خطبة عن استثمار الإجازة

شارك عبر:

خطبة عن استثمار الإجازة

نلتقي بكم مجددًا أيها الأفاضل، مع خطبة جمعة مكتوبة عن استثمار الإجازة، للشيخ صالح بن عبدالله العصيمي حفظه الله ﷻ.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب].

أما بعد.. فإنَّ أصدق الحديث كتابُ الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

الخطبة الأولى

أما بعد؛ أيها المؤمنون.. إنَّ قيمة كلِّ إنسان على قدر مطالبه التي يرونها، فإنَّ عامة الخلق جعلوا مطالبهم مقرونةً بقيم ما يحسنون، فقيل في ذلك: قيمة كلِّ أمرئ ما يحسنه.

وأهل المعرفة بالله يقولون: قيمة كل امرئٍ ما يطلبه. ذكره أبو العباس ابن تيمية الحفيد وتلميذه ابن القيم.

فإنما يشرف المرء ويرتفع بقدر ما يطلبه ويرموه، فقد جعل الله ﷻ زمنًا للمطالب وصيِّر عنده زمنًا للثواب عليها.

فأما زمن المطالب فهي حياة الدنيا.

وأما زمن الثواب عليها فهي دار الآخرة.

ممَّا يوجب على العبد أن يغتنم الدار الأولى في تحصيل مطالبه، ولا يسمو إلا إذا كانت المطالب عظيمة، فقد أشار الله إليها في قوله ﷻ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان]؛ فجعل ﷻ الزَّمن الأول المتضمِّن لليل والنهار زمنًا للإدراك المطالب العظيمة وأُسُّها الذكر والشكر، فجعلا لأجل ذلك فهما يتغايران ويخلف أحدهما الآخر ويبليان الأعمار فرصةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.

فإن هذين العمرين أجلُّ المطالب التي يسمو بها المرء في الدنيا والآخرة، ولأجل هذا عزَّ عند السلف مقدار زمنهم، قال الحسن البصري رحمه الله: أدركتُ أقوامًا أحدهم أشحُّ على زمانه من أحدكم بدراهمه ودنانيره.

وكانوا لا يفرغون شيئًا من الزمن إلا فيما ينفعهم ويقرِّبهم إلى الله ﷻ، ولا يشتغلون بسوى ذلك، كما قيل لعامر بن عبد قيس: قف نكلِّمك ساعة. فقال: إن الشمس لا تقف. أي إن الزمن يذهب ولا يرجع فلا ينبغي أن يجعله الإنسان إلا فيما يقربه إلى الله ﷻ.

وهذان الظرفان الزَّمنيان اللِّيل والنهار نعمة عظيمة على الخلق؛ إذ جعل الله فيهما فسحة للعمل ومرتعًا للأمل، فينبغي للعبد أن يعرف قدر هذه النعمة، وأن يصرفها فيما يقرِّبه إلى الله ﷻ، لئلَّا يلحقَه بعد ذلك حسرةٌ وندامةٌ عليها.

قال البخاريُّ رحمه الله: حدثنا المكي بن إبراهيم، أخبرنا عبدالله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ “نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصِّحَّةُ والفراغ”.

فكَرُّ الليل والنهار إن لم يعمرا بما ينفع البعد في هذه الدنيا فإنه يرجع على نفسه بالحسرة والندامة؛ إذ يرى ما لحقه من النقص عند ورود دار الثواب في الآخرة، وكيف لم ينفق أطرافهما وآناءهما فيما يقربه إلى الله ﷻ ويجد أجره.

ومن الحِكم العلوية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بما علَّقه البخاري ووصله أبو نعيم الأصبهاني في “الحلية” أنه كان يقول: يا أيها الناس، إنَّ الدُّنيا ولَّت مدبرةً، وإنَّ الآخرة جاءت مقبلة، ولكلِّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وهذه: خطبة عن إجازة منتصف العام «الإجازة الصيفية»

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا، والشُّكر له تواليًا وتترى…

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حقًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله برًّا وصدقًا.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أما بعد؛ أيها المؤمنون.. إن جلالة الزمنا وكونه مَحلًا للمطالب العالية يوجب على العبد أن ينفقه فيما يرجع عليه بذلك رفعةً وسمَّوا في الدنيا والآخرة، وليعلم المرء أنَّه إذا ذهب منه شيءٌ لم يستطع أن يردَّه، وأنَّ حياته إنَّما هي ذلك الزَّمن الذي يذهب ثمَّ لا يعود، قال الحسن البصريُّ: ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب منك يوم ذهب منك بعضُك فإذا ذهبت أيامك كلها ذهبت كلك، فقد وقت الله ﷻ للمرء أمورًا في هذه الحياة الدنيا، وجدير بالعاقل الحصيف أن يغتنم عمره فيما يقرِّبه إلى الله ﷻ.

ألا وإنَّ ممَّا دلَّت عليه الدَّلائل الشَّرعيَّة والقدريَّة إراحة الأبدان في أزمنةٍ اتفق الناس على تسميتها إجازةً أو عطلةً أو ما يجري مجرى ذلك، فإنَّ ذلك أمرٌ مأنوسٌ عقلًا وشرعًا، إلَّا أنَّه ليس محلًّا للبطالة والكسل ومعصية الله ﷻ، بل هو محلٌّ لتجديد روح الإنسان في إقباله على ما ينفعه، ولا ينبغي للمرء أن ينفق زمن إجازته في سوى شيئين:

  • أحدهما أمرٌ محبوب إلى الله ﷻ ويتقرَّب بهِ إليه.
  • والآخر أمرٌ مباحٌ يريح به نفسه ويغيِّر نمط حياته.

فإذا تعدَّى مَطلوبُه في إجازته هذين الأمرين فإنَّه ليس وراءَهما إلّا ما يعكِّر صفوه ويشوِّش قلبه ويبدِّل فؤاده.

فاحرصوا رحمكم الله أن تعنوا إجازاتكم أنتم وأبناؤكم بما يقرِّبكم إلى الله ﷻ بطلب ما يحبُّه الله ويرضاه كاشتغال الإنسان بحفظ القرآن أو طلب العلم أو زيارة الحرمين الشَّريفين أو صلة الأرحام أو غير ذلك من أنواع البرِّ الَّتي تضيق أوقاتنا عادةً عنها، فإذا وجد المرء فسحةً فلينفقها في مثلها، فإن كان بعد ذلك شيءٌ فليكن فيما أذن الله ﷻ به من التمتع بالمباحات من الارتحال في الأرض في بلاد المسلمين والتنزه فيها والتلذذ بأنواع اللذات التي أباحها الله ﷻ، فإن النفس إذا قُضيت إجازتها في مثل ذلك انتفعت وارتفعت، وإذا جعلت في غير ذلك فإنه لا يعود المرء منها إلا كسيف البال مشوَّش الخاطر مرهقًا بالذُّنوب والمعاصي، فقد أجمع أهل المعرفة بالله أنَّ الرَّاحة لا تُنال بالرَّاحة، فإذا ظنَّ المرء أنَّ إجازته ببطالته وكسله ومزيد نومه وتضييعه لأوامر الله ترجع عليه براحة البدن فذلك أمرٌ محالٌ عقلًا وشرعًا.

واعملوا رحمكم الله أنَّ من جعل هذا أصلًا أصيلًا في تنظيم حياته في أمر إجازته، سيجد لذَّتها ويحمد فائدتها ويعلم قدر جليل عائدتها، ومن كان غير ذلك فسيذوق في آخر أيَّامه بئس الذَّواق الَّذي صنعه لنفسه، فاهتبلوا إجازاتكم وفراغكم من أشغالكم فيما ينفعكم في الدُّنيا والآخرة.

وهنا: خطبة عن خلق الحياء.. لا يأتي إلا بخير

الدعاء

  • اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تهوَّن عليه بنا مصائب الدُّنيا.
  • اللهم متِّعنا بأبصارنا وأسماعنا وقوَّتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا.
  • اللهم لا تجعل الدُّنيا أكبر همَّنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم لا تجعل مُصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مُصيبتنا في ديننا، اللهمَّ لا تجعل مُصيبتنا في ديننا.
  • اللهمَّ آمن المسلمين في دورهم، وأصلح أئمَّتهم وولاة أمورهم، اللهم إنَّا نعوذ بك من شرِّ الأشرار وكيد الفجَّار، اللهم إنَّا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم.
  • اللهم فرِّج كرب المكروبين ونفِّس هموم المهمومين، واقض الدّين عن المدينين، وأطلق أسرى المسلمين، وأشف مرضانا ومرضى المسلمين.
  • اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].

وبعد؛ فكانت هذه يا أكارِم خطبة عن استثمار الإجازة؛ نسأل الله ﷻ أن تنتفعوا بها، وبغيرها من الخطب المنبريَّة التي نقدمها لكم على صفحات موقع المزيد.


شارك عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top