خطبة: المسلم لا يغش ولا يأكل أموال الناس بالباطل

تمت الكتابة بواسطة:

خطبة الجمعة , المسلم لا يغش ولا يأكل أموال الناس بالباطل

بدايةً هذه خطبة في غاية الأهمية إلى جهاتٍ عِدَّة؛ وهي خطبة: المسلم لا يغش ولا يأكل أموال الناس بالباطل. نسوقها إلى أولئك المسلمون الذين تهاونوا في تجارتهم، تخطوا حدود التعامل الطيب المبارك، والحلال الطاهر الشريف، وانجرفوا إلى خبائِث بشعة، ومستنقعات خبيثة؛ من الغش والجور والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.

بل وهذه الخطبة -أيضًا- إلى الذين يعرفون ربهم حق المعرفة، ويعلمون ما لهم وما عليهم في تجارتهم وبيوعهم؛ لتكون هذه الخطبة بمثابة تثبيتًا لهم على مواقفهم النبيلة الشريفة.

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين؛ القائِل في مُحكم التنزيل (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ). وأشهد أن لا إله إلا هو الحيّ القيوم؛ سبحانه خلق فسوّى وقدَّر فهدى، وأمرنا بكل بِر ونهانا كل إثم.

وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ الأسوة الحسنة، والمبعوث متممًا لمكارِم الأخلاق.

الخطبة الأولى

من صفات المسلم أنه صادق أمين، صادق في أقواله، أمين في أفعاله، يتقي الله ﷻ في كل أحواله اقتداء بالنبي ﷺ، ولا يقترب مما نهى الله عنه، ونهى عنه رسول الله ﷺ، فإن أسوتنا هو رسول الله ﷺ الصادق الأمين، فحري بالأمة الإسلامية أن تكون أمّة الصدق والأمانة، التي حملت أمانة المسؤولية وورثت رسالة الأنبياء، حتى عمّ الأمن والطمأنينة، وانتشرت الفضيلة، وتنامى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانت خير أمةٍ أخرجت للناس، لذلك أمر الله ﷻ المؤمنين بالتحلي بهذه الصفات العظيمة في كل زمان ومكان، فقال الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

فالصادق لا يغش الناس ولا يخدعهم، ولا يفرق صفهم أو يثير الفتنة والنعرة فيما بينهم لأتفه الاسباب فسلامة الصدر دلالة على صدق النوايا، وكذلك لا يحاول أن ينال مكاسب زائلة بالكذب والغش والخداع، لأن هذه الصفات تخالف فطرة المؤمن بالله ﷻ، وتخالف مبادئ الصدق والحق الذي جاء بها الإسلام.

والحق أن الغشَّ صفة قبيحة تأبى نفس المسلم أن تتصف بها لقوله ﷺ: (… منْ غشَّ فليس منّا) صحيح مسلم، ولا ريب أن التعامل بالغش ظاهرة سلبية خطيرة، وسبب لنزع البركة من الأموال، ويؤدي إلى الشقاء والتعاسة، وذهاب لذّة الحياة، وقلّة التوفيق من الله ﷻ وسبب لعدم استجابة الدعاء، وهو معرّض للوعيد الشديد من الله ﷻ يوم القيامة.

هذا وان من ينزه نفسه عن الغش بطبيعة الحال لا يأكل أموال الناس بالباطل، ولذلك نال التاجر الصدوق الأمين مكانة عالية عند الله ﷻ لأنه تخلق بأخلاق النبي ﷺ الذي عُرف بـ”الصادق الأمين” فالتاجر الصدوق الأمين له مكانة عالية عند الله ﷻ، فإن كان التاجر أميناً صادقاً شاع الأمن في المجتمع، وانتفى الجشع، وساد التكافل، لذا اعتنت الشريعة الإسلامية عناية كبيرة بحفظ هذا المال وحسن إدارته، وعلقت به الأحكام الشرعية، التي تصونه عن عبث المعتدين وأطماعهم.

وقد أخبر النبي ﷺ أن » التاجر الصدوق الأمين مع النبين والصديقين والشهداء« سنن الترمذي، فهذه المكانة العالية التي ينالها التاجر الصدوق الأمين عند الله ﷻ، بسبب أنّ المال قوام الحياة، بل هو شقيق الروح في الأهمية، وفي تعلّق النفس به، وهو سبب ازدهار الحضارات ونماء الأمم.

والتاجر هو القائم على إدارة جانب مهم لأركان الأمة وهو قوتها الاقتصادية، فإن كان التاجر أميناً صادقاً شاع الأمن في المجتمع، وانتفى الجشع، وساد التكافل، لذلك فقد اعتنت الشريعة الإسلامية عناية كبيرة بحفظ هذا المال وحسن إدارته، وعلقت به الأحكام الشرعية، التي تصونه عن عبث المعتدين وأطماعهم، فقال ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» سنن الدارقطني، كما ربط النبي ﷺ حرمة المال بحرمة الدماء والأعراض، فقال النبي ﷺ في خطبة الوداع، «فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب..» متفق عليه، فدم المسلم وماله وعرضه له حرمة عظيمة عند الله ﷻ ولا يجوز امتهانها مهما كانت الاسباب.

وجعل الله ﷻ التعدي على أموال الناس وأكلها دون وجه حق بالغش والخداع من كبائر الذنوب والمعاصي، فقال ﷻ: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

وحّذر المسلمين من الوقوع في هذا الذنب العظيم، ونبّه النبي ﷺ إلى أن من يغش الناس في معاملاتهم فإنه غير مكتمل الإيمان، وأن تصرفاته وسلوكه وأخلاقه يعتريها خلل لا بد من تقويمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» صحيح مسلم.

إن هذه الضوابط الشرعية التي وضعها الإسلام كان لها أكبر الأثر في قوة الإسلام وانتشاره في أقطار الدنيا شرقاً وغرباً، حيث كان التجار هم خير سفراء للإسلام، وقد تجلّت فيهم أخلاقه سلوكاً عملياً قويماً في تصرفاتهم، وأمانتهم في المعاملة، وصدقهم في البيع والشراء، فأضحوا خير سفير لقيم الإسلام ومبادئه، وأقبل الناس على دين الله أفواجاً لمّا رأوا الإخلاص في المسلمين وابتعادهم عن الغش والخداع في المعاملة، لذلك فإن كلّ فرد من المسلمين لا بدّ أن يكون مرآة تنعكس فيه صورة الإسلام الصحيح، وهو على ثغرة من ثُغر الإسلام فينبغي أن يكون سلوكه وخُلقه دعوةً إلى الله ﷻ، سواءً كان عاملاً في عمله، أو طبيباً، أو معلماً، أو تاجراً، وقد وصف الله ﷻ المؤمنين بأنهم يحفظون أماناتهم، ويرعونها، ويؤدون الحقوق لأصحابها، يقول ﷻ: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ).

وأما من يخادع الناس، ليأكل أموالهم بالباطل، ويغشَّهم في المعاملة، لأجل منفعة دنيوية عاجلة، فإنه بذلك الفعل قد ابتعد عن هدي الإسلام، وضيّع الأمانة التي أمر الله ﷻ بحفظها، وانقاد وراء نفسٍ دنيئةٍ تلهث وراء شهوات زائلة، ومتعةٍ ستجرُّ عليه شؤماً، وعذاباً أليماً يوم القيامة.

فمن الآثار السلبية للغش في التعامل مع الناس أنه سبب لنزع البركة من الأموال، فإن الكسب الحلال يبارك الله فيه وإن كان قليلاً، ينمو ويكون عوناً لصاحبه على طاعة الله، والمال الحرام يمحق الله بركته وإن كان كثيراً، لا ينتفع به صاحبه وإن بقي في يده، وقد يسلط الله عليه من يتلفه فيتحسر عليه صاحبه، يقول النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» متفق عليه، وهو كذلك سببٌ في الشقاء والتعاسة، وذهاب لذّة الحياة، فمن كثُر ماله من غشّ الناس وخداعهم، ابتلاه الله ﷻ بأن يُغلق عليه مفاتيح الخير والبركة، وتفتح له الطريق المؤدية إلى النار، يقول ﷻ: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

ومن العقوبات الربانية العاجلة في الدنيا للغش قلّة التوفيق وعدم استجابة الدعاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: “أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم}. وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ” صحيح مسلم.

وأما في اليوم الآخر، فإن جزاء من يغُش الناس ويأكل أموالهم بالباطل يوم القيامة، سيجد موازين العدل منصوبة يوم القيامة تأخذ الحقوق لأصحابها، وتطرح أهل الفساد في النار، وقد توعد الله ﷻ هذه الفئة بأشد الوعيد، يقول الله ﷻ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به» سنن الترمذي.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم..

وهذه: خطبة عن الاحتكار وغلاء الأسعار «مكتوبة»

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

إن من صور الغِش، أن يغُش الإنسان في أداء وظيفته ومسؤوليته، فالواجب على كل مواطن أن يكون أميناً وناصحاً للأمة؛ يحفظ أموال الأمة وأوقاتها بصدق وإخلاص وعناية؛ حتى تبرأ ذمته، ويطيب كسبه، ويُرضي ربه، وينصح لوطنه ولأمته، هذا هو الولاء لله والانتماء للوطن، عن جرير بن عبد الله، قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» صحيح البخاري.

وكما يحرم الاعتداء على الأموال الخاصة فإنه يحرم كذلك الاعتداء على المال العام، بل هو أشد حرمة، قال ﷺ: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة» صحيح البخاري.

هذا، وإننا نعيش هذه الأيام مع موسم قطاف شجرة الزيتون المباركة واستخراج زيتها الطيب في أكله والإدهان به، وإننا لنعتزّ بتصديره إلى دول العالم، فالواجب الشرعي يقتضي الابتعاد عن الغش بكل صوره لنكون الأنموذج في أخلاقنا الإسلامية النبيلة، وحتى تزداد البركة، ويعم الخير بإذن الله ﷻ، فإن جزاء من يغُش الناس، ويأكل أموالهم بالباطل في الآخرة أنه يجد موازين العدل منصوبة يوم القيامة تأخذ الحقوق لأصحابها، وتطرح أهل الفساد في النار، والعياذ بالله ﷻ.

إن الواجب على المسلم ألاّ يغش نفسه بترك العناية بجسده، أو مأكله، ومشربه فمن ترك الوقاية من الأمراض والعدوى فقد غشَّ نفسه وأوقعها في الضرر والمهالك، والعاقل ينصح نفسه قبل غيره، فإذا ابتعد عن غش نفسه فإنه لا يغش غيره لأنه ذاق طعم الصدق في نفسه.

عباد الله؛ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

وأقِـم الصَّـلاة..

إخواني؛ قدَّمنا لكم أعلاه خطبة: المسلم لا يغش ولا يأكل أموال الناس بالباطل. ولعلكم عرفتم جيدًا مقصدنا من هذه الخطبة وفحواها. وهذه أيضًا المقترحة؛ هي خطبة مكتوبة عن الغش والاحتكار واستغلال حاجة الناس. وفقنا الله وإياكم لكل خير وبِر.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: