خطبة: المسجد.. مكانته وآدابه ودوره في المجتمع

ومن أجل هذه البقاع الطاهرة على الأرض؛ نوفر لكم هاهُنا خطبة جمعة قويَّة ومؤثرة؛ بعنوان: المسجد.. مكانته وآدابه ودوره في المجتمع. سائلين الله العليم ﷻ أن ينفعنا وإياكم أجمعين بما جاء فيها من وعظٍ وإرشاد.

وكيف لا يكون هذا الموضوع في غاية الأهمية، وقد عظَّم الإسلام،في القرآن والسُّنَّة، مكانة المسجد وفضل إعمار بيوت الله؛ فضلا عمَّا جاء من آدابٍ لهذه البيوت الطاهرة المُنزَّهة.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمدًا رسول الله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

فضل يوم الجمعة

أما بعد؛ أيها المسلمون عباد الله فإنكم في يوم من أيام الله ﷻ، أنتم في خير يومِ طلعت عليه الشمس، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه طيب عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائمٌ يسأل الله ﷻ شيئا إلا أعطاه إياه، هذا اليوم العظيم يوم الجمعة المبارك، فيه من الأجر والثواب ما لا يقدر قدره إلا الله ﷻ.

ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث أوس بن أوس الثقفي -رضي الله عنه- أن رسول ﷺ قال «من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير﴾. فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

احمدوا الله على نعمة صلاة الجمعة

لقد جاءت رُسل ربنا بالحق، الحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة الإيمان، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على نعمة صلاة الجمعة.

والحمد لله الذي يجمعنا في المساجد المباركة، وأسأل الله سبحانه كما يجمعنا فيا أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا إخوانا على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها نصبٌُ وما هم منها بمخرجين.

أيها المسلمون عباد الله؛ يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: ما رأيت يوما أضوأ ولا أنور من يوم الإثنين الذي قدم فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة، وما رأيت يوما أظلم ولا أبأس من يوم الإثنين الذي توفي فيه رسول الله ﷺ.

قدم المدينة يوم الإثنين ضُحى فأنار منها كل شيء، وتوفي يوم الإثنين ضُحاً فأظلم فيها كل شيء، وما أن أيدينا من تُربته حتى أنكرنا قلوبنا.

مكانة المسجد في الإسلام

قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الإثنين ضحى، وأقام في ديار أخواله من بني عمرو بن عوف في قُباء أيامًا أربعة، من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة.

في هذه الأيام الأربعة أسس مسجد قُباء الذي نزل الله فيه قوله ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.

ثم لما كان يوم الجمعة ضُحًا تحرك رسول الله ﷺ من قباء إلى وسط المدينة عند ديار بني النجار، وكان كل ما مر بحيٍ من أحيائها تعلق به الأنصار عليهم من الله الرضوان وأخذوا بزمام ناقته يقولون: يا رسول الله هلُم إلينا هُلم إلى العدد والعدة هُلم إلى القوة والمنعة.

فكان يقول «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة»، مر على ديار بني سلمة، على ديار بني حارثة، على ديار بني بياضة، على ديار بني معاوية، وأدركته صلاة الجمعة في وادي رانوناء ما بين قباء والمدينة فصلى بأصحابه الجمعة هناك.

ثم لما وصل إلى ديار بني النجار بركت ناقته ﷺ وقد أرخى لها الزمام، ثم قامت فتحركت قليلاً، ثم رجعت حيث بركت أولاً، فألقت بجرانها وتحلحلت فنزل عنها ﷺ وهو يقول «ها هنا المنزل».

سأل عن ذلك المكان فإذا هو مِربدٌ لغلامين يتيمين من الأنصار، مربد؛ أي فناء، أو كما نقول بلساننا حوش أُتخذ لتجفيف التمر.

فاستدعاهما رسول الله ﷺ وقال لهما «ثامنوني بحائطكم»، قالوا: بل نهبه لله ورسوله.

قال -عليه والسلام- «لا إلا بالثمن»، أبى إلا بالثمن، دفع ثمنه ﷺ ثم نظر من خلفه، فإذا أقبرٌ للمشركين، قبور لناس من المشركين، وإذا أرض خربة فأمر بالقبور فنبشت، وأمر بالخربة فسويت ثم شرع ﷺ يبني مسجده المبارك، قبل أن يبني لنفسه بيتًا بنى لله مسجدا ومعه أصحابه كانوا يعملون، يحفرون، ويبنون وهم يقولون: اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.

وكان سيدنا رسول الله ﷺ ينقل الحجارة على كتفه الشريفة فقال الصحابة: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المُضلل.

وكانوا يقولون: لا يستوي من يعمر المساجد ويدأب فيها قائمًا وقاعدا ومن يُرى عن التراب حائدا.

أول مسجد في الإسلام

بني مسجد قُباء المسجد المبارك الذي هو ثاني المساجد قداسة عِندنا معشر المسلمين الصلاة فيه بألف صلاة.

هذا المسجد المبارك كيف كان بناؤه؟ كانت جدرانه من اللبن؛ من الطوب النيء، جدرانه من اللبن، أعمدته من جذوع النخل، سقفه من الجريد، فرشه من التراب.

وكان سيدنا رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخطب في أصحابه يصعد على جِذع نخلة من أجل أن يراه الناس حتى صنع له غُلام من الأنصار منبرًا من ثلاث درجات.

كان السقف من الجريد حتى إن المطر إذا نزل كان رسول الله ﷺ يسجد ثم يقوم فإذا أقبل على أصحابه بوجهه بعد الصلاة إذا أثر الطين على جبهته وعلى روثةِ أنفه ﷺ.

هذا المسجد بذاك البناء المتواضع أيها عباد الله يُتلى فيه القرآن، يُعلم فيه العلم، يُغاث فيه الملهوف، تُقضى فيه الحاجات، يُذكر الغافل، يُهدى الضال، يُرشد الجاهل.

لمسجد أسس على التقوى

في ذلك المسجد تُعقد مجالس الشورى، في ذلك المسجد تُنصب الرايات وتعقد الألوية للبعوث والسرايا التي كان رسول الله ﷺ يوجهها جهادًا في سبيل الله ذات اليمين وذات الشمال.

المسجد كان للكبار والصغار، للرجال والنساء للشيوخ والشباب، الكل يجد فيه غايته.

في مسجد رسول الله ﷺ يُصلي خلفه الرجال ثم الصبيان ثم النساء. كان النساء كما تقول أمنا عائشة: يشهدن صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ متلفعات بمروطهن، ما يُعرفن من الغلس.

تقول أم حارثة -رضي الله عنها-: ما أخذت سورة قاف إلا من فم رسول الله ﷺ يقرأها على المنبر يوم الجمعة.

هكذا كان مسجده ﷺ، وهو على المنبر يوم الجمعة يدخل رجل من ناحية باب القضاء والنبي ﷺ يخطب فيقول: يا رسول الله قد هَلكت الأموال وجاعت العيال، أمسكت السماء وأجدبت الأرض، أدع الله أن يغيثنا فداك أبي وأمي.

فرفع رسول الله ﷺ يديه وهو على المنبر وقال «اللهم أغثنا» ثلاثا، ثم رجع إلى خطبته.

يقول أنس: والله ما في السماء قزعة، ما كان في السماء سحاب، وما بيننا وبين سَلعٍ من بناء ولا جدار إذ أقبلت قزعة سوداء، سحابة سوداء فانتشرت ثم هطلت بمطر غزير فانصرفنا إلى بيوتنا نتوارى بالحيطان فتبسم رسول الله ﷺ وقال «أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله».

يقول أنس: فو الله ما رأينا الشمس سبتا، أسبوع كامل وهذا المطر يهطل.

يقول: فلما كانت الجمعة التي تليها دخل الرجل نفسه قال: يا رسول الله أدع الله أن يمسكها فقال ﷺ بيديه «اللهم حوالينا، ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال، والآجام والظراب، والأودية ومنابت الشجر»، أشرقت الشمس.

دور المسجد في المجتمع الإسلامي

هكذا كان مسجده ﷺ يقصده الجاهل من أجل أن يتعلم، يقصده الكافر من أجل أن يُسلم، يقصده ذو الحاجة من أجل أن يجد حاجته، الكل يقصد المسجد، تهوي إليه الأفئدة، تتعلق به القلوب لأنه كان مثابة للناس وأمنا. وهكذا ينبغي أن تكون مساجدنا معشر المسلمين عباد الله.

أنعم الله عليكم ببناء المساجد المباركة ببنائها الفخم الضخم وباحتها الواسعة وما يُلحق بها من مرافق مما يشرح الصدر ويُسر قلب كل مؤمن فالحمد لله على نعمته. ونسأل الله ﷻ لمن بنى مسجداً أن يبني الله له بيتا في الجنة.

هذه بشارة رسول الله ﷺ «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة»، ولو كبيت طائر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فما بالكم بمن بنى هذا البناء وأنفق تلك النفقة، أقول له: هذا توفيق من الله ﷻ.

فضل بناء المساجد وتعميرها

قل بلسان حالك وبلسان مقالك: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وإلا فإن ناسًا بسط الله لهم الأسباب، ووسع عليهم الأرزاق لكنهم عياذ بالله لا ينفقون في الخير أبدًا، مالهم مُسلط في الباطل، لا يعرفون لله فيه حقا، ولا يصلون رحما، ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم.

لكن الموفق من وفقه الله، المسدد من سدده الله «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة».

وفي الحديث الآخر «من بنى لله بيتاً بنى الله له مثله في الجنة».

يا أيها الإخوة الكرام، يا أيها المسلمون، يا عباد الله قد أنعم الله عليكم بنعمة المساجد، وقد قال -جل من قائل- ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.

آداب المسجد

ويجب أيُها المسلمون عباد الله أن تُعمر مساجد الله عمارة حسية ومعنوية؛ بإقام الصلاة، والإكثار من ذكر الله، ومجالس العلم، وحِلق القرآن، وأن تكون مساجدكم منارة لأهلها.

المساجد يفيء إليها الناس إذا أصبحوا وإذا أمسوا، يرتلون القرآن ترتيلا، ولا زلنا بخير أيها المسلمون عباد الله كلما رأينا بيتا لله يرفع في هذه البلاد هذه نعمة من نعم الله كما قال جل من قائل ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.

يا أيها المسلمون عظموا بيت الله ﷻ، اعرفوا له حقه، لا يدخلن أحدكم جُنبا، ولا تدخلن امرأة وهي حائض.

إذا دخل أحدكم المسجد في غير وقت نهي فليركع لله ركعتين قبل أن يجلس.

احرصوا على تشييد وتجهيز المساجد بما يليق ومكانتها. واحرصوا على أن تخرجوا إليها في أحسن هيئة، وأن تلبسوا أجمل الثياب واستعمال الطيب والسواك.

كما، من والآداب أيضًا، تجنب أكل الثوم أو البصل أو ماله رائحة كريهة، والعمل على إزالة ذلك بالماء والفرشاة والمعجون قبل الذهاب إلى بيت الله.

كما، ولا ترفعوا أصواتكم في بيوت الله ولو بقراءة القرآن على وجهٍ يشوّش على المصلين أو الذاكرين أو المتدارسين للعلم.

وغيرها من الآداب التي حثّنا الشرع الشريف على اتباعها.

المسجد مكان للسكينة والطمأنينة

المسجد مكان للسكينة، للطمأنينة، لاجتماع الكلمة، لوحدة الصف لإخوة الإيمان، ليس المسجد مكانًا للخلافات، ولا للنزاعات، ولا مكانا للقبليات، ولا العصبيات.

وليس المسجد مكانا لرفع الأصوات، ولا للشجار، ولا للبيع، ولا للشراء، ولا لنُشدان الضالة، ولا لحديث الدنيا.

وإنما المسجد كما قال رسول الله ﷺ «إنما هذه المساجد لذكر الله وإقام الصلاة وتلاوة القرآن»، هذه هي المهمة الأساس التي من أجلها بني المسجد والتي ينبغي أن نجهد في أحيائها.

يا من أنفقت مالك هنيئا لك وبشرى لك فإن الله ﷻ قد أضاف هذه المساجد لنفسه إضافة تشريف في آياتٍ من القرآن فقال ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، وقال ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه﴾، وقال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّه﴾، وقال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

الله ﷻ شرّف هذه المساجد بإضافتها لنفسه. يا من أنفقت هنيئا لك، يا من بذلت جهدا، يا من أشرت برأيٍ، يا من يسرت إجراءاً هنيئا لكم جميعا، وهنيئا لكم يا من سعيتم إلى بيت الله، يا من أقمتم الصلاة، يا من حضرتم مجالس العلم وحِلق القرآن.

قال رسول الله ﷺ «وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم الرحمة وغشيتهم السكينة وحفتهم الملائكة».

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يغفر لمن بنى مسجداً، وأن يجعله في موازين حسناته، وأن يضاعف له الأجر والمثوبة.

وأسأل الله ﷻ أن يغفر لمن عبده في أي مسجد مبارك، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات، وأن يجعل هذا المسجد باب خير للمسلمين من أهل بلدته.

توبوا إلى الله واستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله النبي الأمين بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أما بعد أيها المسلمون عباد الله؛ ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

المسلمون أمة واحدة

واعلموا إخوتي في الله أن المسلمين أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ربهم واحد، معبودهم واحد، ونبيهم واحد، قرآنهم واحد، صلاتهم واحدة، قبلتهم واحدة، ما يجمعهم، أكثر بكثير مما يفرقهم، وما يألفهم أعظم مما ينفرهم.

مطلوب منا أن نجعل مساجدنا للمسلمين جميعا على اختلاف طوائفهم، قبائلهم، أحزابهم، جماعاتهم.

فإننا في آخر الأمر تجمعنا رحمٌ واحدة هي كلمة لا إله إلا الله، هذا جواز مرورنا إلى الجنة، أقولها أنا وتقولها أنت ويقولها كل مسلم.

والحمد لله صلاتنا واحدة، المسلمون جميعا يصلون المغرب ثلاثا والعشاء أربعًا والصبح ركعتين لا يخالف في ذلك مُسلمٌ مسلما.

مطلوب منا إذا دخلنا بيت الله أن ننسى خلافاتنا، أن نخلع انتماءاتنا، أن ننسى ما بيننا من شجار، ما بيننا من نزاع، فهذه طبيعة الناس إذا اجتمعوا.

ربما يحصل خلاف لكن المسجد ليس مكانًا لتلك الخلافات، واعلموا إخوتي في الله أن تراثنا الفقهي واسع، وأن ديننا يُسر، وأن كثيرًا من المسائل التي يتنازع فيها الناس ويختلفون يسعهم ما وسع الأولين، يسعهم ما وسع الصحابة.

الصحابة -رضوان الله عليهم- اختلفوا في كثير من مسائل الفقه، في كثير من مسائل الدنيا لكن تلك الخلافات ما عصفت بوحدتهم، ولا ذهبت يريحهم، ولا سببت بينهم عداوات وشحناء وبغضاء، اللهم لا.

واعلموا إخوتي في الله؛ أن المسافر إذا صلى الجمعة فصلاته مجزئة عند الأئمة جميعًا، إذا صلى الجمعة لنفسه لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاته مُجزئة، وأنه يسقط عنه فريضة الظهر.

وأما إذا صلى بالناس إمامًا فصلاته مجزئة عند جماهير أهل العلم.

لا حرج على المسافر أن يصلي بالناس إماما يوم الجمعة وأن يخطب فيهم سِوى أن المالكية رحمهم الله قد قالوا: بأن المسافر إذا صلى الجمعة فإنها وإن كانت مجزئة إلا أنها في حقه نافلة، وعندهم ما ينبغي أن يصلي المفترض خلف المتنفل، هذه سعة فقهية وثراء علمي واستدلالٌ بالكتاب والسنة.

لكن ما ينبغي أن يُثرّب أحد على أحد، ولا أن يلوم أحدٌ أحدا، وإنما تناقش هذه المسائل في نطاق أهل العلم نقاشا أخويًا علميًا تعرض فيه الأدلة وتبسط فيه الأقوال، ويخرج الناس وقد سلمت قلوب بعضهم لبعض مثلما كان هَدي أصحاب رسول الله ﷺ.

أسأل الله العظيم رب العرش أن يجعل المساجد مساجد مباركة، وأن يبارك في من بناها، وأن يجزيه خيرًا، وأن يعمر بيته.


خطبة عن مكانة المسجد وآدابه ودوره في المجتمع

  • ألقاها: فضيلة الشيخ د. عبدالحي يوسف -جزاه الله خيرا-.
  • فحواها: تحدثت الخطبة عن المسجد؛ من حيث مكانته وآدابه ودوره في المجتمع. وكذلك العديد من النقاط والمواعظ الجوهرية العظيمة.
  • مُقترح أيضًا: خطبة عن أحوال الناس مع الصلاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: