خطبة: قوة الإرادة وثبات العزيمة من مقومات النجاح — دروس من معركة مؤتة

شارك عبر:

قوة الإرادة ، ثبات العزيمة ، مقومات النجاح ، معركة مؤتة

مع خطبة الجمعة القوية والمتميزة هذه؛ والتي تأتيكم تحت عنوان: قوة الإرادة وثبات العزيمة من مقومات النجاح — دروس من معركة مؤتة. وفيها سنتعرَّف عن كثب على الأحداث البطوليَّة والقصص المؤثرة في تلك المعركة التي خلَّد ذكراها التاريخ الإسلامي الكبير؛ لتتعرَّف الأجيال على ما كان من قوَّة في الإرادة وثبات في العزيمة، ما أدَّى إلى استلهام مقومات النجاح والفوز الكبير.

مقدمة الخطبة

الحمدلله البَرّ الكريم الذي جعل بيته مثابة للناس وأمنا، وأودع فيه من ذخائر البر حسنى ومعنى. سبحانك ربي ما أكرمك.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صل اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عنهم وعنا.

الخطبة الأولى

يستذكر المؤمنون في شهر جمادى الأولى من كل عام ذكرى تربطهم بعزّة الإسلام ومكانته، وتحيي فيهم الهمّة، وقوة العزيمة وهي ذكرى معركة مؤتة الخالدة التي جرت أحداثها على أرض الأردن الطاهر، فهي من أيام الله ﷻ التي ينبغي أن نستلهم منها الدورس والعظات والعِبر وقد قال الله ﷻ: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).

لقد كانت معركة مؤتة انتصاراً لعزّة المُسلم وكرامته، تسلح فيها المؤمنون بقوة الإرادة، وثبات العزيمة، التي زرعها النبي ﷺ في قلوب الصحابة رضي الله ﷻ عنهم، وشحذ همّتهم بالعزيمة وعلّمهم كيف تُصنع الأمجاد، وتُحفظ الأوطان، فتجلّت في صفاتهم أخلاق النبوة، ونمت هذه البذرة فأصبحت شجرة وارفة الظلال.

إن معركة مؤتة تعلمنا أن هذا الدين العظيم الذي دعا إليه النبي ﷺ قد صنع أمّة خالدةً تحمل رسالة المحبة والمودة والقوة والسلام إلى العالم أجمع.

لقد تحمل النبي ﷺ المشاق بصبر عظيم ليكون الأسوة الحسنة لنا في حياتنا، كما أراده الله ﷻ حين خاطبه فقال: (فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)، لقد زرع النبي ﷺ بذرة الإيمان في قلوب الصحابة رضي الله ﷻ عنهم، وشحذ همّتهم بالعزيمة وعلّمهم كيف تُصنع الأمجاد، وتُحفظ الأوطان، فتجلّت في صفاتهم أخلاق النبوة، ونمت هذه البذرة حتى أصبحت شجرة باسقة وارفة الظلال.

وقد تجلّت قوة العزيمة والإرادة في موقف عبد الله بن رواحة رضي الله ﷻ عنه حين أشرف جيش المسلمين على الخروج لملاقاة العدو فدعا لهم أهل المدينة بالعودة سالمين غانمين، ولكن عبد الله بن رواحة كان له طموح عظيم، وهدف نبيل خاطب به نفسه قائلاً:

لَكِنَّني أَسأَلُ الرَحمَنَ مَغفِرَةً
وَضَربَةً ذاتَ فَرغٍ تَقذِفُ الزَبَدا

أَو طَعنَةً بِيَدَي حَرّانَ مُجهِزَةً
بِحَربَةٍ تُنفِذُ الأَحشاءَ وَالكَبِدا

حَتّى يُقالَ إِذا مَرّوا عَلى جَدَثي
أَرشَدَهُ اللَهُ مِن غازٍ وَقَد رَشَدا

فمن دروس معركة مؤتة أن نعلم بأن الاستعانة والثقة بالله ﷻ هي أساس كل نجاح وطريق الوصول إلى كل غاية، فمن الله ﷻ يكون التوفيق والسداد، ومنه سبحانه تُستمد القوة والعزيمة فالتوكل على الله هي أقوى سلاح يحارب به المؤمن، وقوة إرادته وثبات عزيمته تصنع له المعجزات، وتحقق له المستحيلات، وقد كان من دعاء النبي ﷺ في صلاته أن يقول: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ” — مسند الإمام أحمد.

وكما أقبل المؤمنون في هذه المعركة مقبلين غير مدبرين، لا يقيمون لكل هذه الحشود الهائلة وزنًا؛ مسترشدين بقوله ﷻ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، فكذلك الإسلام يدعونا جميعاً بأن تصبح عزائمنا قوية تضاهي الجبال شموخاً ورسواً، وتزاحم الثرُيا زينةً وسمواً، وتناطح الجوزاء ارتفاعاً وعلواً، إن ديننا يأمر بأن تكون الإرادة متينة لا تتزعزع، في المجالات والاختصاصات كافة، لتعود الأمة إلى أمجادها التليدة، وتاريخها المجيد.

وتستمر دروس العزيمة وقوة الإرادة في مدرسة مؤتة العظيمة، حين يتراءى الجيشان، جيش المسلمين الذي يواجه أعتى قوة في ذلك الزمان، مع ما ينقصهم من عدد في الرجال وقلّة في العتاد، حيث عددهم في تلك المعركة لا يتجاوز الثلاثة آلاف مقاتل، وهو عدد متواضع لا يكادُ يُذكر أمام قوة الروم الهائلة التي بلغت ما يقارب من مئتي ألف مقاتل، لكنّ ذلك الموقف لم يفتّ من عزيمتهم وقوة إرادتهم، ولسان حالهم يردد قول الله ﷻ: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، فقام فيهم عبد الله بن رواحة خطيباً ليعيد شحذ الهمم وتوجيه البوصلة إلى اتجاهها الصحيح فيخاطبهم قائلاً بعد أن تشاوروا في أمرهم: ” وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة”.

لقد كان هدف المسلمين في تلك المعركة، هي إظهار شوكة الإسلام، وأنه دين عزيز لا يقبل بالغدر أو الخيانة، فكانت مؤتة انتصاراً لمقتل الحارث بن عمير الأزدي —رضي الله عنه— رسول رسول الله ﷺ إلى هرقل، حيث قتله عامل هرقل على بصرى شرحبيل بن عمرو الغساني، مما دعا النبي ﷺ إلى أن يجهز جيش مؤتة الأغر، لأن قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، بل هو يزيد على إعلان العداء والحرب، فكان لا بد من إجراء يعيد الحق لأصحابه ويُشعر بهيبة المسلمين، وإرجاع القانون الدولي المبني على الأخلاق إلى نصابه، فالرسل والسفراء لا تُقتل، فكانت معركة مؤتة هي الفرصة لفرض هيبة الإسلام على الأعداء، فلم يتردد الصحابة رضي الله عنهم في استثمارها، وكذلك فإنه ينبغي أن يتعلم المسلم الإقدام والإقبال على كل خير وفلاح له في الدنيا والآخرة بعد التوكل على الله بِجدٍ وحزم، وأن يترك التسويف والتردد الذي يحطم الآمال، ويدفن الأحلام، وهو مقبرة الفُرص، وأكبرُ عقبةٍ في طريق النّجاح.

عباد الله: لقد تهيأ جيش المسلمين في معركة مؤتة لمهمته وقادته يستشعرون الشهادة، وقد سمعوا من الرسول الكريم ﷺ قوله: «عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرُ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ» — مسند الإمام أحمد.

واندفع الجيش إلى مؤتة، يبحث عن الشهادة وتحقيق المهمة الموكلة إليه، فكانوا شعلة متقدة من الإرادة والعزيمة، وكان قتالاً ضارياً مع الروم لمدة سبعة أيام، عرف الروم خلالها أن المسلمين حملة عقيدة ورسالة، وأنهم يحبون الشهادة في سبيل الله كما يحب جند الروم الحياة، وفي جوف المعركة الطاحنة يرتجز جعفر بن أبي طالب —رضي الله عنه— قائلاً:

يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَـــــا
طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَـــــــــــــا

وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضَرَابُهَا

التقى الجمعان، وقاتل زيد بن حارثة —رضي الله عنه— حتى شاط في رماح القوم، وتلقف الراية جعفر بن أبي طالب —رضي الله عنه— فأقبل على الروم غير مدبر، ثم قاتل حتى استشهد، نعم استشهد سيدنا جعفر —رحمه الله— بعد أن أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذ الراية بشماله فقطعت، وحمل الراية واحتضنها بعضديه حتى استشهد —رضي الله عنه— وهو ابن ثلاثة وثلاثين، ويُرَى فيه بعد استشهاده بضع وتسعون طعنة في صدره مقبلاً غير مدبر، ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة —رضي الله عنه— فتقدم بها على فرسه، فلما أحس دقة الموقف وشدة الضغط عراه بعض التردد، حتى انتصرت قوة إرادته وعزيمته فأقبل مقاتلاً صابراً محتسباً حتى استشهد وهو يقول:

يا نفس إلا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقـد أعطيت
إن تفعلي فعلهما هديــت

روى البخاري عَنْ أَنَسٍ —رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ— “أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ —وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ—، حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» — صحيح البخاري.

إنهم الشهداء الذين نعاهم الرسول الكريم على منبره، وقال فيهم الحق ﷻ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾.

وظل النبي الكريم يراقب هذا المشهد البطولي، حيث استل سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه الراية، فاشتد القتال للانسحاب المدبر، فقال عليه الصلاة والسلام: «الآن حمي الوطيس»، إنه الثبات في أشد حالات الحرب والذي يُعَدُّ أرقى مراتب النصر والغلبة، فقد جمع سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه الجيش مرة أخرى، ورسم خطة للتضليل والانسحاب المنظم الذي لا يغري الروم بالمتابعة والقتال، وبدأ يهاجم الروم بكل شدة وشجاعة، حيث أنزل بهم خسائر عظيمة، وأصابتهم الجراح وأثخنتهم المصائب، فكان قتالاً ضارياً، واستطاع سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يعود بجيش المسلمين إلى المدينة المنورة، واستقبلهم الرسول ﷺ وهو يقول:« بَلْ، هُمْ الْكُرّارُ إن شاء الله» — سيرة ابن هشام.

لقد سمّى النبي ﷺ جيش مؤتة وهو يعود الى المدينة بالكرار، ذلك أن معركة مؤتة كانت صورة رائعة من صور المحافظة على الاوطان وأمنها واستقرارها، رغم ما فيها من تضحيات جسام حين فقد النبي ﷺ حِبَّه زيد بن حارثة وابن عمه جعفر بن أبي طالب وخير اصحابه عبد الله بن رواحة، ونعاهم النبي ﷺ وهو في قمة الالم عليهم، إلا أن الاهداف الاستراتيجية البعيدة كانت نصراً مؤزراً ورفعة وعزة لدولة الرسول ﷺ والمحافظة عليها، مما يدلنا على أن المحافظة على الاوطان واستقرارها وأمنها يحتاج تضحيات جسام وصبر على مشاق الحياة.

وهذه خطبة جمعة قصيرة مكتوبة مؤثرة جدا.. بعنوان: الابتلاء بالأعداء

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

عباد الله: لقد حققت معركة مؤتة أهدافها حين انتصر المؤمنون في معركة الثبات على المبادئ، وأثبتوا جدارتهم في معركة الإرادة والعزيمة، وكان ذلك طريقاُ وبشارةً بفتح بلاد الشام، فحققت المعركة أهدافها، وعلمت الروم عزة المسلمين وقوتهم، ليعود المسلمون بجيوش يقودها سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه، بثبات وعزيمة وقوة إرادة إلى نصر مؤزرٍ، وفتح عظيم في معركة اليرموك.

لقد ضحى الصحابة —رضي الله عنهم— في سبيل الله ﷻ بأرواحهم ودمائهم ليوصلوا رسالة الإسلام الخالد لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فاتحين بذلك البلاد وقلوب العباد، فارتوى ثرى مؤتة في هذا البلد المبارك بدمائهم الزكية الطاهرة، وهذا درس إيماني لنا اليوم لنستلهم من سيرة نبينا ﷺ ومن منهج صحابته —رضي الله عنهم— هذه المعاني العظيمة لنرتقي بأمتنا ونحفظ بذلك أوطاننا، بعد كمال التوكل على الله ﷻ والثقة بتوفيقه.

ومن أسباب القوة والعزيمة والثبات أن نكثر من ذكر الله ﷻ لنكون من الذاكرين الله كثيراً، ومن هذه الأذكار العظيمة دعاء سيدنا يونس عليه السلام وهو في ظلمات ثلاث حيث قال: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) 40 مرة كل يوم إن كنتم مرضى، يَغفر الله لكم ذُنوبكم أو تدخلوا الجنة. — رواه الحاكم. وَقُولوا (سبحان الله وبحمده) 100 مرة كل يوم تُحط عنكم خطاياكم ولو كانت مثل زَبَد البحر — رواه البخاري.

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ إخواني، فكانت هذه خطبة جمعة مكتوبة بعنوان: قوة الإرادة وثبات العزيمة من مقومات النجاح — دروس من معركة مؤتة. وإن أردتم أيضًا؛ فهذه أيضًا خطبة: دروس عظيمة من يوم أحد. نسأل الله الكريم الوهَّاب ﷻ أن ينفعنا وإياكم بكل الخطب والدروس والمواعظ والمحاضرات التي نوفرها لكم هنا في موقع المزيد.كوم.


شارك عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top