خطبة عن فضل الصدقة الجارية.. مكتوبة ومعززة بآيات وأحاديث وما يلزم

خطبة عن فضل الصدقة الجارية

لا عَجَب أن تجِد أئِمَّة وخُطباء ووُعَّاظ يُلقون خطبة عن فضل الصدقة الجارية من حينٍ لآخر؛ هذا لما يعلمونه ويقرأونه من ثوابها وفضلها في حياة المسلم وأُخراه. فضلاً عمَّا يجدونه في هذا الزَّمانِ من شُحٍّ بات ظاهِرًا على الكثيرين، إلا ما رحِم ربّي.

هُنا، وفي ملتقى الخطباء الخاص بموقع المزيد نسوق إليكُم واحِدة من أزكى الخُطَب -إن شاء الله- التي تتناول موضوع الصدقة عامَّة والصدقة الجارية خاصَّة. مُبينة شروطها وفضلها وثوابها وفضلها وما تورثه من عظيم الأجر الجزيل.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير؛ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمدًا رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير.

أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

الخطبة الأولى

أما بعد، أيها المسلمون عباد الله؛ فإن نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- صلى بأصحابه يومًا صلاة ثم قام عليه الصلاة والسلام مُسرِعًا يتخطى رقاب الناس، يقول الصحابة: حتى فزعنا من سرعته. ظَنَّ الصحابة أن أمر إدًّا قد وقع، وأن مصيبة قد حصلت؛ فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيته، ثم خرج إليهم وقال لهم «ذكرت شيئا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته».

والتبر يعني الذهب.

أيضًا؛ لما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سكرات الموت وفي كربات النزع، كان يُغشى عليه ثم يفيق، صلوات ربي وسلامه عليه؛ فلما أفاق من غشية قال لأمنا عائشة رضي الله عنها: «هل في بيت محمد شيءٌ من مال؟» قالت: ستة دنانير يا رسول الله. قال «تصدقي بهن»، ثم أغشي عليه -صلى الله عليه وسلم-، فلما أفاق سأل عائشة: «ما فعلت الدنانير الستة؟» قالت: يا رسول الله شغلي بمرضك ألهاني أن أتصدق بهن. قال «يا عائشة تصدقي بهن، كيف يلقي محمد ربه وفي بيته ستة دنانير!».

نبينا عليه الصلاة والسلام يأمر بذلك ويشد فيه لأنه الأسوة الحسنة، القدوة الصالحة، الذي ما كان يعجبه من الدنيا شيء إلا مؤمنٌ تقي، وما كانت الدنيا تزِن عنده شيئا.

وقد قال لأصحابه «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث، وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين»، هكذا كانت الدنيا في عين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

يا أيها المسلمون، إن الإنسان إذا كان في سكرات الموت فإنه يتمنى أمنية، ما هي الأمنية؟ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، من أجل ماذا؟ من أجل الصدقة.

وفي كتاب الله آيات عن الصدقة في مواضِع كثيرة؛ ففي سورة المنافقون يقول الله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ | وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ | وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

هذا الإنسان يتمنى أن يبقى في الدنيا ولو مُدَّة يسيرة من أجل أن يتصدق. قال أهل التفسير: لأنه قد رأى أثر الصدقة؛ في ذلك الوقت حين كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا وكُشِفَ عنه الغطاء وصارت بصره حديدا ورأى أثر الصدقة التي قدمها، يتمنى لو أنه يبقى في الدنيا ولو يسيرا من أجل أن يتصدق.

وفي حديث عن الصدقة في السر هذا المُتَّفق عليه، الذي يقول فيه رسول الله -صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها-: سبعة يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه.. فذكر الحديث، وفيه: ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه.

الصدقة، أيها المسلمون عباد الله، قالوا مشتقة من الصِّدق، لأنها دليل على صدق الإيمان.

وهذا حديث الرسول عن الصدقة أيضًا يقول فيه -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان». برهان على ماذا؟ برهان على الإيمان، وإلا فالمنافقون -عياذًا بالله- كما قال ربنا جل جلاله {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}. لماذا؟ لأن المنافق لا يرجو على الصداقة ثوابها، ولا يخاف في تركها عقابا؛ وأهل جهنم يصرخون في جهنم -عياذًا بالله- حزنا على تلك الجرائم التي اقترفها، ومن بين تلك الجرائم أنهم ما كانوا يتصدقون.

يقول الله -عز وجل- {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ | وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ | لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ} لماذا؟ لأن هذا الذي أوتيَ كتابه بشماله، ويتحسر {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ | وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ | يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ | مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ | هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}.

إذا سُئِل في جهنم {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}؟ عددوا جرائمهم؛ {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} هذه هي الجريمة الأولى، {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}.. ثم {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ | وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}.

مفهوم الصدقة.. الواسِع

يا أيها المسلمون، يا عباد الله، الصدقة ليس شرطا أن تكون مالا؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجود من ماله وكان يجود من طعامه، وكان يجود من ثيابه -ثيابه التي يلبسها- وكان يجود من علمه، وكان يجود من جاهِه.

نبينا عليه الصلاة والسلام علمنا أن الصدقة أوسع مما يظن الناس، فإن ناسًا يحسبون إذا سمعوا هذه الكلمة أن الصدقة محصورة في دراهم أو دنانير أو دولارات أو جنيهات؛ الأمر أوسع من ذلك بكثير.

يروي الإمام البخاري في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج على أصحابه يوما وقد لبس قميصًا ابتاعه -قميصٌ جديد؛ والقميص في كلام العرب: كل ثوبٍ له أكمام وله فتحةٌ عند العُنق- واحد من الصحابة لم رآه قال: يا رسول الله، ما أجمل هذا القميص؛ أُكسنيه فداك أبي وأمي.

النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يُسأل شيئًا قط فيقول لا، ما قال لا إلا في تشهده، فلولا التشهد كانت لاءه نعم، عليه الصلاة والسلام.

خلع القميص وأعطاه لذلك الرجل، ثم دخل بيته.

فقال الصحابة لذلك الرجل: ما أحسنت ولا أجملت، سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قميصه، وقد علمت أنه لا يمنعك؛ أنت تعلم أنه لن يقول لك لا، وقد علِمت أنه ليس له غيره سوى ذاك القميص البالي.

فماذا قال الصحابي؟ قال: ما سألته لألبسه، وإنما لأجعله لي كفنا.

الإمام البخاري -رحمه الله- ترجم لهذا الحديث بقوله: باب من أعد كفنه قبل الموت.

هذا الصحابي ما يفكر في هذا القميص من أجل أن يتجمَّل به في الدنيا، ولا من أجل أن يفاخر به الناس؛ وإنما طلب هذا القميص من أجل أن يُكفَّن فيه، ثوبٌ لامس جسد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

أقول أيها المسلمون عِباد الله؛ نبينا الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجود من طعامه. لذلك، يذكرون في معجزاته -صلوات ربي وسلامه عليه- بأنه كان يأكل طعاما فدخلت عليه جارية، يقول الصحابة كانت قليلة الحياء، بمعنى أنها لا تبالي بأن تتكلم مع الكِبار، فهي صغيرة في السن لكنها جريئه، هذا معنى قولهم قليلة الحياء.

فقالت: يا رسول الله أعطني مما تأكل، فناولها بيده -عليه الصلاة والسلام- قالت: لا، أريد مما في فمك. فأخرج -عليه الصلاة والسلام- ما كان في فمه فأعطاها.

يقول الصحابة: والله ما استقرت اللقمة في جوفها حتى ألقى الله عليها من الحياء ما لم تكن امرأة تفضلها. هذه التي كانت قليلة الحياء جريئة صارت أشد النساء حياء.

وهناك أحاديث عن الصدقة كثيرة؛ ومنها ما وردَ عن النبي عليه الصلاة والسلام الذي يعلمنا أن الصدقة تكون ولو بالتبسّم؛ فيقول -عليه أفضلُ الصلاة وأطيب السلام- «تبسمك في وجه أخيك صدقة».

فلو أن الإنسان لا يملك مالا، لا يملك طعامًا، لا يملك ثيابا؛ مجرد أن يتبسم في وجه امرئ مسلم يكتب الله له بذلك صدقة.

نبينا عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن الإصلاح بين الاثنين صدقة، تعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع متاعه صدقة، تصلح بين الاثنين صدقة.

يعلمنا صلوات ربي وسلامه عليه أنك إذا أعنت صانِعًا أو صنعت لأخرق يكتب الله لكنها بها صدقة.

والأخرق هو الذي لا يجيد الشيء، لا يحسنه؛ إنسان تعطلت سيارته، إنسان حصل في بيته خلل في ماءٍ أو كهرباء أو غير ذلك، أعنته؛ يكتب الله لك بذلك صدقة.

ديننا دعوة عامة إلى الإحسان إلى خلق الله.

ما أقول الإحسان إلى الناس، بل الإحسان إلى خلق الله.

يعلمنا صلوات ربي وسلامه عليه «بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر».

فإذا كان الإحسان إلى الكلب، إذا كان الإحسان إلى البهيمة؛ يكتب الله لك به أجرا؛ فكيف بإحسانك إلى الإنسان المكرم؟ فكيف بإحسانك إلى أخيك المسلم؟ فكيف إذا كان هذا المسلم ضعيفا أو ملهوفا أو غريبا أو ابن سبيل؟ لا شك أن هذا بابٌ عظيم من أبواب الخير.

أسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا من المتصدقين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله؛ النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وآل كُلٍّ وصحب كُلٍّ أجمعين؛ وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أما بعد، أيها المسلمون؛ فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

شروط الصدقة

واعلموا إخوتي في الله أن الصدقة لا تُتقبل عند الله -عز وجل- إلا بشروط:

الشرط الأول أن يُبتغَى بها وجهه؛ فمن تصدق رِئَاءَ النَّاسِ، من تصدق من أجل أن يُشكَر، من أجل أن يُذكَر، من أجل أن تُدبَّج فيه القصائد وتلقى حوله الخطب العصماء؛ ما له عند الله شيء.

يقول تعالى في سورة هود {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ | أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة؛ ومن بينهم مُنفقٌ، يؤتى به يوم القيامة فيُعَرِّفه الله نعمه؛ يقول له ماذا عمِلت فيها؟ يقول: يا رب ما تركت من سبيلٍ يقرب إليك إلا أنفقت فيه، يقول الله -عز وجل-: كذبت، وإنما أنفقت ليقال كريم، ليقال جواد؛ وقد قيل. خذوه إلى النار.

أنت قد أخذت نصيبك في الدنيا.

فلا بد أولا أن يُبتغى بالصدقة وجه الله.

ثانيا أن تكون الصدقة من حلال؛ أن يكون الشيء المبذول من مالٍ أو طعامٍ أو ثيابٍ أو غير ذلك، أن يكون مصدره حلالا.

يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا». ويقول عليه الصلاة والسلام «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل».

فلوه: وهو الصغير من الخيل.

تأتي يوم القيامة هذه الصدقة كمثال الجبل

يعني هذه الصدقة. الله جل جلاله يربيها وينميها أنت بذلتها في الدنيا يسيرة حقيرة، يوم القيامة تجدها عظيمة جليلة كبيرة، {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

ثم الشرط الثالث؛ ألا تتبعها منا ولا أذى.

يقول تعالى في سورة البقرة {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، المن أن يقول: ألم أُعطك؟ ألم أطعمك؟ ألم أفعل لك كذا وكذا؟

والأذى أن يدعو عليه أو أن يسيء، إليه وما إلى ذلك.

ثم الشرط الرابع، أيها المسلمون عباد الله، أن يكون هذا الشيء المبذول من مال أو طعام أو ثياب في المواضِع التي يحبها الله جل جلاله.

إن الصنيعة لا تعد صنيعة ** حتى يصاب بها طريق المصنع

الله جل جلاله وضع لنا شريعة تنظم حياتنا، وبين الوجوه التي ينفق فيها المال، ولذلك قال علماؤنا: لا إسراف في الخير؛ بمعنى إكرام الضيف مثلا؛ هذا مما رغبت فيه الشريعة. إكرام الجار مما رغبت فيه الشريعة أيضًا.

إكرام الضيف وإكرام الجار ليس فيه إسراف، مهما بذلت لهم من طعام، من ثياب، من طيب، من غير ذلك؛ ما لم يكن في ذلك إهدار وإتلاف وتضييع، فالله لا يحب الفساد.

الصدقة الجارية

أيها المسلمون عباد الله، إذا كانت الصدقة مطلوبة مرغوبة فإن أعظمها الصدقة الجارية التي يبقى أصلها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

حين يسمع الناس مصطلح الصدقة الجارية يظنون أنه -مثلا- لا بد أن أبني مسجدا ضخما، أو أن أشيد مستشفى كبيرة. لا، الصدقة الجارية قد تكون أمرا يسيرا. كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون عليها، حتى قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مال إلا وقف. يعني إلا جعل وقفا.

أمثلة على الصدقة الجارية

والصدقة الجارية أنواعها كثيرة، كما قال السيوطي -رحمه الله-:

إذا مات ابن آدم ليس يجري *** عليه من خصال غير عشر

علوم بثها ودعاء نجل *** وغرس النخل والصدقات تجري

وراثة مصحف ورباط ثغر *** وحفر البئر أو إجراء نهر

وبيت للغريب بناه يأوي *** إليه أو بناء محل ذكر

وتعليم لقرآن كريم *** فخذها من أحاديث بحصر

تعليم القرآن الكريم صدقة جارية. هذا الذي علمته إذا بقي يقرأ هذا القرآن ثمانين سنة، تسعين سنة، مئة سنة. هذه صدقة جارية، وهذا الذي علمته ربما يعلمه غيره. تستمر هذه الصدقة إلى ما شاء الله مما لا يعلمه إلا الله. الآن كل صلاة يصليها، كل صدقة نبذلها، كل صيام نفعله، كل حج نمارسه هو في ميزان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لماذا؟ لأنه هو الذي علمنا -عليه الصلاة والسلام-؛ هو الذي وصلنا بربنا جل جلاله وعلمنا كيف نعبده.

يا أيها المسلمون، يا عباد الله، احرصوا على الصدقة كيفما كانت، فإن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء.

الدعاء

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتصدقين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنا ووصينا إلى البر والتقوى، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اللهم اجعل لنا من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاءٍ عافية.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا به حتى نلقاك.

اللهم يا خير الراحمين. ويا خير الغافلين. اغفر لنا ما مضى من ذنوبنا واعصمنا فيما بقي من أعمارنا، وارزقنا أعمالا صالحة ترضيك عنا.

اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوهٌ وتسود وجوه.

اللهم يَمّن كتابنا، ويسر حسابنا، وثقل موازيننا بالحسنات، وثبت أقدامنا على الصراط، وارزقنا جوار نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم اجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره، ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله.

اللهم أورِدنا حوضه، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا. وأحسن الختام يا علام.

اللهم أحِل علينا في مجلسنا هذا رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده.

اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل مبرور، برحمتك يا عزيز يا غفور.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغارا.

اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علّمنا وتعلم منا.

اللهم أحسِن إلى من أحسن إلينا.

اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين؛ وأقِم الصلاة.

خطبة مقترحَة: العدل ومسؤولية الحاكم


خطبة عن فضل الصدقة الجارية

ألقاها: فضيلة الدكتور عبدالحي يوسف -جزاه الله عنَّا كل خير- في أحد خُطَب الجمعة.

فحواها: سلَّطت الخطبة الضوء بشكل مُفَصَّل عن فضل الصدقة الجارية ومدى الأجر والثواب الذي يكتبه الله -سبحانه- للمُتصَدقين والمنفقين في سبيله.

ألقى الإمام -حفظَه الله- خطبة عن فضل الصدقة عمومًا، والصدقة الجارية خاصَّة، تلك التي تدفع البلاء؛ وعَدّد ثواب الإنفاق والمُنفقون في سبيل الله.

هذه ليسَت مُجرَّد خطبة قصيرة عن الصدقة؛ انما هي تلك الطويلة القويَّة التي قرأتها، التي تسوق المسلمين إلى التفكير الجاد فيما عندهم وما عِند الله -سبحانه وتعالى- الذي يتحَقَّق بالصَّدقة والإنفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: