيرين.

ورأى الزوجة الجديدة ذات يوم مع زوجها، فتذكر الراحلة الجميلة بأسي، وتمني من أعماقه أن تكون رحيمة بالطفلين البائسين، وباهتمام خفي حرص على تأمل الأطفال الذين يصادفهم في ردهات العمارة. باحثا عن الطفلة الصغيرة التي لم تهنأ أمها بصحبتها طويلا. وتعرف عليها لأول وهلة حين رآها من ملامح وجهها المريحة التي تعيد إلى الحياة صورة أمها الغائبة. وخصها بعطف خفي واهتمام كبير.

وتكررت مداعباته وهداياه لها من قطع الحلوى والشيكولاتة حتى أنست له وأحبته غافلة عن دوافعه الأليمة للاهتمام بها، وتكررت دعواته لها بأن تزوره في بيته حتى استجابت لدعوته وقابلتها زوجته بحفاوة بالغة. فاعتادت الطفلة بعد قليل أن تطرق بابه من حين إلى آخر فيفتح لها الباب، ويتهلل لرؤيتها ثم يصطحبها بحماس إلى داخل شقته ويدعوها لتناول الشاي ومشاهدة التليفزيون معه ويثقل جيوبها عند انصرافها بقطع الحلوي.

وألفت زوجته إذا فتحت لها الباب أن ترحب بها ثم تناديه قائلة له إن صاحبته قد جاءت لزيارته!. لم تبلغ الخامسة بعد، لكنها صورة مكررة من أمها في ملامحها الجميلة الحزينة بلا سبب واضح. وفي سرعة استجابتها لمشاعر الآخرين واستعدادها لحبهم.

قال لنفسه ذلك مختتما تأملاته وهو يدير مفتاحه في شقته فما أن عبر مدخلها حتى جاءه صوت زوجته من المطبخ:

– رأيتك من الشرفة تدخل العمارة منذ ثلث ساعة، فماذا فعلت في هذا الوقت الطويل!

فأجابها، وهو يخلع جاكتته ويضعها على مقعد في الصالة:

– قابلت صديقة قديمة على السلم. فتحدثت معها بعض الوقت.!

بقلم: عبدالوهاب مطاوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: