خطبة: حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

خطبة: حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

وفي هذه الأيام المبارَكة نُكمِل ونسوق إليكم كل جميل؛ ومنها ما لدينا الآن؛ وهي خطبة: حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته. والتي نتناول من خلالها هذا الموضوع بشَكل كبير ومُدقَّق. سائلين الله ﷻ الحليم الكريم أن ينفعنا وإياكم بخير الوعظ والإرشاد.

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين؛ القائِل في محكم التنزيل ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾؛ في شأن وخصوص الحبيب المصطفى ﷺ.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى

سيدنا محمد رسول الله ﷺ هو أعظم النعم التي أنعم الله ﷻ بها على العالمين، ومن نعمه السابغة أن بعثه الله ﷻ هادياً للناس إلى صراط مستقيم، وجمع ببعثته الكلمة، لذلك كان حقاً على كل مؤمن أن يشكر الله ربه ﷻ على هذه النعمة العظيمة من خلال الإيمان به ﷺ وإظهار محبته وتوقيره. يقول الله ﷻ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

ولذلك يجب على الأمة أن تعرف قدرَ نبيها ﷺ، وأن تؤدي حقه تعظيماً وتفخيماً، لأنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفي اتباع هديه دخول إلى الجنة، وفي شفاعته لأمته نجاة من النار، وفي تعظيمه ﷺ انعكاس لمحبته الراسخة في قلوب المحبين الذين يفدونه بأرواحهم، وينتصرون لسنته الشريفة، وقد نبّهنا ﷺ، إلى عظيم فضل الله ﷻ على الأمة ببعثته حين خاطب الأنصار بعد غزوة حنين قائلاً: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» ~ متفق عليه.

ومن حق النبي ﷺ على أمته الاتباع والطاعة وأن تتجلى في المؤمن صفة الإخلاص لنبيه الكريم ﷺ، وأن تفيض محبته القلبية على جوارحه سلوكاً عملياً، يبرهن على صدق هذه المحبة التي جمعت بين الروح والقلب تعظيماً لنبيه ﷺ، والالتزام بمنهجه ﷺ وسيرته العطرة.

لذلك كان حقاً لكلِّ نعمةٍ أن تُشكر، ولكلّ منَّةٍ أن تُذكر، فإن الشكر يديم النِعم، ولما كان قدر النعمة عظيماً وهو إرسال النبي الأكرم الذي تتقاصر دون شكره الهِمم، وتنقطع دون حقه العزائم، لعظيم حقه، وجليل قدرها، كان واجباً على المؤمنين بذل وسعهم وطاقتهم واستنفاذ جهدهم فإن ما لا يدرك كله لا يُترك جلّه، وأول هذه الواجبات، هي وجوب الإيمان به ﷺ وإظهار محبته.

يقول ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.

ويكون ذلك بالمداومة على الصلاة عليه، ودراسة سيرته الشريفة والمداومة على تذكر فضائله وخصاله الحميدة ليكون قدوة حية بين الناس ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

ومن عرف قدر نبيه ﷺ علِم بأن حقّه أن يُعظم ويوقر، وأن يُقدم على النفس والمال والولد، لأنه الهادي إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم، يقول ﷻ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾، ولأنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، يقول ﷻ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

ولأن في اتباع هديه دخول إلى الجنة، وفي شفاعته لأمته نجاة من النار، لذلك كان حقه علينا التعظيم والتوقير والتقدير، يقول ﷻ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.

قال المفسرون: أي لتعظموا نبيكم وتفخموا قدره وتسودوه بينكم، وتسبحوا ربكم بكرة وأصيلاً، وهذا التعظيم يكون بإظهار ذكر النبي ﷺ والمداومة عليه والإكثار من الصلاة عليه، متمثلين بقول الله ﷻ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، ويقول النبي ﷺ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» ~ سنن الترمذي.

إن تعظيم قدر النبي ﷺ ما هو إلا أثر عطر، وانعكاس لمحبته الراسخة في قلوب محبيه يقول الله ﷻ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

ومن حق النبي ﷺ على أمته كذلك  الاتباع والطاعة يقول الله ﷻ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، وإن من لوازم هذا الاتباع أن تتجلى في المؤمن صفة الإخلاص لنبيه الكريم، وأن تفيض محبته القلبية على جوارحه سلوكاً عملياً، يبرهن على صدق هذه المحبة، والالتزام بمنهج النبي ﷺ وسيرته الحسنة، يقول ﷻ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وعن تميم الداري أن النبي ﷺ، قال: «الدين النصيحة» ~ قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» ~ صحيح مسلم.

قال الإمام الآجري: “والنصيحة لرسول الله على وجهين: فنصيحة من صَاحَبَهُ وشاهده، ونصيحة من لم يره. فأما صحابته، فإن الله شرط عليهم أن يعزروه ويوقروه وينصروه، ويعادوا فيه القريب والبعيد، وأن يسمعوا له ويطيعوا، وينصحوا كل مسلم، فَوَفُّوا بذلك وأثنى الله عليهم به. وأما نصيحة من لم يره: فأن يحفظوا سُنَّته على أمته وينقلوها ويعلموا الناس شريعته ودينه ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فإذا فعلوا ذلك فهم ورثة الأنبياء”.

ومن حق النبي ﷺ كذلك أن نتخلق بأخلاقه الكريمة وأن نتعرف عليه وعلى آل بيته الأطهار وصحابته الكرام، من خلال قراءة سيرته الشريفة فهو الذي أرسله الله ﷻ رحمةً للعالمين واجتمعت فيه جميع صفات الحُسن والبهاء في أقواله وأفعاله، حتى أخبر عن نفسه بأنه ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» ~ مسند الإمام أحمد، وقد مدحه الله ﷻ وزكاه في صفاته وأخلاقه فقال ﷻ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. ووصفه الصحابة رضي الله ﷻ عنهم بأنه أحسن الناس خلقاً فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا» ~ متفق عليه، وعن سعد بن هشام، قال: سألت عائشة، فقلت: أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ؟ فقالت: “كان خلقه القرآن” ~ مسند الإمام أحمد.

لذلك كان حقاً على المؤمنين أن يتخلقوا بخلق النبي ﷺ وأن يقتفوا أثره في حسن التعامل وإشاعة المحبة والمودة والرحمة بين العباد، وقد قال ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ» ~، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ» ~ سنن الترمذي.

وهنا -كذلك- نجِد: خطبة عن محبة النبي لأمته ﴿حَرِيصٌ عَلَيكُم﴾

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

وجوب الأدب مع النبي ﷺ: بأن تكون الصلاة على النبي ﷺ تامة، يقيم الإنسان حروفها وحدودها سواء عند التلفظ بذكر الصلاة عليه أو عند كتابة صيغة الصلاة عليه، فلا يتلفظ بها إلا مع استحضار قدر نبيه ﷺ، ولا يكتبها إلا بإقامة حروفها فلا يكتبها اختصاراً أو ترميزاً.

ومن مظاهر توقير ومحبة النبي ﷺ وكمال الأدب معه، أن الله ﷻ نهى المؤمنين أن يخاطبوه باسمه مجرداً، لأن ذلك تشبه بفعل المنافقين، بل أمرهم بإظهار قدره وعظيم شأنه حتى في ذكر اسمه الشريف، يقول الله ﷻ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.

والله ﷻ لم يخاطب نبيه ﷺ إلا موصوفاً بصفة النبوة أو الرسالة، فخاطبه الله ﷻ بقوله: ﴿يا أيها النبي﴾، وخاطبه بقوله: ﴿يا أيا الرسول﴾، فالواجب على المسلم أن يخاطب النبي ﷺ بلفظ النبوة أو الرسالة، وكمال الأدب والتعظيم أن يخاطبه بإضافة لفظ السيادة إلى اسمه الشريف، بأن يقول: “سيدنا محمد ﷺ”، لقول النبي ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» ~ صحيح مسلم، فهو ﷺ سيد الأولين والآخرين وسيد الأنبياء والمرسلين، ويستحب كذلك أن يذكر المسلم النبي ﷺ بلفظ السيادة في التشهد وفي الصلاة الإبراهيمية سواء أكان في الصلاة أم خارجها.

ولا تنسوا الصلاة والسلام على نبينا المختار ﷺ كما أوصانا ربنا ﷻ في كتابه العزيز حيث قال -جل من قائِل- ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ فقد قدَّمنا لكم أعلاه يا إخواني؛ خطبة: حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته. فنسأل الله العليم الحكيم ﷻ أن تنتفعوا بها جميعًا؛ أئمة ومأمومين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: