خطبة عن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

كثيرًا ما نقرأ ونسمع قول الله ﷻ في القرآن الكريم ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. فهل تفكَّرتكم في ماهيَّة هؤلاء الذين وصفهم الكريم الحنَّان ﷻ بهذا؟ حسنًا؛ اليوم، وفي خطبة الجمعة هذه سنقرأ ما أجاد به علينا الخطيب -بارك الله فيه- من وعظ وإرشاد حسن حول هذا الموضوع وهذا الوصف.

وكمعلومة جانبية.. ذُكرَ اللفظ ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في كتاب الله إثنى عشر مرَّة؛ مستقلَّة تارة، ومقترنة تارات أُخرى.

خطبة جمعة مكتوبة عن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا محمدًا عبده ورسوله.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وارزقنا جميعا متابعته بالأقوال والأفعال والأحوال.

وأذكركم بقول الله ﷻ في القرآن الكريم بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ | هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ | مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ | ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ | لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾.

فاللهم اجعلنا من عبادك المتقين برحمتك يا رب العالمين.

الخطبة الأولى

أيها الإخوة الكرام عنوان خطبة اليوم عن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أسأل الله العظيم أن يكتبنا في تلك النسبة المكرمة، في تلك النسبة المشرفة، والذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وردوا في القرآن الكريم أو ورد ذكرهم في القرآن الكريم غير مرة.

أهل الاستقامة

أهل الاستقامة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ | نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾.

﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال ﷻ ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

الذين آمنوا بالله ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

إذا هناك أصناف وردت في القرآن الكريم عبر الله أن هؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا يحزنون يوم القيامة.

وحتى لا يكون الموضوع كلاما في أكثر من جهة أريد أن أسأل سؤالا، كثير منا تمنى أن يكون غنيا، وقليل منا تمنى أن يكون طيارا مثلا أو طبيبًا أقل يعني نسبة أو مهندسًا أو تاجرا أو أمام مسجد يعني النسبة متفاوتة.

من هم الأولياء؟

لكن من منا تمنى وأراد وأحب وتشوف وتشوق أن يكون وليا لله، أما قال الله ﷻ في سورة يونس ﴿أَلا﴾ وألا في اللغة العربية أداة حظ وتنبيه، يعني كأن الحق ﷻ يريد أن يلفت الانتباه ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

من هم يا رب؟ حلهم لنا ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.

فاخترت أن أتحدث عن هؤلاء الذين ينبغي علينا أن نتمنى أن نكون في نسبتهم عن أولياء الله.

من هو الولي؟

فمن هو الولي؟ هل الولي كما هو معلوم عند كثير من الناس وهذا خطأ وخطر؟ أن الولي هو من جلس معتكفا في داره أو معتزلا في غاره، أو لبس ثوبا ممزقا، أو اعتزل الناس؟

هل هذا هو الولي؟ لا، هل الولي هو الذي يجعل لنفسه شارات وإمارات وعلامات مختلفة عن الناس؟ لا.

الولي لخصه الله ﷻ بكلمتين في القرآن الكريم ﴿آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.

وأبو عثمان الصابوني وهذا من أكابر العلماء وأول من أطلق عليه لفظ شيخ الإسلام يقول: الولي هو الذي يفعل الأوامر ويجتنب النواهي. اختصر القضية بكلمتين.

من يستحق ولاية الله؟

لكن أن رجعتم إلى تفسير هذه الآية وجدتم كلاما بديعا لحبر هذه الأمة أردت أن أجعله ورقة عمل خطبة اليوم، وهو كلام نفيس بديع لسيدنا ابن عباس -رضي الله عنهما- إذ يقول: ثلاثة من كن فيه استحق ولاية الله.

لكن قبل أن أدلف إلى شرح هذه الكلمة ما معنى الولي أولا؟ في اللغة: الولي تعني الحبيب، أو تعني النصرة، تعني التأييد، معان كثيرة لكن في الشرع ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.

فقط، مؤمن وتقي، فابن عباس لخص هذه الآية بقوله قال: ثلاثة من كن فيه استحق ولاية الله، عناية الله، حماية الله كان من أولياء الله.

أولا قال: حلم أصيل يدفع به سفه السفيه.

ثانيا ورع صادق يحجبه عن الحرام.

ثالثا وأخيرا مداراة يُداري بها الناس من أجل دين الله.

هذه الأشياء الثلاثة من كان متحققا فيها أو من كانت متحققة فيه كان من أولياء الله.

أول هذه الصفات التي ذكرها ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: حلم أصيل يدفع به سفه السفيه، ما معنى هذا الكلام؟

أهل الولاية

أيها الإخوة معنى هذا الكلام أنه ما ينبغي على الإنسان دائما همه الوحيد، الهدف الأساس والرئيس في حياته أن ينتقم لنفسه وأن ينتصر لنفسه، وسأرد الصاع صاعين، وسأرد الكلمة كلمتين أبدا.

الموفق الذي يكون من أهل الولاية يترفع عن هذا، لا ينتصر لنفسه، بل كما جاء في الحديث الصحيح «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب» والآية قبل الحديث في سورة الحج ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.

ألا تكفي هذه الآية أيها الإخوة؟ هذه الآية تغني عن شهوة الانتقام، والانتقام والثأر صيغة كسولة للانتقام.

لا تنتقم، كن صاحب حلم أصيل تدفع به سفه السفيه حتى تكون من أولياء الله.

وقد يقول قائل يبدو هذا الكلام كلاما مثاليا في زمن كثر فيه السفهاء، وإذا لم تكن ابن زمانك تمادى عليك السفهاء، وكما يقال بين المعترضتين ظنوا أنك ضعيف، أو حائطك مائل أو منخفض، هذه الكلمات التي هي كلها من تسويق الشيطان لا علاقة لدين الله.

المؤمن صاحب ثقة بنفسه، الله يأخذ الحق، وسأحكي لكم هذه القصة، فبعض الكرام دفع ثمن لمكتب عقاري، ثمن بيت، دفع مبلغ جيد يعني، ثم لما جاء إليه يطالبه بهذا الثمن البسيط، أي دفع الدفعة لهذا المكتب، وما تمت الصفقة وخالف الشروط.

قال له: لا شيء لك عندي، كيف؟ قال له: ما أعطيتني ورقة، فمن كان مع هذا الرجل.

فقال الرجل كلمة بديعة: تركته لله، كلمة قد يسخر البعض منها، يعني أن هذا ضعف، تركته لله.

وبعد أقل من أسبوع، المكتب عينه نفسه ذاته يتصل به ويتفاوض معه حتى يرجع إليه جزءا من المبلغ.

المهم ما نام الرجل حزيناً وإنما ترك الأمر لمن؟ سلم الأمر إلينا نحن أولى بك منك، إذا سلم الإنسان أمره لله بحلم أصيل يدفع به سفه السفيه.

أخلاق الأولياء

ابن ابن ابن رسول الله ﷺ علي زين العابدين ابن الحسين -رضي الله عنه- وأرضاه عليه سلام الله يخرج من مسجد رسول الله ﷺ، يأتيه رجل سفيه يقول له بمنتهى إساءة الأدب: يا فاسق، يا فاجر، يا، كلمات بذيئة جدا ولا يرد عليه الإمام أبدا.

فلما انصرف قال له: تعال، هل قلت فيا أشياء، ويمكن أن أزيدك على هذا أكثر من ذلك، فتعجب الرجل.

فأخذ ويقبل يديه ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ابن رسول الله.

هذه أخلاق الأولياء إخواني، حلم أصيل يدفع سفه السفيه، الآن واحد منا وهو بالسيارة لا يتحمل من يضايقه في الشارع.

لنكن صرحاء، فزوجه مثلاً أتاها العذر الشرعي، أو عندها مشكلة نفسية، عندها قضية مع الأولاد يجب أن تتحملها.

أما بمجرد أن تخطئ يا لطيف يا الله، فالطلاق فوراً، أو كلمات بذيئة، ثم يسأل أذن الجمعة، متى صلاة الجمعة؟

يخرج من البيت وقد كسر بخاطر هذه المرأة المسكينة وسبها وسب أباها ثم بعد ذلك يأتي يصلي، ما هذا؟

هل هذا من أولياء الله؟ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ غالية، تحتاج إلى ثمن غالي أيضا.

يقول: من من أراد أن يكون من أولياء الله أو من كانت فيه هذه الصفات استحق أن أن يكون من أهل الولاية أولا حلم أصيل يدفع به سفه السفيه.

الإمام الشافعي له أبيات جميلة، يقول فيها:

يُخاطِبُني السَفيهُ بِكُلِّ قُبحٍ
فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا

يَزيدُ سَفاهَةً فَأَزيدُ حِلماً
كَعودٍ زادَهُ الإِحراقُ طيبا

وأبو يزيد البسطامي يقول أيها الإخوة: إذا أردت أن تعرف خلق إنسان فأغضبه.

تعرف هذا من خلال هذا الخلق، تركت لله، إذا حلم أصيل يدفع به سفه السفيه، هذه أول صفة من أراد أن يكون من أولياء الله. هذا كله من القرآن الكريم.

الورع الصادق

ثانيا ورع صادق، وهذا قيد هام ذكره ابن ابن عباس -رضي الله عنهما- ورع صادق، يعني بعض الناس يتورع ليس لأنه ورعه صادق، يتورع لأنه لا يستطيع أن يصل إلى الحرام، لكنه لو وصل إلى الحرام ما كان متورعا.

يعني يقولون بين معترضتين لأنه لا يستطيع أن يصل إليه، لذلك بعض الأدباء ينعى على المسلمين أو على بعض المسلمين أو على كثير من المسلمين يقول: العفة وهذا كلام مردود على صاحبه ولا أريد أن اذكر اسمه -رحمه الله- يقول: العفة تتولد من الحرمان.

يعني الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى شيء فيظهر تعففا، لا، المؤمن أمامه الطعام وأمامه الشراب وأمامه أهله من كان متزوجا في نهار رمضان ويترك هذا كله ابتغاء وجه الله لا يمنعه أحد.

يمكن أن يأكل لا يراه أحد، فهذا مردود على من يقول العفة تتولد من الحرمان، لا.

المهم ورع صادق، ما معنى ورع صادق؟ الورع هو ترك الحرام، فقط، كلمتان الورع ترك الحرام.

لكن الورع قال العلماء: له ثلاث درجات، درجة دنيا، أقل درجة وهي إن تترك الحرام الواضح كأكل الربا مثلا، كشرب الخمر، كأكل أموال الناس بالباطل، هذا واضح لا يحتاج، هذا أقل درجات الورع ترك الحرام.

ثانيا هناك مسافة ومساحة بين الحلال وبين الحرام تسمى شبهة، هذه الدرجة الوسطى من درجات الورع يتركها الإنسان، يقول ابن مسعود -رحمه الله- ﷻ: لأن أترك درهما من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بستمئة ألف درهم.

يعني هو يترك درهم من شبهة، المرحلة العالية، الدرجة العالية من درجات الورع، هو يترك الحلال خشية أن يقع في الحرام.

يقول سيدنا عمر: كنا نترك تسعة أعشار الحلال حتى لا نقع في الحرام.

طبعا هذا الكلام يكاد يصل إلى أفق الملائكة، اللهم أكرمنا والحقنا بالصالحين.

إذا أولا حلم أصيل يدفع به سفه السفيه، ثانيا ورع صادق يحجبه عن الحرام، ما معنى الورع هنا؟ الورع إخواني، لما يأتي الإنسان مثلا أمامه أموال كثيرة، ولا رقيب ولا حسيب عليه إلا الله.

هنا يأتي القرآن الكريم ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.

إذا مباشرة انتهت القضية، يعني لا يجد مكابدة، لا يوجد معاناة، الخمر خمر حرام؟ حرام انتهت القضية، يعني لا يريد أن يجادل.

الورع لا يجادل، الورع هو من قال فيه القرآن ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، هذا هو الورع.

أما الذي يتألم ويتعذب هذا ليس ورعا، الورع مباشرة، حرام حرام، لكن بأدب دون أن يزاود على الناس.

فبعض الناس مثلا عنده همة في العبادة، همة في اجتناب الشبهات ما ينبغي عليه أن يزاود على الناس حتى لا يحبط عمله.

يعني مثلاً إنسان يخلط بين هذا وذاك، وإنسان ورع، ما ينبغي أن يتاجر على الناس، أنتم فعلتم كذا وأنتم كذا لا.

أولا هذا يفخر بعمله ويتباهى بعمله، وهذا لا يليق، والداعي إلى الله ينبغي أن يتكلم بأدب مع الناس وبينك وبينه، وتنصحه تذكر أحوال الصالحين دون أن توجه بشكل مباشر.

فأساتذة الخطابة يقولون: يا بني عندما تخاطب الناس استخدم ضمير الغائب، لا تقل أنتم، هذا لا يليق، لا في أدب الخطاب الدنيوي ولا في خطاب الله ﷻ.

إذا ثلاثة من كن فيه استحق الإنسان فيها ولاية الله ﷻ:

أولا حلم يدفع به سفه السفيه.

ثانيا ورع صادق يحجبه عن الحرام، والورع ثلاث درجات:

الدرجة الدنيا ترك الحرام، الواضح، كالربا، إلى آخره.

ثانيا الدرجة الوسطى هي ترك الشبهات.

الدرجة العليا ترك الحلال حتى لا يقع في الحرام، وهذه الدرجة العليا.

مداراة الناس

ثالثا وأخيرا، وهذه نقطة هامة جدا، من أراد أن يكون من أولياء الله أن تداري الناس، المداراة، المداراة إخواني أمر عظيم جدا أمر الله به نبينا ﷺ.

قال ﷺ «أمرني ربي بمداراة الناس» المداراة غير النفاق، النفاق هو المداهنة.

المداهنة تبذل الدين من أجل الدنيا، هذه مداهنة، مثل قول نحن شعرة في صدركم يا سيدي، نحن حسنة من حسناتكم، يأتي مدير جديد فيكتب له قصيدة في الإيميل، أنت الذي أشرقت الشمس، أنت شمس، أنت قمر، أنت نور فوق نور.

المداراة هي إظهار المليح، واستبطان القبيح من أجل الدين الصحيح، ما معنى هذا الكلام؟ يعني قد تجد إنسانا مسيئًا من حيث فعله فتتحمل إساءته من أجل أن تروضه، وأن يجعل وأن يضع قدمه وعربة حياته على السكة الصحيحة لكن تتحمل وأنت متألم.

أن تظهر أن تظهر المليح وتستبطن القبيح، أنت منزعج، من أجل الدين الصحيح.

هذا وقع مع سيدنا محمد ﷺ مرة كان جالساً في البيت، طرق الباب أحد الناس من؟ فلان، فقال ﷺ «بئس أخو العشيرة»، ثم فتح له الباب وهش له أهلا وسهلا.

الذي يرقب الموقف كله السيدة عائشة، وتريد أن يذهب وأن ينصرف الضيف حتى تسأل ما هذا؟ فلما انصرف يا رسول الله قلت «بئس أخو العشيرة» ثم هششت له وبششت واستمعت إليه، ما هذا؟ قال يا عائشة «إنا لنهش بوجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم يا عائشة، إن شر الناس من داراه الناس اتقاء شره».

فأنت تظهر أحيانا الود وتتحمل الإساءة من أجل الدين وليس من أجل المصالح شخصية.

سأضرب قصة موجودة في كتب التاريخ يمكن أن ترجع إليها بين معاوية بن أبي سفيان وبين عبد الله بن الزبير.

معاوية بن أبي سفيان كان عنده عبيد، وعبد الله بن الزبير كان عنده أرض في المدينة.

عبيد معاوية دخلوا على أرض عبد الله بن الزبير فخربوها، فغضب عبد الله بن الزبير غضبًا شديدا وكان معاوية أمير المؤمنين، كان قويا، كان الحاكم، فكتب عبد الله بن الزبير، قال: من حواري رسول الله ﷺ، من بن أسماء ذات النطاقين، من الكريم ابن الكريم، إلى الطليق بن الطليق، إلى بن هند آكلة الكبود إما أن تخرج عبيدك وإما كذا وكذا.

رسالة تثير الحنق لا أريد أن أقول أكثر من هذا، فلما وصلت الرسالة إلى معاوية دفعها إلى ولده يزيد، ما رأيك؟ قال رأي أن نجهز له جيش أوله في الشام وآخره عنده في المدينة.

قال: لا ليس هكذا، أخذ وكتب: من معاوية إلى حواري رسول الله ﷺ، إلى الكريم بن الكريم، إن عبيدي عبيدك، وإن أرضي أرضك، وافعل ما شئت وإن شئت زدتك على ذلك.

لاحظوا إخواني، لما وصل قرأ رسالة عبد الله بن الزبير أرسل إليه من عبد الله بن الزبير إلى أمير المؤمنين -بارك الله فيك- ووفقك إلى إلى هذا الأمر الذي جعلك فيه في قلوب الناس وأولاك الناس محبة.

ثم قال ليزيد: هنا الشاهد يا بني بهذا يسود الناس، لهذا يسود الناس.

يعني عندما تضبط انفعالاتك عندما تتحمل الإساءات من أجل الدين وليس من أجل المصلحة الشخصية، انتبهوا إخواني.

فمن أجل المصلحة الشخصية يكون نفاق.

استبطان القبيح، وإظهار مليح من أجل الدين الصحيح هذه هي المدارة.

إظهار المليح واستبطان القبيح من أجل الدنيا اسمه عين النفاق، هذا منافق، فقط من أجل مصلحة شخصية ممكن أن يكون مركبا، ويبيع كرامته ويبيع ماء الحياء من أجل الدنيا، يبيع دينه، يبيع عرضه، يبيع كل شيء، فالقيم لا قيمة لها عنده، بل من أجل هدف واحد هو المال.

هذا لا أتحدث عنه، بل إن المنافقين كما قال ﷻ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.

اللهم يا حي يا قيوم اجعلنا من أوليائك واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.

واقْرَؤُوا هنا كذلك: خطبة عن هموم الدنيا والآخرة

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرًا كما أمر وأشكره ﷻ وهو الذي وعد المزيد لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا محمدًا عبده ورسوله.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

وأرض اللهم عن السادة الخلفاء السادة الحنفاء ساداتنا وموالينا الكرام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

وقبل أن ابدأ بالدعاء تذكرت حكمة جميلة تقول، وأنتم كرامة: مجابهة السفيه سفاهة.

لنترفع ولنذكر قول الله ﷻ ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.

توجهوا إلى الله ﷻ بقلوبكم واسألوا ربكم حوائجكم إنه سميع قريب مجيب.

كذلك؛ نقرأ سويًا هنا خطبة عن هادم اللذات.. موعظة مؤثرة

الدعاء

  • اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا مولانا سميع قريب مجيب للدعوات.
  • اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا من أعمالنا، نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
  • اللهم بارك لنا في أعمارنا، وبارك لنا في أعمالنا، وبارك لنا في كل ما أنعمت به علينا، واجعلنا من عبادك الشاكرين.
  • اللهم أعط كل واحد منا سؤله، واقض لكل واحد منا حاجته.
  • اللهم اقض لكل واحد منا حاجته يا قاضي الحاجات يا مجيب الدعوات.
  • يا كاشف المهمات يا شافي الأمراض، يا دليل المتحيرين ويا غياث المستغيثين أجب دعاءنا اشف مرضانا تقبل دعائنا برحمتك يا رب العالمين.
  • اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد العالمين.

وأقِـم الصلاة.

والآن يا إخواني؛ قد انتهينا -بفضل الله- من تقديم خطبة الجمعة هذه؛ عن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وهي أحد خُطَب فضيلة الشيخ الدكتور فارس المصطفى -جزاه الله خيرا-. كما أوصيكم -كذلك- بمزيد عِلم وفِقه في خطبة عن هلاك فرعون؛ والتي تحتوي على قِصص وعبر رائِعة وثمينة؛ لا تفوتكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: