خطبة الجمعة عن بداية العام الجديد

بين عام نودعه وعام نستقبله.. هذا هو عنوان خطبتنا اليوم. نعم؛ لقد أعددنا لخطبائنا الأكارم خطبة الجمعة عن بداية العام الجديد؛ سواء كان العام الهجري أو الميلادي. فالمبدأ والنُصح والإرشاد واحِد؛ وهو حول كيفية استقبال أعوامنا هذه، وما يجدر بنا فعله خلال أيامها وشهورها.

مقدمة الخطبة

الحمد لله مقلب الليل والنهار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، نبينا المختار، ﷺ، وعلى آله وصحبه وأتباعه المهتدين الأبرار.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- فمن اتقاه نال رضاه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون؛ دخل علينا عامنا هذا، ويوشك أن يفارقنا من غير أن يعود، فمرت مواسمه، وذهبت أيامه، وانقضت مناسباته، وما كان أسرع أيامه! ولا عجب؛ فذلك شأن الأعوام، وتلك عادة الأيام، وقد ” قيل لنوح -عليه السلام- وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما: كيف رأيت هذه الدنيا؟ فقال: كداخل من باب وخارج من آخر”.

فطوبى لمن كثر حسناته، وسعى إلى رفع درجاته، واجتهد في تكفير سيئاته وحط خطيئاته، فصنع المعروف، وعمل صالحا، وقدم لنفسه، وكان عظيم الهمة، ثمر وقته في فعل الخير، وأنفق عامه في عمل البر؛ فكان بين أداء واجب، واجتناب محرم، وإحسان إلى والدين، وقيام على شأن أسرته وأولاده، وإعانة محتاج، وتيسير على معسر، مخلصا في ذلك كله لله، واقفا عند أمر الله الذي قال فيه ربنا ﷻ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.

عباد الله؛ إن من حقوق الله الواجبة – وقد انقضى العام ونحن بخير – أن نشكره على نعمائه، ونحمده على آلائه؛ فإن في الشكر زيادة النعماء، ودفع البلاء، وما أحرى الإنسان أن يعلق على شغاف قلبه قول الله ﷻ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.

وشكر الإنسان عائد خيره عليه، وكفرانه نعم الله عائد ضرره عليه؛ فإن الله غني عن العالمين، فشكر الشاكر لا يزيد في ملك الله شيئا، وكفر الكافر لا ينقص من ملك الله شيئا، يقول ربنا ﷻ ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، فما عليك – يا أيها الإنسان – إلا أن تحمد الله على ما أعطاك، وفي حمدك له الرضى، وماذا بعد الرضى إلا الفوز العظيم، ولنسمع هدي نبينا محمد ﷺ في بيان طريق الرضى بالحمد لله؛ فإنه يقول: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها».

وإن من الكياسة أن يخلو الإنسان بنفسه وهو في آخر العام؛ ليرى ماذا قدمت وماذا أخرت، وما الذي يحسب لها وما الذي يحسب عليها، وماذا كان منها من إنجاز وماذا كان منها من تسويف؛ فإن الناجحين من السابقين واللاحقين ما كانوا يتركون عمل اليوم للغد.

وقد سُئل حكيم عن ذي القرنين: ” أكان نبيا؟ قال: لا، ولكنه أعطي ما أعطي بأربع خصال كانت فيه: كان إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا حدث صدق، وكان لا يترك شغل اليوم لغد “، فمن وجد خيرا وإنجازا وتقدما ونجاحا فليحمد الله؛ فإن ذلك من فضل الله ورحمته ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ومن وجد تأخرا وذهاب زمان من غير أن يقدم لنفسه شيئا، أو قدم دون ما كان يستطيع أن يقدمه، فليشمر عن ساعد الجد، وليأخذ نفسه بالعمل الدؤوب، والجد والاجتهاد، والصبر والمصابرة، حتى تصل كما وصل غيرها، وتنتج كما أنتج غيرها ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

ولا يفوتكم أيضًا هنا: خطبة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن من أسرار النجاح وضع خطة وبرنامج للعام القادم؛ ونحن نرى أن الدول والمؤسسات العامة والخاصة تضع لها خططا سنوية، تجد في تنفيذها، وتتابع ذلك التنفيذ بصفة دورية؛ حتى تعلم ماذا حققت وماذا تركت، وما السبيل إلى زيادة ما تحقق وتحقيق ما لم يتحقق؛ لتكون حياة الإنسان قائمة على النظام، بعيدة عن الفوضى، والعاقل من يزداد عمله كل يوم.

وقد قال أحد الصالحين: “ما ندمت على شيء كندمي على يوم نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي”، والزيادة لا يلزم أن تكون كمّا، بل قد تكون نوعا وإتقانا، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

وكان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ أدومها وإن قل، وديننا دين النظام وضبط كل عمل بميقاته، وحسبنا ذكر عبادة واحدة وهي الصلاة؛ فإن لكل صلاة ميقاتا تؤدى فيه، ولا شك أن من حكم ذلك التوقيت والانتظام أن ربنا تبارك وتعالى يريد منا أن ننتظم في كل شؤوننا وأحوالنا؛ لتمتلئ صحائفنا بالعمل المتقن النافع في الدنيا والآخرة؛ لنكون ممن يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

هذا، وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

وختامًا؛ هنا -كذلك- لدينا: خطبة أول جمعة من العام الجديد «مكتوبة»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: