خطبة عن الرفق بالحيوان

لا تعجَب أن تجد اهتمامنا اليوم بتوفير خطبة عن الرفق بالحيوان لكل الأئمة والخطباء في كل بقاع الأرض. لِم لا، وقد حثَّنا الشَّرع الشريف على هذه السلوكيات الطيبة والتصرفات الحسنة؛ بل ووجَّهنا نحوها توجيها.

هذه خطبة مكتوبة حول أمر الرفق بالحيوانات، وبيان ما لهم من حقوق. نعم؛ لقد قرأت الجملة بشكل صحيح؛ فالدين الإسلامي عني بهذه الأمور وبيَّنها لنا حتى نكون على بصيرة لما نفعله مع هذه المخلوقات.

خطبة الجمعة هذه مميَّزة؛ فلا تفوّتها. فقد ألقاها فضيلة الشَّيخ عبد العزيز السويدان -جزاه الله خيرا- ونسأل الله ﷻ أن ينفعنا وإياكم بما جاء بها.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال -عليه الصلاة والسلام- «إن لله مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها»، وفي لفظ: «حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة».

قال «وأخر الله تسعا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة».

إنه الرحمن الرحيم الذي كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق «إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش»، صح ذلك في البخاري.

ثم بعث محمد رسول الله ﷺ رحمة للناس أجمعين عربهم وعجمهم مؤمنهم وكافرهم.

النبي ﷺ رحمة مهداة

وكان أرحم الخلق أجمعين بل شملت رحمته ﷺ العجماوات من الطير والحيوان فكان رحمة مهداة.

قال الله ﷻ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقال ﷺ «إنما أنا رحمة مهداة».

وينطلق الهَدِي النبوي في تعامله مع الحيوان في توازن يجمع بين منفعة الإنسان وبين الرحمة والرفق فيأمر بالرحمة بالحيوان وعدم القسوة عليه، ولا يتجاهل احتياجات الإنسان الغذائية والمعيشية التي تتطلب الانتفاع بالأنعام.

الرفق بالحيوان في الإسلام

ومن ثم فإن الإسلام لا يسمح بالعبث بالحيوانات أو إيذائها، أو تعذيبها كمسابقات صراع الديوك، أو صراع الكلاب أو صراع الثيران التي يستمتعون بتعذيبها، أو ما شابهها من الممارسات الوحشية البئيسة.

أو تكليف الحيوانات ما لا يشق عليها؛ كالإسراف في حمل الأثقال على ظهرها بلا رحمة دون مراعاة قدرتها الجسدية.

كما إن الإسلام في الوقت ذاته لا يوافق على مبدأ بعض جماعات الرفق بالحيوان المعاصرة التي تدعو إلى منع قتل الحيوانات بالكلية تذرعًا بالرفق معها وحماية حقوقها.

معاشر الإخوة؛ الإسلام دين الرحمة والعدل لا يقبل أن يقع ضيمٌ أو ظلمٌ أو تعدٍ في الأرض أو في البحر أو في السماء على أي من المخلوقات بل إنه يرتب على هذه الأفعال الشنيعة ولو كانت على الحيوانات عقوبة شديدة.

في صحيح البخاري من حديث ابن عمر قال ﷺ «عذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض».

ومع أن الإسلام كرم الإنسان ورفع قدره وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلا إلا أنه شدد على من تقسو قلوبهم على الحيوان ويستهينون بآلامه وتعذيبه.

في صحيح مسلم من حديث شداد ابن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».

طريقة التعامل مع الذبائح في الإسلام

وهذا ما نقوله لمن أراد أن يباشر ذبيحته سواء كان أضحية أو غير أضحية.

فهناك إهمال واضح وشنيع في طريقة التعامل مع الذبائح، وهذا ما وجدناه في الأيام الماضية أيام التشريق.

وقد يكون فيها شيء من التعذيب والقسوة قد يتخذها البعض وسيلة للتندر والضحك عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهي ليست كذلك عند الله ورسوله، وسيلة للضحك والتندر بل هي ظلم واعتداء.

في صحيح الترغيب من حديث ابن قال: مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يُحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها قال ﷺ «أفلا قبل هذا؟» يعني حددت شفرتك؟ «أتريد أن تميتها موتتين؟»، وفي لفظ؛ وهو يحد شفرته وهي تلحظ ببصرها إليه فقال «أفلا قبل هذا؟ أتريد أن تُميتها موتات، هلا أحددت شفرتك قبل أن تضيعها؟».

سنن الذبح وآدابه

وفي صحيح الأدب المفرد من حديث قرة بن إياس أن رجلا قال للنبي ﷺ: إني لأرحم الشاة أن أذبحها، قال ﷺ «والشاة إن رحمتها رحمك الله، والشاة إن رحمتها رحمك الله» كررها مرتين ﷺ.

كيف تريحها؟ بأن حددت الشفرة فأرحتها، وأخفيت الشفرة عنها قدر استطاعتك، وأسرعت في الذبح، وأنك لم تذبحها أمام أختها وهي تنظر إلى الذبح، ونحو ذلك من الآداب.

وقد نهى النبي ﷺ عن قتل للحيوان عبثًا بلا سبب شرعي ففي صحيح الترغيب من حديث عبد الله بن عمرو قال ﷺ «ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا يسأله الله ﷻ عنها»، قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال «أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمي بها».

حالات إعفاء الدابة من الذبح

ألا تعلمون أيها الإخوة سنة غائبة، ألا تعلمون أنه ينبغي إعفاء الدابة عن الذبح في بعض الحالات؟ منها:

إذا كانت الدابة قد انتفعت بها انتفاعًا كبيرًا، في صحيح مسلم من حديث عمران ابن حصين في قصة المرأة الأنصارية التي أُسرت من قبل بعض المشركين ثم تخلصت منهم بهروبها على ناقة النبي العضباء التي كانوا قد غصبوها من قبل، أي؛ غصبوا العضباء من قبل أي المشركون، فنذرت تلك المرأة لله إن نجاها الله عليها أي على العضباء لتنحرنها.

فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ﷺ.

فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال «سبحان الله! بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد».

أسأل الله ﷻ أن يصلح قلوبنا وأعمالنا.

خلق النبي في التعامل مع الحيوانات

ففي مجمع الزوائد من حديث يعلى بن مرة قال: كنت معه أي؛ رسول الله ﷺ جالسا ذات يوم إذ جاء جمل يخببُ حتى ضرب بجرانه بين يدي رسول الله ﷺ ثم ذرفت عيناه؛ ذلك الجمل فقال الله عليه وسلم «ويحك انظر لمن هذا الجمل فإن له شأنا».

فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته إليه فقال له ﷺ «ما شأن جملك هذا».

قال صاحبه: لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال ﷺ «لا تفعل هبه لي أو بعينه».

قال الرجل: بل هو لك يا رسول الله.

قال: فوسمه بميسم الصدقة أي؛ إنه لا يمس ثم بعث به.

هذا الحديث وغيره يكشف لنا خلق النبي ﷺ وأسلوبه في التعايش مع الحياة بجميع ما فيها بأمن وأمان وطيبة وشفقة ووفاء.

فكانت الرحمة واللين وخفض الجانب والعدل والإنصاف سماته البارزة التي يلمسها منه الإنس والجن والصديق والعدو والحيوان والجماد.

في حديث عبد الله بن جعفر في مسند أحمد أن جملاً لما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فمسح رسول الله ﷺ سراته وظفراه أي؛ سنامه ومؤخرة رأسه، فسكن الجمل، فقال ﷺ «من صاحب الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله فقال ﷺ «أما تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلككَ الله إياها، فإنه شكا إليّ أنك تُجيِعه وتُدئبه»، تُتعبه بالعمل الكثير وتُجيعه.

النبي ﷺ ينهانا عن ترويع الحيوانات

يقول له ﷺ  «أما تتقي الله؟» بل مجرد ترويع البهيمة نهى عنه ﷺ في صحيح الترغيب من حديث ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمّرة، وهي نوع من الطيور البرية الصغيرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت تعرش؛ ترفرف بجناحيها خائفة على صغارها، فجاء النبي ﷺ فقال «من فجع هذه بولديها ردوا ولديها إليها».

وقد يعذب بعض السفهاء البهيمة لأجل المتعة والضحك ولا يعلمون اللعن المترتب على هذا الفعل الشنيع.

في صحيح مسلم من رواية سعيد بن جبير أن بن عمر مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا أي؛ نصبوه هدفا لهم، وهم يرمونه بالسهام وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، كلما أخطأ سهم أحدهم “ذلك الطير” أعطى صاحب الطير مالا.

فلما رأوا بن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضا.

لا يجوز وسم الدابة بالنار على الوجه

بل نهى عن وسم الدابة بالنار في الوجه، في صحيح مسلم من حديث جابر قال: إن النبي ﷺ مر عليه حمارُ قد وسم في وجهه، فقال ﷺ «لعن الله الذي وسمه».

بعد هذه النصوص التي تنهى عن تعذيب الحيوان، طبعا لا نتكلم عن الإنسان الآن فموضوعنا موضوع الحيوان.

نرى الإسلام يرتب على الرحمة بالحيوان الأجر في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال ﷺ «بين رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خُفة ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له».

قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا؟ قال ﷺ «في كل كبد رطبة أجر».

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه.

وهنا -أيضًا- نجِد: خطبة جمعة حول ضرورة الحفاظ على البيئة

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

لا زِلنا -عباد الله- مع حقوق الحيوان ودعوات الإسلام إلى الرفق بالحيوان في كثير من المواضِع.

الإسلام هو من وضع مبدأ الرفق بالحيوان

الإسلام يا إخوة هو الذي وضع للناس مبدأ الرفق بالحيوان خلافا لما يظنه بعض الجُهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوروبيين والغربيين.

بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها ونظموها تنظيما دقيقا، وتبنتها دولهم فصار الرفق بالحيوان من مزايا قسم كبير منه حتى توهم الجُهال أنه من خصوصياتهم، لا لا يا أخي المسلم.

نحن المسلمون أحق بها وأهلها، ولكن الإسلام لما نُحّي عن كثير من معالم حياة المسلمين خسر المسلمون جزءا كبيرًا من هويتهم.

الدعاء

  • أسأل الله ﷻ أن يرينا الحق حقاً وأن يرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يثبتنا جميعا على دينه، وأن يختم بالصالحات أعمالنا.
  • اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين.
  • اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها أولها وآخرها علانيتها وسرها.
  • اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
  • اللهم إنا نسألك حسن القول والعمل.
  • اللهم من أرادنا بسوء في أمننا أو ديننا فكف عنا شره.
  • اللهم جنبنا الفتن ما ظهر ومنها بطن.
  • اللهم عليك بأعداء الإسلام فإنهم لا يعجزونك، أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب.
  • اللهم فرج هم المستضعفين من عبادك الموحدين في كل مكان.
  • اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، واغفر لنا ولوالدينا، ولأمواتنا وأموات المسلمين.

وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.

وقد ينال إعجابكم أيضًا: خطبة عن نعمة الماء وحسن تدبيره والمحافظة عليه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى