خطبة عن مخاطر استباحة المال العام والحق العام؛ مُكْتَسِيَة بآيات وأحاديث وقصص معبرة

هل تنشُد خطبة ليوم الجمعة تتحدَّث عن مخاطر استباحة المال العام والحق العام؟ إذا كُنت كذلك فأنت هنا في المكان الصحيح معنا في ملتقى الخطباء بموقع المزيد؛ خطبة اليوم نُقدمها لك مكتسية بآيات من كتاب الله، وأحاديث نبوية من سُنَّة رسوله الأمين ﷺ؛ فضلاً عن قصص معبرة لتوثِّق الموضوع.

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، خلق الكون بقدرته ودبره بأمره ومشيئته وجعل كل ما في الكون من عاليه ودانيه مرهونا بمشيئته؛ سبحانه سبحانه. لا يحدث في كونه إلا ما يريد لأنه عز وجل، هو الفعَّال لما يريد.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اختار لنا خير دين اختاره لخلقه وهو دين الإسلام. جعل فيه لمن اتبعه العز في الدنيا والسعادة الدائمة يوم لقاء الملك العلام.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله؛ النبي الأمي الذي أعجز الحكماء والمتعلمين والعلماء والمفكرين بما جاء به في كتاب رب العالمين.

اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وارزقنا هداه ووفقنا جميعاً للعمل بما جاء به من شرع الله يا الله، نحن وأبناءنا وإخواننا والمسلمين أجمعين.

الخطبة الأولى

عِباد الله، إن التعدي على المال العام سواء كنت موظفًا أو غير موظفًا في الدولة فإن سرقة المال العام واختلاسه يعتبر من كبائر الذنوب سواء كان صغيرا أو كبيرا. ويعتبر من الغلول؛ قال -سبحانه وتعالى- (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون).

وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلا؛ والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم).

ومعنى الشملة أي نوعٌ زهيدٌ جدًا من القماش يلتف به الرجل لاتقاء البرد أو يستخدم لتغطية ضرع الناقة.

فانظروا إلى هذا الشيء اليسير الزهيد البسيط الذي أخذه هذا الرجل في غزوة خيبر دون عِلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقبل تقسيم الغنائم أصبحت نارًا عليه في قبره لأنه أخذها دون إذن وليّ الأمر؛ ووليّ الأمر آنذاك هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو من ينيبه في الغزوات.

وكذلك وليّ الأمر حاليا هو الرئيس أو من ينيبه في الوزارات والقطاعات.

ولذا فإن هناك من الناس أيها المسلمون من يتساهل أثناء فترة عمله فيأخذ شيئًا من عمله ويمتلكها، إما أغراضًا عسكرية، إن كان عسكريا، حتى وإن كان شيئا بسيطًا كالحِزام أو شُرَّاب أو شيئا زهيدا لا يساوي شيئا، أو ملابس مدنية، إن كان موظف مدنيا، كأغراض المكتب؛ كقلم أو دباسة أو غيرها من الأشياء اليسيرة؛ فإن ذلك قد ذكر العلماء أنه وإن كان شيئا يسيرًا لا يجوز له أخذ شيئًا من مكان عمله أو غيره، إن كانت للدولة؛ فإن هذا كله لا يجوز إلا بموافقة وليّ الأمر.

وما يأخذ شيئا يسيرا فإنه يعتبر غلولاً ويحاسب عليه يوم القيامة؛ إذا فما بالكم أيها المسلمون من يأخذ الأموال الطائلة بالملايين، فإنه ارتكب آثامًا عظيمة.

فإذا كان صاحب الشملة الذي سمعتم الحديث فيه، وهو قماش بسيط، التي أخذها في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- دون إذنه تحترق عليه في قبره؛ فما بالكم بهؤلاء ضعاف النفوس الذين يسرقون أموال المسلمين! كيف يكون حالهم يوم القيامة وحسابهم؟ إنه عسيرا.

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من مصير هؤلاء يوم القيامة؛ فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: – قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم [أي لا أجد أو يقابلني أحدكم] يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حمحمة [أي صوت الفرس]، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع [أي ثيابًا ونحو ذلك] تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت [أي ذهبًا أو فضة]، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك) ~ مُتَّفقٌ عليه.

وكل هذا تحذيرٌ من الغلول أيًّا كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأُمَّته.

فانظروا إلى هذا الحديث العظيم أن من يسرِق شيئًا من مكان عمله فإنه يحمله على رقبته يوم القيامة وإن كان شيئا يسيرا، ويعذَّب في القبر مما أخده.

ففي الحديث عند البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر على الصحابة -رضي الله عنهم- على قبور؛ فقال الصحابة: فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة).

نعم؛ فعلينا أن نحذر من أخذ شيءٍ مهما كان يسيرًا من أموال الدولة لأنه غلول، لأن هذا مالٌ عام للمسلمين.

نسأل الله -عز وجل- أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركا فيه، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

إن الدولة -أعزَّها الله بالإسلام- قامت بجهودٍ جبارا في القبض على مُختلسي أموال الدولة، وأعادت الكثير من الأموال إلى خزينتها؛ وعلينا أن نتعاون معها في كل من يسرق أموال المسلمين أو المرتشين أو من يقوم بالغش بكافَّةِ أنواعه أو غير ذلك من الصفقات الغير مشروعة أو المناقصات التي ترسي مع بعض المؤسسات المتفق معها من وراء الكواليس؛ ويجب الإبلاغ عن هؤلاء؛ لأن هذا ليس من الأمانة، بل هو من الخيانة، وهذا المال للمسلمين جميعًا؛ يجب أن يستفيد منه الجميع ولا يسرِقه ذوي الخيانة من مسؤولين مهما كانوا.

قال -سبحانه وتعالى- (وتعاونوا على البر والتقوىٰ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

ومن تورَّط في شيء من ذلك فعليه إرجاعه، حتى يتيقَّن أن ذمته قد برِئت من هذا المال.

الدعاء

  • نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يبرِّئنا من المال الحرام، قليله وكثيره؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
  • اللهم أَرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
  • اللهم وفق ولاة أمورنا لعمل الخير وما يُرضيك وتحبه يا أكرم الأكرمين.
  • اللهم خذ على أيدي المفسدين والمروعين للآمنين في هذا البلد، واقضِ عليهم قضاء مبرما يا أحكم الحاكمين.

عباد الله، إن الله -سبحانه- يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم؛ واشكروه على نِعَمهِ يزِدكُم؛ وأقِم الصلاة.


قدَّمنا لكُم أعلاه خطبة عن مخاطر استباحة المال العام والحق العام للشيخ عبدالله الاسمري -حفِظَه الله-. وهي ما ستكون عنوان خطبة الجمعة القادمة إن شاء الله -تعالى- لوزارة الأوقاف والذي أعلنه موقع أوقاف أونلاين آنِفًا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: