دروس وعبر من شهر رمضان المبارك

شهر رمضان دروس وعبر

لشهر رمضان العديد من الدروس والعبر، التي يأتنس بها المسلم في الحكاية عن مآثر شهر رمضان، تلك الدروس التي عودنا عليها رمضان، والتي وعدنا بها الله، والتي تبهجنا كل نهار نصحو فيه على يوم من أيام رمضان، دروسٌ يجب ألا نغفل عنها، ونستعد لتعلمها، ونضعها في حسباننا ومخططاتنا لاستقبال الشهر الكريم. ودروس أُخر عن التحول العميق في الحياة الاجتماعية، من أقسى الشرور إلى معالم الرحمة التي يأتي بها هذا الشهر.

دروسٌ مليئة بالعبر والعظات، مليئة بالخيرات والغنائم، تحملنا من مرتبة الجهل بفضائل شهر رمضان المبارك، إلى ما يملأنا بخيرات هذا الشهر، من العتق من النار، وتسلسل الشياطين، وغيرها من الفضائل التي يجب أن ندرسها الدراسة الحقة، ونستعد لها، ونتأمل فيها، ونرجو بعد أن نتشربها أن تجلو الذنوب عن صفحاتنا، وأن تجعلنا في الجنة مع الصائمين.

شهر رمضان يزرع البسمة على الثغر، تلك البسمة التي يوشمها الفقير لعطف الغني عليه، وبسمة الأقارب، وضحكهم الطويل لتجمعهم ولمُّ شملهم على مائدة عامرة من خيرات رمضان، وبسمة الأطفال وزينة الشهر ترفرف فوق رؤوسهم وهم يلهون ويتغنون بفوانيسهم، ويملأون بها الشوارعَ مرحًا. وزهوة الأسواق بمنتجات رمضان، والعادات الخيرة التي تقلدتها مصر في هذا الشهر الكريم.

كلها دروسٌ وعبرٌ نتأملها ونهيم بها، ونرجو ألا تنتهي أبدًا، حتى لا يتفرق الجمع، ولا تنجلي البسمة عن الثغور، ولا يحدث التنازع بين الناس على أتفه الأمور، ويلتهي الناس في خيرات رمضان، وما يجيء به من البركة، الرزق، والرحمة، وما في صرته من الغنائم التي أتى بها من عند الله “سبحانه وتعالى”.

الحياة مليئة بالدروس والعبر، فما بالك بحياة في شهر واحد، تكون قبسًا من الجنة، أُقتبس فيها الخير، والسعادة، والبركة. فهلموا نختصر تلك الدروس الخيرة في عبارات موجزة تدل على خيرات شهر رمضان وبركاته المأخوذة من الجنة.

دروس من المجتمع

إن المجتمع في شهر رمضان يمتلئ بمظاهر يمكن أن نتخذها دروسًا نتأملها، ونسعد بها. نرى فيها التقاليد التي تقلدها الناس، وطوقوها في أعناقهم في هذا الشهر، تلك التقاليد لا تنتهي، بل تتعاقب بتعاقب الأجيال، ويتوافد لها الناس فرحين ومشاركين، لا ينازع الرحمة في قلوبهم شيء، ولا يطمس السعادة من نفوسهم شيطان أو نفس سيئة إلا لمامًا.

أول درس نتأمله، ونتخذ منه العبرة على المستوى الروحاني، والمستوى الإجتماعي؛ موائد الرحمن، الموائد الطوال التي ما إن يشارف شهر رمضان على الحلول حتى يتشارك فيها الناس، أو يقيمها أحد الأغنياء، ليجتمع حولها الفقراء ويفطرون من خير ما أنزل الله على العباد.

تلك الموائد هي رزق من الله، ألهم بها العبد الغني، وواسى بها الفقير، هي خير دليل على الرحمة التي تتنزل على قلوب العباد في الشهر الكريم، استحضارًا لعظمة الله وما أمر به من إطعام المساكين، وإرواء عطش الصائمين، فنرى في ساعة الإفطار دليل على التماسك بين سائر طبقات المجتمع، الغني يعطف على الفقير، والفقير يمحي البغض من قلبه تجاه الغني، ويتوازن المجتمع، ونضرب الأمثال لسائر الأمم على قوة الإسلام في التآلف، حتى ولو لساعة، وتصير الموائد التي تنصب في الشوارع مثالًا حيًا على تقليد لا يستغنى عنه المجتمع في هذا الشهر الكريم.. ولكن “بالتأكيد” حين يعزم الغني على كفاية الفقير، سواء بدعوته إلى مائدة الرحمن، أو بالصدقات التي لا تنقطع في رمضان، لا يفكر في نظرة الشعوب الأخرى له، ولا يُعني باحترام الأمم الأخرى له، بل كل ما يشغل باله في ذلك الوقت، هو ابتغاء مرضاة الله، لا سيما في هذا الشهر الفضيل، وكسب مودة هؤلاء الفقراء، ورسم البسمة على ثغورهم.

ومن مظهر آخر من مظاهر الاحتفاء بالشهر الكريم، نقتبس درسًا جميلًا عن عظمة شهر رمضان في النفوس داخل المجتمعات، لاسيما المجتمع المصري، وهو انتشار المنتجات الرمضانية إذا شارف رمضان على الحلول، تتفجر الأسواق بها، من ياميش، وخشاف، وكنافة وقطائف، كلها مأكولات لا تظهر إلا في رمضان، وتلك المأكولات عامل أساسي، وتقليد لا ينتهي، لا غنى عنه في بث بهجة رمضان في القلوب، تلك العادات البسيطة في المأكولات الرمضانية التي تنتشر في الأسواق، تجعلنا نحس بهيبة قدوم رمضان، كأنها إنذار يبلغ بقدوم الشهر الجميل، الذي نصبر فيه طيلة اليوم في صيام، وجهاد نفسي، ونتأكد أننا سنفطر على أشهى المأكولات التي لا نشتهيها إلا في رمضان، والتي لا نشعر بطعمها إلا في رمضان.

ولا أغفل المظاهر الإجتماعية الأخرى التي تعطينا دروسًا عن بهجة قدوم شهر رمضان في النفوس، والتي تومض ملمحًا عن خيرات الشهر الكريم، تلك الخيرات قبسٌ من الجنة، بدايةً من تعليق الزينة ذات الألوان المبهجة في الشوارع، وتعليق الأنوار والفوانيس كدليل المارين لصلاة الفجر في الشوارع، إذ ذلك كان أصل استعمال الفوانيس سابقًا، وحتى التفاف العائلات والأقارب حول موائد الطعام على الأفطار، يتشاركون بهجة رمضان، ويصلون الأرحام التي قطعتها الأيام السابقة، ويكون رمضان رمزًا للتآلف بين القلوب في المجتمع، سواء بين الغني والفقير أو بين الأقارب، إلى جانب القيمة الدينية التي يرتفع بها شأن الناس جزاءً لتآلفهم وتعاطفهم، وصلة ارحامهم.

درسٌ في الاستعداد لقدوم شهر رمضان

في الاستعداد لقدوم شهر رمضان درسٌ لابد أن ننظر فيه، ونعي مجمله في هذه السطور المعدودة، ونفصله في شهر أو شهر إلا قليل قبل قدوم شهر رمضان.

والمعنى أنه بحلول شهر رمضان، يُطالب المسلم أن يصوم إيمانًا واحتسابًا، إن أراد الجنة التي وعد بها الله، ولن يكون الصيام كاملًا إذا أتى شهر رمضان وتفاجأ به المسلم، وصامه صومًا متذبذبًا، فلا غرو أنه سيذل أو يخطئ أو يفقد عزيمته القوية التي بدأ بها في شهر رمضان وتنمحي أثرها بوجوب منتصف رمضان، أو حتى آخره الذي هو فيه البركة كلها، لذا فمن المستحب أن يستعد المسلم لقدوم شهر رمضان من شهر شعبان.

وفي ذلك سنة نقتدي بسيدنا النبي “صلى الله عليه وسلم” فيها، فالرسول “صلى الله عليه وسلم” كان إذا أقبل رمضان يجتهد في العبادة والطاعة، رغم أنه المعصوم، وكان يوقظ أهله حتى يؤدون الطاعات، ويتقربون إلى الله، استعدادًا بقدوم الشهر الكريم.

فالمسلم إذا قارب شهر رمضان على القدوم، عليه أن يجتهد في العبادة ويتبتل، ويستعد لصيام الشهر المبارك، بالتعود على قراءة القرآن، والحفاظ على الصلاة في مواقيتها، ومجاراة الذكر على اللسان، وفي القلب، حتى إذا دخل شهر رمضان يكون على أتم استعداد.

درسٌ في استقبال شهر رمضان

إذا أقبل شهر رمضان، فإن المسلم يستقبله بنية خالصة للاجتهاد والتبتل في سبيل الغنائم والخيرات التي وعدنا الله بها، والجنة التي يدخلها الصائمون.

فيحرص من اليوم الأول على الصلاة في مواقيتها، وفي جماعة، ويحافظ على الورد اليومي من القرآن، جزء واحد في كل يوم على الأقل مقسمة على مواقيت الخمس صلوات، وألا ينقطع الذكر عن لسانه، سواء المحدد بوقت ومكان معين كأذكار الصباح والمساء أو الأذكار الواجبة بعد الصلاة المفروضة، أو الذكر المطلق الغير محدد بوقت معين كالإستغفار، التحميد والتسبيح وغيرها من الأذكار، ولا ينقطع عن صلاة القيام، ويكثف اجتهاده في العشر الأواخر من رمضان ففيها الخير كله.

أضف تعليق