free counter

خطبة الجمعة القادمة: الإمام الشافعي ودوره التجديدي في عصره “مكتوبة”

خطبة الجمعة القادمة, الإمام الشافعي

من جديد، ومع الموعد الأسبوعي لموضوع خطبة الجمعة القادمة، والتي حُدِّدت بعنوان: الإمام الشافعي ودوره التجديدي في عصره. وهنا نوفِّر لكُم الخطبة “الغير الرسميَّة” هنا مكتوبة.

الحمد لله الذي خلقنا فسوانا، وأحسن صورنا وعافنا، وأكرمنا بعبوديته وهدانا، وبدينه الحنيف من بين الأمم آثرنا واصطفانا، الحمد لله الذي شرح بالإسلام صدورنا، ولم يعمِ عن الحق بصائرنا وأبصارنا، والحمد لله أن جعل حبيبه محمد نبينا وشفيعنا وساقينا على حوضه الشريف بإذن الله ومنته، الحمد لله الذي أعز دينه وأظهره على الدين كله رغم كره الكارهين، وكيد الفجرة والكافرين، فجعل كلمته العليا، وكلمتهم السفلى، وأيد الدعوة بالحجة والمعجزات وأنزل كتابه من فوق سبع سماوات.

والصلاة والسلام على من أضاء الله به الظلمات، وفرق به بين الحق والباطل، ونصر به المستضعفين، ورفع بدعوته الأذلاء والمقهورين، حامل لواء الحق المبين، ومبلغ الرسالة النبي الأمي الأمين، خاتم النبيين والمرسلين، خير الخلق أجمعين، ورحمة الله المهداة للعالمين، ثم أما بعد ..

فإن مجالس الذكر والعلم والتفكر في خلق الله من أحب المجالس إلى الله، يتقرب بها العارفون ويغتنم رحماتها الصالحون، وينضم إليها الساعون إلى الخير والحريصون على النفع والأجر، وهنا سوف نقضي بعض الوقت في الحديث عن رجل من رجالات الفقه وأعلامه، الذي أعزه الله بالفقه وأعز به الفقه، وكانت دراسته له إضافة حقيقية مؤثرة في أبناء عصره والأجيال التالية، حتى بقي إلى يومنا هذا عن (الإمام الشافعي ودوره التجديدي في عصره) سيكون حديثنا، وحول سيرته العطرة، وجهده المشكور سنحلق، سائلين الله أن يوفقنا إلى قول ما يحبه ويرضاه ويجعلنا ممن، يرون نجوم الهدى فيهتدون، ويسلكون مسالك العلم فيتعلمون وبه يعملون، ويسمعون القول وأحسن القول يتبعون.

الإمام الشافعي ورحلته مع العلم

هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ، يلتقي مع النبي في جده عبد مناف بن قصي، ومن ثم فهو ابن عم النبي ومن آل بيته الشريف الذين لا يجوز لهم الصدقة.

ولد الإمام الشافعي سنة مائة وخمسين من الهجرة في مدينة غزة بفلسطين، فقررت والدته أن ترحل به إلى مكة حتى لا يضيع نسبه، وليتعلم بعلم أهلها ويشرب من مشاربهم، كانت أمه شديدة الحرص على تعليمه، وكان لانتقاله معها إلى مكة عظيم الأثر على نشأته العلمية المتميزة جداً، فبرغم شظف العيش وضيق ذات اليد فقد بدأ حفظ القرآن الكريم وهو صغير السن، وأتمه وهو في السابعة من عمره، ولم تتوقف همته عن طلب العلم بل واصل المسيرة ونجح في دراسة وحفظ “الموطأ” للإمام مالك وهو في العاشرة من عمره، وكان –رحمه الله- شديد الشغف بتحصيل العلم وجمعه، فهو يتبع المحدثين ويدون كل ما يسمعه منهم ويدرسه ويحفظه، حتى عرف بنجابته وذكائه الشديد، وحرصه على جمع العلم بكل وسيلة ممكنة.

لم ينصرف تركيز الإمام الشافعي فقط إلى دراسة العلوم الشرعية من الحديث والفقه ونحوه بل شمل أيضاً دراسة علوم اللغة والتفقه فيها ومعرفة أسرارها، فصار شاعراً مفوهاً وحكيما عظيماً لا يشق له غبار، ولعل الفضل في ذلك يرجع إلى رحلته إلى البادية فقد ترك مكة زمناً وصاحب قبيلة هذيل التي كانت تعرف بأنها أفصح قبائل قريش لهجة، وأبلغها بياناً، فكان لذلك أثره العظيم على براعته في اللغة والأدب والشعر، وصار له رصيد من القصائد التي تنطوي على العبر والحكم الرائعة والبالغة العمق والقوة التي ننهل منها حتى عصرنا الحالي.

لما صار الإمام الشافعي متمكنا من اللغة مفوهاً وقد ملك زمام البيان عاد إلى مكة ليواصل طلب العلم الشرعي، ولا يزال كذلك حتى ذاع صيته وانتشر خبر براعته وحكمته فإذن له بالإفتاء وهو لا يزال في الخامسة عشر من عمره أو أكثر بقليل.

انتقل بعد ذلك من مكة إلى المدينة فلقي الإمام مالك بن أنس، فتتلمذ على يديه وتفقه عليه وظل يأخذ عنه العلم إلى أن مات الإمام مالك عام 179 من الهجرة، وكان قد تعلم الشافعي على يديه الكثير مما يؤهله ويمكنه، فأراد أن يبحث عن وسيلة لكسب العيش يعف بها نفسه ويسد بها حاجته، وقد تزامن ذلك مع قدوم والي اليمن إلى مكة فأشار بعض الناس على الشافعي باصطحابه، فاصطحبه وعمل في اليمن حتى ذاع صيته ووصل خبر سمعته الطيبة وعدالته وأمانته فتولى أمر نجران، وقد كان في نجران والياً ظالماً تصدى له الشافعي ولم يقبل مداهنته ولا مجاراته، فكاد له وتربص به حتى أوقعه في فتنة كبيرة وعرضه لمحنة قاسية.

اتهم الشافعي بموالاته للعلويين، وتمكن ببراعة القول والعقل والحكمة أن يخرج من تلك المحنة بعد أن فقد الولاية، وأصبح متفرغاً لطلب المزيد من العلم الشرعي، فكانت تلك المحنة خير له، حيث التقى بعلماء بغداد وأخذ عنهم، ومنهم محمد بن الحسن وأبي حنيفة النعماني وغيرهم من أرباب الفقه وعلماء الشريعة، ليعد بكل ذلك العدة للانطلاق نحو تأسيس مذهبه الشافعي ونشره في ربوع البلاد، وليعمق أثره في أصول العلم والفقه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، والحمد لله عدد نعمه التي لا تحصى ولا تعد وفضائله التي ليس لها عد، ولطائفه التي لا تحد، والصلاة والسلام على خير الخلق والأنام، نبيي الرحمة ورسول السلام، وعلى أزواجه وآل بيته الكرام، وصحبه السادة والأعلام، والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين،،، ثم أما بعد،،،

فما زلنا نتحدث عن رحلة علمية غاية في الثراء والعظمة، يحمل لوائها علم من علماء الشريعة واللغة، قدم الكثير والكثير مما ينتفع به وسيظل ينتفع به من العلم إلى ما شاء الله، عن (الإمام الشافعي ودوره التجديدي في عصره) نكمل الحديث.

بعد أن مكث الشافعي في بغداد زمناً وأخذ عن علمائهم الفقه عاد إلى مكة وبدأ يلقي دروسه في الحرم المكي، وقد أخذ عنه الكثير والكثير من العلماء في موسم الحج والتقى به (أحمد بن حنبل) إمام المذهب الحنبلي في الفقه، وأخذ عنه وشاع خبر الشافعي، وبدأ فقهه ومحاضراته ودروسه تصطبغ بصبغة خاصة تمزج بين فقه المدنيين والبغداديين، وتعرض رؤاه الشافعية الخاصة التي صقلتها دراساته المتعمقة في علوم الدين واللغة، وجعلتها بالغة الأثر فيما بعد.

عاد الإمام الشافعي إلى بغداد ثانية حاملًا لواء مذهب جديد في الفقه الإسلامي الذي اعتبر علم الفقه علماً كلياً تعرف به الفروع والجزئيات، وضع الإمام لمذهبه طرقا للاستنباط، والاستدلال اعتماداً على الكتاب ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وصحيح السنة، كما وضع ضوابط الاجتهاد وبين أهل الاجتهاد، والحدود التي يقف عندها المجتهد.

استمر الإمام الشافعي في نشر مذهبه وطريقته الجديدة في العراق، ثم واصل الانتقال إلى الأمصار المختلفة حتى أسس مذهبه ورسخه، وبدأ المذهب يأخذ مسار التطوير والتجديد.

اتجه الإمام الشافعي إلى مصر وبقي بها زمناً، ونشر فيها مذهبه الجديد المستقل عن مذهب الإمام مالك، ولكنه لم يتعرض بالنقد لمذهب الإمام مالك، ولم يعيب عليه أو يصفه بالتزييف أو غيره.

كانت المذاهب الفقهية قبل المذهب الشافعي منها ما يأخذ بالحديث، ومنها ما يأخذ بالرأي وقد جمع المذهب الشافي بين الحديث والرأي، وكان مذهباً وسطياً معتدلاً، فتح الإمام الشافعي الآفاق أما المجتهدين والباحثين والدارسين، وترك إرثاً كبيراً من المصنفات الجامعة والشاملة، منها “الكتاب” أو “الرسالة” وهو أول مصنفاته جمع فيه بين أصول الفقه وأصول الحديث، ومصنف “جماع العلم” والذي تناول فيه الرد على منكري الأخبار، ومصنف “اختلاف الحديث” والذي تناول الرد على الشبهات المثارة بسبت تعارض الأحاديث وكيفية الجمع بينها.، وكتاب “الأم” وهو مجموعة من مؤلفات الإمام الشافي وغيرها الكثير، مما أثرى المكتبة الإسلامية والأدبية، ومما فتح أفاقاً للتجديد والانفتاح على رؤى مختلفة وبالغة العمق، بفضل ما قدمه من أطروحات متميزة وما تناوله من مسائل فقهية بالغة الأهمية، وقد رحل الإمام الشافعي إلى الرفيق الأعلى في الليلة الأخيرة من شهر رجب من عام مئتين وأربع من الهجرة، فجزى الله الإمام الشافعي عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعله نبراساً يهتدي به العلماء، وجعلنا نحن ممن يرون مواطن النور فيسيرون إليه ويعرفون مكامن الجهل والزلل فينصرفون عنهما.

وفي الختام

نسأل الله العظيم من فضله الكريم أنه كما جمعنا في هذا المقام المبارك، وهذا اليوم المبارك على عبادته وشرفنا بذكره أن يجمعنا في دار مقامته ومستقر جنته، ويجعلنا من ورثة الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ومن أرشيف الخُطَب السّابقة أيضًا

رأي واحد حول “خطبة الجمعة القادمة: الإمام الشافعي ودوره التجديدي في عصره “مكتوبة””

  1. هناك خطأ
    وهو أخذ الشافعي عن أبي حنيفة النعمان رحمهما الله تعالى
    لأن الإمام أبو حنيفة النعمان توفي في العام الذي ولد فيه الإمام الشافعي رحمه الله

    رد

أضف تعليق

تابعنا على فيس بوك ليصلك كل جديد -