صوم رمضان وتقويم النفوس

صورة , الصوم , شهر رمضان , رمضان كريم

خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض وهو وحده عز وجل العالم بأسرار نفسه ونقاط قوتها ونقاط ضعفها، وهو وحده العالم بما يمكن أن يصلحها وما يمكن أن يفسدها، لذا أنزل علينا دستورًا فيه ما يجب فعله وما يجب تركه وفي اتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه يكمن سر النجاة من المهالك، مهالك الدنيا والأخرة.

لأجل ذلك وأكثر ينبغي أن نفهم أن الله ما أمرنا بأمر ولا نهانا عن أمر من باب التعسف أو المشقة أو العنت للإنسان –حاشا لله عز وجل- ولكن لأن كل أمر وكل نهي يهدف إلى جانب من جوانب النفس ودواخلها التي لا يطلع عليه إلا الله فيعالج اعوجاجه ويصلح فساده ويطهر رجسه، لنحيا هذه الحياة وقد هذبت النفوس وارتقت الأرواح والقلوب.

وهكذا فريضة الصوم التي فرضها الله على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إنما شرعها لتقويم النفوس وتعليمها وتزكيتها، وهنا سنتناول كيف يقوم الصوم النفس الإنسانية ويزكيها؟ داعين الله أن يجعل ما نكتبه في ميزان حسناتنا وينفعنا به.

الصوم تجرد المسلم من رغباته والخضوع الطلق لأوامر ربه

يعتبر الصوم من أشق العبادات حيث ينطوي على حرمان المسلم لنفسه من أعظم شهوتين، أحدهما شهوة لا تقوم الحياة إلا بها ولا تستقيم إلا بإرضائها وهي شهوة البطن، والاحتياج الفطري إلى الطعام والشراب، ومن ثم فإن ترويض النفس وإرغامها على ترك ما تحب من الطعام والشراب المباح في أصله، هو قمة الغلبة والسيطرة ودليل قيادة النفس وكبح جماحها، فمن يمتنع عن المباح مرضاةً لله وخوفًا من غضبه، فهو من باب أولى أقدر على الامتناع عن المحرمات وترك المشتبهات بغية رضا الله عز وجل.

الصيام من العبادات التي تنمي في الانسان المسلم قيم المراقبة والإخلاص، فهو من الأعمال التي لا تشوبها شائبة الرياء، فالإنسان وسر صيامه لا يعلمه إلا الله، كما أن أجر الصيام خاصة وفضلًا عن بقية العبادات لم يبين الله لنا حدوده وفضله ومن ثم فذلك مظنة العظمة والكثرة حيث يقول الله عز جل: (كل عمل ابن دم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، ففي هذا الأجر يتنافس المتنافسون، وإلى هذا الفضل العظيم يتطلع المتطلعون، ويطمح الطامحون، فكلما كان الصيام خالصًا مخلصًا من آفات السلوك من قول أو فعل كان مقبولًا وأجزل عطاءًا وأجراً.

كذلك فإن الصيام سموٌ بالروح وارتقاء بها فوق مطالب الجسد ورغباته بل واحتياجاته أيضًا، وهذا السمو والارتقاء يخلف في النفس قوة كبيرة وطاقة غير محدودة، فالإنسان في عادته لا يطيق البقاء طوال النهار دون طعامٍ أو شرابٍ، ولو اضطر إلى ذلك تراه ضعيفًا واهنًا لا تقوى رجليه على حمله، وترى الخمول والعجز يتسرب إليه ولا يقوى على فعل شيء، في حين أن نفس هذا الشخص يستطيع الامتناع طواعيةً عن الطعام الشراب وغيرهما طوال النهار لفترات قد تتجاوز الاثني عشر ساعة، ومع ذلك يخرج لعمله ويؤدي صلواته ويتلو ما تيسر له من القرآن الكريم دون فتور أو وهن، وهذا يعلمنا درسًا رائعًا أننا نستمد طاقاتنا من قناعاتنا وإيماننا وعزائمنا أكثر مما نستمدها من الطعام والشراب.

يلقننا الصيام درسًا أخر من أهم الدروس التي نحتاجها في حياتنا، والتي تستقيم بها أمورنا وتكون سببًا في تحقيق أهدافنا من الرضا والسعادة والقناعة، وهو أن نستشعر قيمة النعم التي في أيدينا قبل أن نحرم منها، فالصائم يحرم حرمانًا مؤقتًا من رفاهية الأكل والشرب وقتما يريد، فتعظم في نظره نعمة الطعام ويرى في شربة الماء حلاوة ولذة تجعلها تنافس أشهى وألذ المشروبات في الدنيا بأسرها،، فالإنسان الفطن هو من يستوعب الدرس جيدًا ويعيه بقلبه وعقله، فلا يغتر بإتاحة النعم وينسى فضلها ويفوته شكر الرازق عز وجل.

فكم من النعم تكون في أيدينا قريبة ميسرة تعرض عينا على طبق من فضة، فنزهد فيها كما نزهد في طعامنا وشرابنا الذي يعرض علينا كل يوم، فإذا غابت أو اختفت وتعذر نيلها نرى فيها الدنيا ونعيمها، بالضبط كما يرى الصائم أن لذة الدنيا كلها مجتمعة في شربة ماء تروي ظمـأه أو لقمة من الخبز تسد جوعه،، احمدوا الله على النعم وتذكروا احتياجكم لها حال الحرمان منها لتتعلمو معنى شكر النعمة وكيفيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: