خطبة: وجوب الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ – مناسبة لذكرى المولد النبوي الشريف

ولا يزال الكلام موصولا عن الحبيب المصطفى في ذكرى مولده الشريف؛ وهنا نقدم لكم خطبة جمعة مكتوبة، بعنوان: وجوب الأدب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. نسوقها إليكم إكمالا لما بدأناه من سلسلة الخطب المنبرية المتميزة بمناسبة المولد النبوي الشريف.

خطبة الجمعة مكتوبة, وجوب الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، القائِل في مُحكم التنزيل ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ | صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُُ﴾.

وأصلي وأُسلم على حبيبه ومصطفاه، سيدنا محمد؛ النبي الأُمي، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وسلم.

الخطبة الأولى

إن للنبي ﷺ مكانة عند ربه ﷻ، الذي خلقه فأدبه فأحسن تأديبه، وقد نادى الله ﷻ نبيه ﷺ بصفتي النبوة والرسالة ولم يقل له في القرآن الكريم (يا محمد) باسمه كغيره من الرسل الذين خاطبهم بأسمائهم وإنما خاطبه بـ(يا أيها النبي) (يا أيها الرسول) وهذه الآيات الكريمة رسائل عظيمة لنتعلم الأدب مع رسول الله ﷺ.

ومن مظاهر توقير ومحبة النبي ﷺ وكمال الأدب معه، أن الله ﷻ نهى المؤمنين أن يخاطبوه باسمه مجرداً، لأن ذلك تشبه بفعل المنافقين، بل أمرهم بإظهار قدره وعظيم شأنه حتى في ذكر اسمه الشريف، يقول الله ﷻ: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

والله ﷻ لم يخاطب نبيه ﷺ إلا موصوفاً بصفة النبوة أو الرسالة، فخاطبه الله ﷻ بقوله: (يا أيها النبي)، وخاطبه بقوله: (يا أيها الرسول)، فالواجب على المسلم أن يخاطب النبي ﷺ بلفظ النبوة أو الرسالة، وكمال الأدب والتعظيم أن يخاطبه بإضافة لفظ السيادة إلى اسمه الشريف، بأن يقول: “سيدنا محمد ﷺ”، لقول النبي ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» صحيح مسلم، فهو ﷺ سيد الأولين والآخرين وسيد الأنبياء والمرسلين، ومن الواجب أن نتصف بكمال الأدب مع سيدنا محمد ﷺ، سيد الخلق أجمعين وإمام الأنبياء والمرسلين أجمعين، فقد رفع الله ﷻ شأنه: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾.

وقد عظّم الله قدر نبيه ﷺ في كتابه الحكيم بأن جعله يهدي إلى صراط الله المستقيم، يقول ﷻ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ | صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُُ﴾.

ولذلك نهى الله ﷻ الذين آمنوا أن يقدموا قولاً بين يدي الله ورسوله ﷺ، ومن تكريم الله ﷻ لرسوله ﷺ أنه عطف رسوله ﷺ على اسمه ﷻ في قوله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة الحجرات :1، كما نهاهم عن رفع أصواتهم: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾.

وأن لا يجهروا له كحالهم مع بعضهم: ﴿ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

وورد أنَّ النَّبيَّ ﷺ: « افْتَقَدَ ثَابِتَ بنَ قَيْسٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لكَ عِلْمَهُ، فأتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا في بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: شَرٌّ؛ كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ ﷺ، فقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وهو مِن أَهْلِ النَّارِ، فأتَى الرَّجُلُ فأخْبَرَهُ أنَّهُ قالَ كَذَا وكَذَا. [وفي رِوايةٍ]: فَرَجَعَ المَرَّةَ الآخِرَةَ ببِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقالَ: اذْهَبْ إلَيْهِ، فَقُلْ له: إنَّكَ لَسْتَ مِن أَهْلِ النَّارِ، ولَكِنْ مِن أَهْلِ الجَنَّة» رواه البخاري.

إن مخاطبة الذين آمنوا بهذا الوصف تجعلهم ينتهون عما نهاهم الله ﷻ عنه فوراً، فمن مقتضى الإيمان طاعة الرحمن فيما أمر، والإقلاع عما نهى عنه وزجر، قال الله ﷻ: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

وإن من الأدب محبة النبي ﷺ فالمُحب يجعل النبي ﷺ أسوة له في حياته، يقول الله ﷻ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

فالاتباع أدب مع النبي ﷺ، وهو أثر من آثار المحبة للنبي ﷺ التي تفيض من قلوب المحبين لتشرق على ألسنتهم لهجاً بذكره وتعظيمه، وعلى جوارحهم طاعة وانقياداً لأمره ونهيه، يقول الله ﷻ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

ويقول النبي ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» متفق عليه. إنهم الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ بقوله: ﴿ِإنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

فمن التقوى أن يتأدب الذين آمنوا مع رسول الله ﷺ وهو مما يجب أن يكون عند سماع حديثه ﷺ وعند قراءة سيرته العطرة أو قراءة مولده الذي هو عرض موجز لسيرة النبي ﷺ.

أَلا وإن من الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ أن يصلى عليه كلما ذكر وأن لا تختصر صيغة الصلاة عليه بصيغة من صيغ الاختصار سواء أكان ذلك نطقاً أم كتابةً.

وهنا كذلك؛ نقرأ خطبة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

عباد الله: إن من أجمل مظاهر محبة النبي ﷺ والادب معه، أن يحب المؤمن آل بيت نبيه ﷺ وقرابته ويوقرهم، فالنبي ﷺ لم يطلب من الناس أجراً وانما طلب منهم المودة في القربى، قال الله ﷻ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.

وعلى المسلم أن يحرص على إظهار مكانة آل البيت وشمائلهم الحميدة، ونحن في هذا البلد الطيب قد حبانا الله بقيادة هاشمية يتصل نسبها بالنبي ﷺ، يقول النبي ﷺ: «وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به ” فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» صحيح مسلم، مما يدعونا للتأدب مع آل بيته ﷺ.

هذا، ومع انتشار التقنيات الحديثة ومنصات التواصل في هذا العصر يجب على المسلمين خاصة وعلى الناس عامة أن يتأدبوا مع رسول الله ﷺ عند سماع حديثه الشريف وسيرته العطرة لأنه ﷺ رحمة للعالمين وعدم الأدب معه ينقص من هذه الرحمة للذين أساءوا الأدب مع رسول الله ﷺ، والعياذ بالله ﷻ.

ومن الأدب مع الله ﷻ ومع رسوله ﷺ أن نكثر من دعاء سيدنا يونس عليه السلام (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، فقد جاء هذا الدعاء في القرآن الكريم نصاً لا يحتمل التأويل، فعلينا جميعاً أن نرطب ألسنتنا بهذا الدعاء العظيم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا المصطفى؛ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

إخواني الخطباء، وبعد أن قرأتم أعلاه ما وفَّرناه اليوم لكم، وهي خطبة: وجوب الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ – مناسبة لذكرى المولد النبوي الشريف. نوصيكم كذلك بالاطلاع على خطبة قصيرة مكتوبة بمناسبة مولد النبي محمد ﷺ بعنوان «عزيز عليه ما عنتم»… سائلين الله العزيز الكريم ﷻ لنا ولكم التوفيق والسداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: