خطبة عن الحصون المنيعة من فتنة المسيح الدجال

خطبة عن الحصون المنيعة من فتنة المسيح الدجال

هذه أوَّل خطبة جمعة نسوقها إليكم تتحدَّث عن هذا الموضوع وهذا الشَّأن. ولطالما طال انتظارها. إنها خطبة عن الحصون المنيعة من فتنة المسيح الدجال. والتي تأتيكم مُعزَّزة بالآيات القرآنية من كتاب الله ﷻ وبالأحاديث النبوية الشريف من سُنَّة الحبيب المصطفى ﷺ. فضلا عن المواعِظ الحسنة البليغة التي تتلاحَم مع كل هذا.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، أحمده سبحانه وهو ولي المؤمنين، ملاذ الخائفين، ومستعاذ المستعيذين، وغوث المستغيثين، أحمده سبحانه على كمال نعمة الدنيا والدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة باقية إلى يوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الأنبياء وسيد المرسلين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: أيها المؤمنون! اتقوا الله؛ فإن تقوى الله ﷻ عروة نجاتكم في الدنيا والآخرة، وتمسكوا بدينكم، واتبعوا هدي نبيكم ﷺ.

واعلموا رحمكم الله أن الله ﷻ أمرنا بالتقوى خصوصًا وعمومًا؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [سورة آل عمران: 102]؛ فأمر بها المؤمنين. وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [سورة النساء: 1]؛ فأمر بها الناس أجمعين.

الخطبة الأولى

عِباد الله؛ اعلموا رحمكم الله أن تقوى الله ﷻ باللجوء إليه والتوكل عليه تنجي العبد في الدنيا والآخرة، وتؤمنه من حوادث الدنيا.

فإن الله لما أودعنا هذه الدار؛ جعل فيها حوادث مفزعة، وقلاقل موجعة؛ من أعظمها: الفتن؛ إذ هي دارها؛ فإن النبي ﷺ قال: «لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة»؛ فهذه الدنيا بكلكلها وشدة زخرفها ليس فيها إلا البلاء والفتنة.

وفيها فتن متكاثرات، بأنواعٍ متغايرات.

فتنة المسيح الدجال

ومن أعظم هذه الفتن: فتنة حذر منها كل نبي، فما من نبي إلا أنذر منها قومه، وهي فتنة لم يأت منذ خلق الله الدنيا إلى يوم القيامة فتنةٌ أعظم منها، ولا تخرج تلك الفتنة حتى يذهل الناس عنها؛ وهي فتنة المسيح الدجال.

فإنها فتنة عظيمة، أنذر كل نبي قومه منها.

ولا تكون فتنة في الدنيا أشد من تلك الفتنة.

ولا يخرج المسيح الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى يترك الأئمة ذكره على المنابر.

وقد أخبر النبي ﷺ أن المسيح الدجال رجلٌ «أجلي الجبهة عريض النحر»[1]، عينه اليمنى عنبةٌ طافيةٌ؛ فهو أعور كما قال النبي ﷺ: «إن الله ليس بأعور- وأشار بيده إلى عينه- وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبةٌ طافيةٌ»[2].

وأخبر النبي ﷺ أن فتنة «أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم»[3].

فتكون له مدة مديدة؛ يثقل اليوم الأول منها على الناس؛ لشدة فظاعته وبشاعته وشناعته؛ فيكون يومٌ واحدٌ بمنزلة سنةٍ كاملةٍ، ثم يكون اليوم الثاني بمنزلة شهرٍ كاملٍ، ثم يكون اليوم الثالث بمنزلة جمعةٍ- أي أسبوعٍ كاملٍ-، ثم يستتم بقية مدته في أيام كأيامنا هذه.

وأخبر النبي ﷺ عن شدة فتنته، وأنه يأتي و «معه نهران أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج»[4]؛ فأما ذاك الذي يُرى رأي العين ماءً أبيض فهو نارٌ على الحقيقة، وأما ذاك الذي يُرى رأي العين نارًا فإنه ماٌ على الحقيقة.

وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي على القوم فيدعوهم؛ فإذا استجابوا له؛ حسنت أحوالهم، وكثرت أموالهم، وإن بم يستجيبوا له؛ أمحلت أموالهم وافتقروا.

وأخبر ﷺ أنه يشق رجلًا نصفين، ثم يأمره أن يقوم فيرجع حيًا كما كان؛ فتعظم الفتنة به، ويكثر أتباعه، ويعظم شره في الأرض.

الحصون الواقية من فتنة الدجال

وإن النبي ﷺ لما أخبر عن فتنته وحذرنا منها؛ أرشدنا ﷺ إلى حصون واقية، ودروع مانعة؛ هي التي ينبغي أن يعني المسلم بمعرفتها؛ فإن معرفتها هي مراد الشرع الأعظم من ذكر هذه الفتنة؛ إذ تظهر فيها عبوديات عظيمةٌ؛ من اللجوء إلى الله والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه.

فمن جملة تلك الحصون الحصينة التي أرشد إليها النبي ﷺ: تثبيت الإسلام، وتقوية الإيمان؛ فإن الذي ينجي من هذه الفتنة هو قوة إسلام العبد.

فإن النبي ﷺ لما ذكر أنه مكتوبٌ بين عينيه: (كافرٌ) – وهي كتابةٌ حقيقيةٌ-، ثم قال ﷺ: «يقرأها كل مسلمٍ»[5].

فأخبر ﷺ أن المكنة في معرفة هذه العلامة على كون الإنسان مسلمًا، ويقوى إدراكه لها على قدر قوة إسلامه.

ولذلك قال النبي ﷺ: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلمٍ»[6].

وتقوى تلك الخلافة والعناية من الله بأحدنا على قدر إسلامه.

فينبغي أن يجتهد العبد في تقوية إسلامه، وتثبيت إيمانه؛ حتى يتقي بها فتنة المسيح الدجال.

ومن جملة تلك الحصون الحصينة: البعد عن فتنته، وعدم الإقبال عليه.

فإن النبي ﷺ قال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه» أي فليبعد عنه، ثم قال ﷺ: «فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمنٌ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات»[7].

فإذا عرض المرء نفسه على فتنة المسيح الدجال ربما اتبعه؛ لشدة الشبهات التي يظهرها ويبديها للخلق.

ومن جملة تلك الحصون الحصينة التي يمتنع بها الإنسان من فتنة المسيح الدجال: حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف.

فإن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة الكهف عصم من الدجال»[8].

وتقع هذه العصمة: بأن يحفظها العبد ليقرأها إذا خرج المسيح الدجال.

فإن النبي ﷺ قال: «من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف»[9] يعني العشر الآيات المذكورة في الحديث الآنف.

ومن جملة تلك الحصون الحصينة: الاستعاذة من شر فتنته في التشهد الأخير خاصةً.

فإن النبي ﷺ قال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربعٍ»، ثم ذكر منها ﷺ: «ومن شر المسيح الدجال»[10].

فهؤلاء الأربع هي أعظم الحصون المنيعة؛ التي يحفظ بها الإنسان من فتنة المسيح الدجال.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

وهذه يا أكارِم خطبة عن نعيم القبر والبرزخ

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، رب السموات ورب الأرض رب العرش العظيم، وأشهد ألا إله إلا هو لا شريك له معبودًا حقًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صدقًا.

اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.

أما بعد: أيها المؤمنون! إن الله ﷻ امتن عليكم بدين كاملٍ؛ كما قال الله ﷻ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: 3].

ومن كمال هذا الدين: أنه ﷻ بين لنا ما يعرض من الفتن.

ومن جملة ذلك: فتنة المسيح الدجال التي أخبر عنها النبي ﷺ. ثم أرشد ﷺ إلى حصونٍ حصينةٍ منيعةٍ؛ من تعلق بها وتستر وراءها كانت واقية له -بإذن الله- من فتنة المسيح الدجال.

ومن كمال الشريعة: أن تلك الحصون أيضًا تقي من الفتن الأخرى.

فإن النبي ﷺ لما أرشدنا إلى الفرار من فتنة المسيح الدجال فالمراد بذلك أيضًا: الفرار من فتنةٍ ولاسيما تلك الفتن التي تلبس بالشبهات؛ إذ قال ﷺ: «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمنٌ، فيتبعه مما يبعث به الشبهات»[11].

وكما يكون هذا في الفتنة الكبرى بالمسيح الدجال؛ فإن سائر الفتن ينبغي أن يتعامل معها العبد كذلك.

فانأوا بأنفسكم عن الشبهات والفتن.

ومن جملة ذلك أيضًا مما يتبدى به كمال الشريعة: أن النبي ﷺ أرشدنا إلى الاستعاذة من شر فتنة المسيح الدجال، وها هي قرونٌ متطاولةٌ ولم تخرج تلك الفتنة في الأمة!

والمراد: أن يكون الإنسان باستعاذته من المسيح الدجال مستعيذًا من شر كل دجالٍ دونه.

فإن أحدنا إذا قال: (اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال)؛ فإنه يستعيذ بالله من الدجال الأكبر، وممن دونه من الدجاجلة.

فتكون استعاذة أحدنا بالله ﷻ من شر فتنة المسيح الدجال، واقيةً له من الدجاجلة الصغار.

وما من زمانٍ إلا وفيه دجاجلةٌ، ولا يتقارب الزمان إلا ويكثر الدجاجلة.

وما أكثر الدجل والكذب والتزوير والتخريف الذي يعتري دين الناس في ربهم ﷻ، أو في رسولهم ﷺ، أو في كتاب الله ﷻ، أو في صحابة رسول الله ﷻ!

فينبغي أن يعي المرء أن استعاذته من المسيح الدجال، هي أيضًا استعاذةٌ من الدجاجلة الصغار، وتنبيهٌ إلى خطر أولئك، وأنهم مقدمةٌ للمسيح الدجال.

فإنه ما من فتنةٍ عظيمةٍ، وآيةٍ كبيرةٍ؛ إلا جعل الله ﷻ بين يديها مقدماتٍ تعرف بها وتحذر الناس من شرها.

ومن جملة ذلك: أن الله يبتلي أديان الخلق بظهور الدجاجلة الصغار؛ ليكون في ذلك احتياطًا لهم من اتباع المسيح الدجال الأكبر إذا خرج.

فاعقلوا رحمكم الله حكمة شريعتكم، واتبعوا دين نبيكم ﷺ، وخذوا بالحظ الأوفر من تلك الحصون المنيعة التي تقيكم فتنة المسيح الدجال؛ فإنها- بإذن الله- تقي من الدجال الأكبر ومن كل دجال يكون دونه.

أمَّا هُنا؛ فنجِد خطبة عن نعيم الجنة

الدعاء

  • اللهم أحينا على الإسلام والسنة، وأمتنا على الإسلام والسنة.
  • اللهم أحينا على (لا إله إلا الله)، وأمتنا على (لا إله إلا الله).
  • اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام نائمين.
  • اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
  • اللهم إنا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى.
  • اللهم فرج كروب المكروبين، ونفس هموم المهمومين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضنا ومرضانا ومرضى المسلمين.
  • اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وخذ بناصيته للبر والتقوى.
  • اللهم ارزقه البطانة الناصحة الصالحة، وجنبه بطانة السوء.

وأقِـم الصَّـلاة..

  • [1] أخرجه أحمد (8020)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
  • [2] أخرجه البخاري (3439، 7407) ومسلمٌ (169)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
  • [3] أخرجه مسلمٌ (2937)، من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنهما.
  • [4] أخرجه مسلمٌ (2934)، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
  • [5] أخرجه مسلمٌ (2933)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
  • [6] أخرجه مسلمٌ (2937)، من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنهما.
  • [7] أخرجه أبو داود (4319)، من حديث بن حصينٍ رضي الله عنه.
  • [8] أخرجه مسلمٌ (809)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
  • [9] أخرجه مسلمٌ (2937)، من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنهما.
  • [10] أخرجه البخاري (1377) ومسلمٌ (588) – واللفظ -، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
  • [11] تقدم تخريجه.

وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية صفحتنا، والتي قدَّمنا لكم فيها خطبة عن الحصون المنيعة من فتنة المسيح الدجال؛ والتي ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور صالح عبدالله بن حمد العصيمي -غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين-. وقبل أن نترككم؛ ندعوكم لنجتمِع تاليًا في خطبة مختصرة ومشكولة عن أصحاب اليمين. نسأل الله ﷻ لنا ولكم ولسائِر المسلمين؛ التوفيق والسَّداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: