خطبة قصيرة عن السفر وآدابه وسننه

من الجيّد أن يكون بجعبة الخطيب خطبة عن السفر وآدابه وسننه؛ فما أكثر المسلمون الذين يسافرون هنا وهناك سعيًا وراء لقمة العيش والرزق الحلال الطيب، أو حتى طلاب العلم، أو رحلات الحج والعمرة.. وغيرها.

هنا نحن نقدم لكم خطبة جمعة مكتوبة عن السفر؛ نسأل الله ﷻ أن ينفع بها الإمام والمأموم.

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، أحل لنا الطيبات وأتم علينا النعمة وأكمل لنا الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، نبينا الصادق الأمين، ﷺ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- فإن ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة في تقواه ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون: إن ربنا ﷻ أحَل لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، ومن نظر نظر المتأمل في حكم الله وجد الحكم البالغة في تلك الأحكام؛ فما من شيء أحله الله إلا كان في حله خير للإنسان، وما من شيء حرمه الله إلا كان في تحريمه خير للإنسان، وعند ذلك يتجلى حق قول الله ﷻ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، ومن نظر في أحكام هذا الدين وجد أن ما فيها من حل وحرمة يتحقق به التكريم الذي أراده الله للإنسان وامتن به عليه في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾.

ومن رجع البصر كرتين – عباد الله – وفكر حق التفكير وقدر تمام التقدير، رأى أن في دين الله الحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة؛ فإن في دين الله اليسر الذي أخبر عنه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وفيه رفع الحرج الذي ذكره في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾، وفيه التخفيف الذي بشر به في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾.

ومن هنا كان كمال الدين منة من الله، وتمامه نعمة، وما أحسن قول ربنا ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾، فلا يملك المؤمن عند ذلك إلا أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه﴾.

يا أيها الذين آمنوا؛ إن من الطيبات التي أحلها الله لعباده السير في الأرض، ولا ينبغي للإنسان أن يكون سفره مهملا من غير نية خير؛ فإن النية الحسنة تجعل المباحات طاعات؛ فيكون في سفر الإنسان ثواب يجده في صحيفته، وما أعظم حاجة الإنسان إلى كل حسنة! وما أشد افتقاره إلى كل طاعة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ومن سافر منطويا على نية سوء – والعياذ بالله – وجد سوء نيته سيئات في صحائف أعماله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، إلا أن يتوب ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، «والتائب من الذنب كمن لا ذنب له».

وقد نبهنا القرآن الكريم على أن للسفر أغراضا وغايات؛ فالسفر يكون لطلب العلم الذي ينفي به الإنسان الجهل عن نفسه وعن الناس، يقول الله ﷻ: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، والسفر يكون لطلب الرزق والابتغاء من فضل الله كما في قوله ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.

والسفر يكون للنظر في الخلق وعجائبه وصنع الله الذي أتقن كل شيء، يقول الله ﷻ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وفي السفر نظر في أحوال الذين كانوا من قبلنا؛ ليعتبر الإنسان ويتعظ؛ فيأخذ الخير ويترك الشر، يقول ربنا ﷻ: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.

وقد قال النبي ﷺ: «في ديننا فسحة»، وإن من فسحة ديننا إباحة السفر؛ تنشيطا للنفس وتوسعة عليها وعلى العيال ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم، إنه هو البر الكريم.

وهنا نقرأ: العلم خُلُق وفضيلة.. خطبة جميلة ومميزة

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه وأتباعه المؤمنين الصادقين.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن للسفر آدابا لا ينبغي للإنسان أن يغفل عنها؛ فقد كان النبي ﷺ إذا خرج في سفر دعا بدعاء السفر، وكان إذا صعد مرتفعا كبر، وإذا نزل سبح الله، وكان إذا نزل في مكان قال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، وكان إذا عاد إلى وطنه دخل مسجده قبل دخوله بيته فركع ركعتين، وإن من الواجب في السفر أن يكون الإنسان على أحسن خلق؛ فلا يزعج الناس بعلو صوته أو سوء سلوكه وعمله، ويحافظ على نظافة المكان وحسنه.

وكم رأينا من التصرفات ما لا يفعله عاقل؛ فينزل الإنسان في مكان نظيف، ويغادره غير صالح للاستعمال والجلوس فيه؛ فأين هذا وتصرفه من هدي النبي ﷺ الذي يدعو إلى إماطة الأذى، وهو ألقى الأذى ولوث المكان، وحرم الناس من الانتفاع به، وليت من يصنع هذا الصنيع الشائن يتذكر قول الله ﷻ: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

هذا، وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

كذلك؛ لا يفوتك إمامنا الفاضِل هنا: خطبة عن إجازة منتصف العام «الإجازة الصيفية»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: