مقال عن ضرورة إحياء الضمير لدى الأبناء

ضرورة إحياء الضمير لدى الأبناء

إن الأبناء حين يولدون، فإنا نعدهم الأمل المشرق لأوطانهم، وبلادهم، ومجتمعهم: الصغير وهو الأسرة، والكبير، وهو الوطن، لذا يجب أن ننشئهم على الدين الصحيح، والخلق الكريم، والسلوك المتينة القويمة التي تدفعه إلى الخير، وتنأى به عن الشر، حتى يعود بالصلاح على الوطن، ويكون الابن هو البذرة الصالحة التي تنبت في أرض الوطن الخصبة، فتزيده حضارة ورقيًا، ويصير الأبناء: بدينهم، وخلقهم، وعملهم، ذا منعة، وقوة، متحصنين من مكائد الأعداء، والأوبئة العقلية والفكرية التي ينشرها الغرب في رؤوس أولادنا.

وإننا في هذا المقال نفرد القول في معنى الضمير، وأهمية إحيائه في نفوس أبنائنا منذ النشئ، وخطوات هامة ضرورية لإحياء الضمير الذي يعد اللبنة الروحية لبناء المجتمعات.

معنى الضمير

إن مفهوم الضمير واسع، من وجهة نظري، لكنه في النهاية يؤدي إلى طريق واحد، وإذا أردنا أن نفرد مفهومًا شاملًا للضمير وخصائصه، فإني أقول: أن الضمير هو النور المضئ في نفس الإنسان والذي يدفعه دائمًا إلى الاختيارات الصحيحة في حياته، وينأى به عن دروب الشر، ومهالكه.

أي أن الضمير، إذا تحلى به الإنسان، فإنه يدفعه إلى طرق الخير دائمًا في كل شئون الحياة، في الحياة الدينية، والاجتماعية، والأسرية، والسياسية، وينمي فيه الروح القوية التي تعرف بحزم الصحيح من الخطأ، وتسلك طرق الخير مهما كلفها الأمر، والضمير هو الذي يدفع الإنسان إلى تمييز الشهوات، التي عادة ما تختبئ في وجوه الخير؛ فالإنسان الذي يملك ضميرًا متزعزعًا لا يستطيع أن يميز العمل الصالح من العمل الفاسد الذي مكمنه الشهوات، والإنسان الذي ينمي في نفسه الضمير باستمرار، يستطيع أن يميز بين طرق الخير وطرق الشهوات ومهالكها، فينأى عنها ويسلك طرق الخير مهما كلفه الأمر من التضحية في سبيل ذلك الخير.

أهمية تنمية الضمير لدى الأبناء

إن الأبناء، حين يولدون، ويرون نور الشمس، ويعون ما حولهم، تكون صفحتهم بيضاء، خالية من الشوائب، مفطورين على الخير، والحب، والابتسامة التي لا تنقطع، وهم بذلك يكونون على استعداد لأن نشكل أرواحهم النقية كما نريد، وهذا يقع على عاتق الأب والأم في المقام الأول.

فالابن، الذي يحبو ويردد كلمات قليلة تلقهاها بالسمع، إذا سعى والداه لتنمية السلوك القويمة فيه، والأخلاق الحميدة، وتنمية مهارات اختيار الصحيح من الخطأ، فإنه حين يكبر، ويشتد عودة، تكون قد اكتملت شعلة الضمير في نفسه، ويصير ضميره الحي المشتعل هو ما يقوده إلى الخير.

على عكس الآباء الذين يرمون أبناءهم في الهواء، لا يبالون بهم، ويتركون الأيام تعلمهم ما تشاء، وينشغلون هم بأمور لا طائل منها، كجمع المال، أو أي شيء آخر، فيكبر الابن على تجربة كل شيء وأي شيء، كما عهد في صغره، وقد يستسهل طريق الشهوات، لما فيها من زينة ويسر، بغض النظر عن المهالك التي تحدق به، والأمل في النجاة منها ضئيل جدًا.

ولا يجب أن يستهين الآباء بقدرة أبنائهم فيما بعد، فالأب أو الأم عاجلًا أو آجلًا سيتوارون تحت الثرى، ويبقى الأبناء يحملون بذرتهم في الحياة، يزرعونها في المجتمع، وفي أوطانهم؛ وهنا تكمن الخطورة، فالأبناء قد يكونون سبيل ارتقاء الأوطان، أو سبب انحدارها في غياهب الانحطاط والسقوط، والعوالم السفلية.

لذلك يجب أن يحرص الآباء والمجتمع على تنمية الضمير الحي في الأبناء في المقام الأول، حتى يميزوا بجلاء بين الخير والشر، ويتحلون بالشجاعة لاختيار طريق الخير، غير آبهين بالأعداء أو الصعوبات التي يواجهوها لقتل الشر في نفوسهم؛ فيرتقي بهم المجتمع، ويكون لهم شأن عظيم بين الأوطان.

طرق إحياء الضمير لدى الأبناء

بعد أن أوجزت معنى الضمير، وأهمية إحيائه في نفوس الأبناء، وأثره في إحياء المجتمعات ووصولها إلى بر الأمان، والتنبيه على ضرورة إحياء الضمير لدى الأبناء، فإني أحاول أن أنص طرق محددة يتتبعها الآباء لإحياء الضمير لدى الأبناء.

قلت: أن الضمير هو شعلة، نحييها في نفوس الأطفال، بها يميزون بين الخير والشر، ويختاروا ما فيه مصلحتهم والمصلحة العامة.

وإن الخطوة الأولى لإشعال هذه الشعلة في نفوس الأبناء، أن نضعهم في وقت معين داخل مسئولية يجب أن يتولوها ويثبتوا فيها جدارتهم، مع مراقبتهم عن كثب، دون إشعارهم بأي تقييد على حريتهم، أو خوف منهم.

ولأن دروب الخير والشر واسعة، قد يسلك الإنسان الخير في طريق ويهمل طريقًا؛ فإني أحاول أن أوضح دروب الخير والشر التي يجب إحياء الضمير في سبيلها.

إن أول مسئولية يجب أن يتبناها الآباء وغرسها في أرواح الأبناء، هي معرفة الدين، فالدين هو اللبنة الأساسية التي يقوم عليها قلب الابن، ويدفعه إلى الطرق القويمة، ويحذره من الطرق الملتوية التي تؤدي به إلى الهلاك.

فيجب على الآباء أن يناقشوا أبناءهم في أمور الدين، ويطعمونهم الدين باللين واليسر، ليس بالغصب، والأهانة والاندفاع، حتى يعرف الإنسان دينه حق المعرفة، ويميز بنفسه الجمال الذي ينطوي عليه، ويسلك وهو على اقتناع تام به، وميول لإحيائه في نفسه دون انقطاع فلا تنطفئ شعلة الدين في داخله طول حياته.

وبعد الدين، يجب أن يضع الآباء أبناءهم في مسئولية أخرى تالية، هي مسئولية الأخلاق، فما أحوج شبابنا اليوم إلى الأخلاق، والأخلاق تعني الشعور بالإنسانية تجاه كل شيء في الوجود، أن يحترم الابن الكبير، ويعطف على الصغير، ويرضي والديه ويبرهم، ويختار الصحبة الصالحة، ويعمل خيرًا في كل خطوة من خطوات حياته، ولا يلجأ إلى المكائد الشريرة حتى ينجز شيئًا يرنو إليه.

إن الأخلاق تعني الأمانة، والمعاملة الحسنة، والنظافة، والعطف على الفقير، وكل ما يتعلق بأمور الغير.

تلك الشعلة ضرورية في المجتمع يجب أن يشعلها الآباء في نفوس أبنائهم، حتى يسود الود في المجتمع، ولا يتنافر أفراده، وتقل حدة النزاعات في المجتمع ويرتقي ويكون ذا شأن عظيم.

وأخيرًا، تقع على الآباء مسئولية يزرعونها في نفوس أبنائهم، وهي الإخلاص لوطنهم؛ فلا يكونون سببًا في تدميره، أو هدمه أو سقوطه، وأن يعوا العدل والحرية جيدًا، لا يتبنون نصف العدل ويتركون نصفه، ولا يتبنون الحرية وهم مكبلين بشهواتهم. تلك المسئولية هي التي تدفع الأبناء للإخلاص في التعلم بغرض رفعة نفوسهم وأوطانهم، أن يكونوا نابغين في أمر ما يحبونه، هو مسئولية على الآباء، ومسئولية المجتمع أيضًا، إذا راعوا جيدًا حرية الأبناء فيما يحبون.

تلك الشعلة إذا أضاءت في نفوس الأبناء، اختصر المجتمع الطريق على نفسه، وأصبح ذا مكانة عالية بين المجتمعات، لأنه يحترم رغبات أفراده، ويقومها، ويدعمون المواطن فيها ماديًا واجتماعيًا ومعنويًا، ولا يثبطون عزيمته؛ فتكون تلك الرغبات الجليلة في يوم ما سبب في رقي المجتمع وتحضره، ولا يستطيع عدو أن ينخر حصنه المنيع.

هكذا حاولت أن أفرد القول في معنى الضمير وأهميته، وأثره في بناء الأبناء والأسر والمجتمعات، ووضعت الخطوات الأولى أمام الآباء والمجتمع حتى يهيئوا أبناءهم لها؛ ومختصر ما قلته: أن الضمير شعلة عالية، تحرق عند الخطأ، تحرق القلب شعورًا بالذنب، والتأنيب، وتضيء عند الصحيح، تضيء الطريق، وتيسر العقبات، بل وتمحوها.

تحروا الضمير دائمًا في أبنائكم، فهو قانون من الأخلاقيات التي يجب أن تعوها جيدًا، وأن تنشئوا أبناءكم في سبيلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: