خطبة عن معاملة غير المسلمين

ومع استمرار فريق عمل موقع المزيد في تقديم جديد الخطب المنبرية إليكم؛ نصِل الآن إلى «خطبة عن معاملة غير المسلمين». وهي خطبة مكتوبة، مشكولة الآيات، ومُعزَّزة بالأحاديث النبوية الشريفة للاستدلال الواسع العميق لموضوع الخطبة.

مقدمة الخطبة

الحمد لله، الحمد لله الكبير المتعال مُقدر الآجال، مصرف الأحوال، تفرد بالعزة والعظمة والجلال، له الغنى كله وله مطلق الكمال، تسبح له السماوات السبع والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والشجر والجبال، {وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ}.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ | وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ}.

وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، المنعوت بأعظم الأخلاق وأشرف الخصل، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آلة وصحبه، خير صحب وخير آل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله ﷻ وأطيعوه، وجدوا واجتهدوا في الطاعات، سابقوا الأجل، وأحسنوا العمل، ولا يغرنكم طول الأمل، واعلموا {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ}.

معاشر المؤمنين الكرام: جاء في صحيح الأمام البخاري، أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبي ﷺ يضع له وضوؤه ويناوله نعليه، فمرض، هذا الغلام فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له أباه: أطع أبا القاسم، فأسلم الغلام، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار».

إنها يا عباد الله: ترجمة فعلية لقول الله ﷻ: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. ولقد تعامل النبي ﷺ مع غير المسلمين تعاملات كثيرة جدًا، تعامل مع المشركين وكفار قريش، في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم مع اليهود والمنافقين في المدينة عشر سنين، وكانت كلها معاملة حسنة.

فحق على كل مسلم أن يتعلم من قدوته ﷺ كيفية التعامل مع غير المسلمين، حتى لا يقع في الأخطاء القادحة، والآثام الفادحة، وحتى لا يخلط الإنسان بين عقيدة الولاء والبراء، وبين الاعتداء على الأبرياء.

نعم هناك آيات وأحاديث تفيد الشدة في التعامل مع الكفار: نعم هناك آيات وأحاديث تفيد الشدة في التعامل مع الكفار: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡ}، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡ}، {لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡ}، {قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ}.

فكيف ترجم عليه الصلاة والسلام هذه الآيات في تعامله معهم؟ وكيف نجمع بين هذه الآيات وبين سيرته المباركة، وحسن تعامله معهم؟

والجواب أيها الكرام: أن الإسلام عمومًا دين الرحمة والإحسان؛ قال ﷻ: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ}، وقال ﷻ: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا}، {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ}.

ومن أقوال المصطفي ﷺ الصحيحة، «أحب الناس إلي الله أنفعهم للناس». «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا». «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها، إذا حبستها، ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض». بينما: «غفر لامرأة مومس مرت بكلب يلهث، كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فسقته؛ فغفر لها بذلك».

كما نجد في سيرته ﷺ أنه دعا للمشركين «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وأْتِ بهِمْ»، وأنه أجاب دعوة اليهود للطعام، وقبل هدية الكفار، وأهدى إليهم، وتصدق عليهم، ومات ودرعه مرهونة عند يهوديٍ، وغير ذلك من دلائل حسن التعامل مع غير المسلمين.

وما ذاك إلا لأن الهدف الأعظم للرسول ﷺ هو هداية الناس إلي الحق، ولذلك لما عاد ﷺ منكسرًا من رحلة الطائف الأليمة، قال له ملك الجبال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلان عظيمان يحيطان بمكة والطائف, فقال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ، لا يشرك به شيئا»، لقد كانت فرصة سانحة أن يتخلص ﷺ من ألد أعدائه، لكن مقصده كان هداية الكفار، وليس التعجيل بهم إلي النار.

نعم جاء في الحديث الصحيح: «إن أوثق عري الإيمان: أن تحب في الله، وتبغض في الله»، وهذه عقيدة الولاء والبراء، التي ينبغي أن تكون في قلب كل مسلم، كما يقول الشيخ بن بازٍ رحمه الله: الولاء والبراء معناه محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين ومعاداتهم والبراءة منهم ومن دينهم. وليس معني بغضهم وعداوتهم أن تظلمهم أو تتعدي عليهم إن لم يكونوا محاربين، وإنما معناه أن تبغضهم وتعاديهم بقلبك، وأن لا يكونوا أصحابًا لك، ودون أن تؤذيهم أو تضرهم أو تظلمهم، فإذا سلموا ترد عليهم السلام وتنصحهم وتوجههم إلي الخير.

إذن فهناك فرق بين عقيدة البراء وبين المعاملة الحسنة لغرض الدعوة إلي الله وترغيبهم في الإسلام.

أما وقد جاءكم السياح من كل مكان، فينبغي أن نريهم حسن أخلاق أهل الإيمان، فكم من معاملةٍ حسنةٍ أدخلت في دين الله أفواجًا من الناس، وها هو رسول الرحمة ﷺ يبعث عليا -رضي الله عنه- إلي ساحات القتال مجاهدًا، ثم يقول له: «انفذ على رسلك حتي تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلي الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم».

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

{وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ | ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ}.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

وهنا نجِد خطبة: حياة النبي ﷺ من الميلاد إلى البعثة – مكتوبة كاملة

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفي.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين.

معاشر المؤمنين الكرام: أما وقد فرض الواقع علينا معاملة غير المسلمين، وهم ما بين ذميٍ ومستأمنٍ ومعاهد، وكلهم يحرم إيذائهم والتعدي عليه، ففي صحيح الأمام البخاري قال ﷺ: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا».

ومعاملة غير المسلم عمومًا لها أحوال كثيرة؛ أخطرها الموالاة، والموالاة معناها التقريب والمحاباة، والمعاونة والمناصرة، وتصل إلي الكفر الأكبر إن آلت لمناصرة الكفار على المسلمين بلا إكراه، ودليل ذلك قوله ﷻ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

والحال الثانية من أنواع التعامل مع غير المسلمين: محبتهم المحبة الطبيعية، فهذه جائزة إن كان لها حاجة كمحبة الرجل لابنه الكافر، أو محبة الأبن لأبيه الكافر أو محبة الرجل لزوجته الكافرة نصرانية كانت أو يهودية، والدليل أن الله أباح الزواج من الكتابية، مع ما هو معلوم من وجود المحبة بين الزوجين، فدل على أن مثل هذه المحبة جائزة، لكن يجب أن يبغض ما هم عليه من الكفر.

الحال الثالثة من التعامل مع غير المسلمين: الاستعانة بهم في غير الحرب.

فهذا جائز، شرط أن يكون هناك ضرورة، وأن يكونوا مأمونين، ففي صحيح البخاري، أن رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ استأجرا رجلًا هاديا خريتًا وهو على دين كفار قريش.

ويدخل في المعاملات الجائزة مع الكفار: معاملات البيع والشراء، فقد مات النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهوديٍ اشتري منه طعامًا، والحديث في البخاري.

ومن المعاملات الجائزة استخدام غير المسلمين خدمًا وعمالًا، ولا شك أن استقدام المسلمين أولي وأحواط، كما ان فيه عونًا ودعمًا لإخوانه المسلمين.

ومن أحوال التعاملات مع غير المسلمين: برهم والإحسان إليهم، وهذا فيه تفصيل: فإن كانوا معادين للإسلام فلا يجوز، وإن لم يكونوا كذلك جاز، قال ﷻ: {لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ}.

ومن المعاملات الجائزة مع المسلمين: الأكل والشرب لا سيما مع الحاجة أو لمصلحة، وإن كان الأولى تركه والبعد عنه، لئلا يتأثر الإنسان بهم.

ودليل الجواز حديث أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه-، أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاةٍ مسمومة، فأكل منها، والحديث في البخاري.

وفي حديث صححه الألباني: أن خياطًا يهوديًا بالمدينة دعا رسول الله ﷺ على خبز شعير وإهالة سنخةٍ فأجابه.

ومن المعاملات الجائزة مع غير المسلمين: الدراسة على أيديهم، بشرط أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات عن دينه؛ وان يكون عنده دين يدفع به الشهوات، وأن يكون التخصص الذي سيتعلمه لا يوجد في بلاد المسلمين.

أما المعاملات التي لا تجوز مع غير المسلمين: فلا يجوز الاستعانة بهم في الحرب لحديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال لرجل تبعه يوم بدرٍ ثلاثًا: «ارجع فلن أستعين بمشرك» رواه مسلم.

وكذلك لا يجوز للمسلم مشاركة أهل الكتاب في أعيادهم، أو مناسباتهم الدينية أو تهنئتهم بها، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق.

كما لا يجوز للمسلم أن يتعامل مع الكفار أي معاملةٍ تضر بالمسلمين.

وإذا علمنا عظمة الإسلام بسياسته الحكيمة، وتشريعاته الشاملة الرحيمة، كان لزاما علينا أن نأخذه بثقة وقوه، وأن ندعو ونبلغ رسالة الإسلام الصحيح إلى كل من يعيش بيننا من غير المسلمين، وأن نحسن التعامل معهم، حرصًا على هدايتهم، ورحمة بهم وشفقة عليهم من عذاب الآخرة، وحبًا في عمل الخير عمومًا، فمن دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ولأن يهدي بك رجل واحد خير لك من حمر النعم.

ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلي والذنب لا ينسي، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وختامًا؛ أوصيكم بالاطلاع على خطبة: مراحل بناء الشخصية في السنة النبوية على أُسس من كتاب الله ﷻ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى