خطبة ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ مكتوبة ومُنسَّقة بالكامل

خطبة اليوم نسوقها إليكم في ضوء قول الحق ﷻ ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾؛ وعندما نُمعِن النظر بصرًا وقلبًا وعقلًا سنجِد المُراد العظيم من هذه الآية الكريمة، ومن خطبتنا اليوم.

فلنتوكَّل على الله، مُستعينين بالله ﷻ في إعداد وتنسيق وتقديم هذه الخطبة المبارَكة، ونبدأ.

خطبة: ادفع بالتي هي أحسن

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله رب العالمين، القائِل في مُحكم التنزيل ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾.

نحمدك ربي ونستعين بك ونستغفرك ونستهديك ونستنصرك ونتوب إليك. ونعوذ بك إِلَٰهنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

عِباد الله؛ من يهده الله فلا مُضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رحيم غفور، عفوٌ رؤوف.

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ﷺ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى

الحسنة والسيئة: كلمتان متقابلتان في القرآن الكريم، الحسنة تحمل معاني الإيمان والطاعة لربنا ﷻ في القول والعمل، والسيئة تحمل معاني العصيان لله ﷻ في القول والعمل، ولذلك يجب أن يسود العفو عند المقدرة ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ لأنه  دليل على كمال التقوى وهو من الأخلاق النبوية العالية التي ينبغي أن تترسخ في المجتمع ليسود التراحم والمودة والرحمة بين الناس.

وقد حرص الإسلام على إقامة مجتمع متماسك قوامه التعاون بين أبناء المجتمع ليكون كالجسد الواحد قوياً عزيزاً تسوده أجواء المحبة والأخوة بين المسلمين، لذلك وجّهنا الله ﷻ ونبيه الكريم إلى ما فيه صلاح المجتمع ونهى عن كل ما فيه فرقة وخلاف، فأمرنا الله ﷻ أن نعامل الناس بالحسنى وأن نختار الكلمة الطيبة التي تبني ولا تهدم، وتصلح ولا تفسد، وتجمع ولا تفرّق، وتسلك بنا سبل الهدى، وتجنبنا طريق الردى.

يقول ﷻ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وهذا أمر بحاجة إلى ضبط النفس، والمصابرة والرغبة بما عند الله ﷻ من الأجر والثواب العظيم، لأنه بعمله هذا يكون قد انتصر على الشيطان الذي يريد أن ينزغ بين الناس ويشيع بينهم العداوة والبغضاء، فالكلمة الطيبة هي شعار المؤمنين، ومنهاج الصالحين، جاء بها الأنبياء جميعاً بهداية وإرشاد من ربّ العالمين قال ﷻ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.

إن الحسنات يذهبن السيئات، لأن الحسنات نور والسيئات ظلمة، ولذلك أمرنا الله ﷻ بأن ندفع السيئة بالتي هي أحسن بما يجعل أهل السيئات يوقنون بأن هذا الدين هو السعادة في الدارين، ولا شك أن التغافل عن الزلات والتجاوز عن السيئات، باب عظيم من أبواب السعادة والتصالح مع النفس والمجتمع، ويغلق أبواب الشرور والفتن والمشاحنات.

بل إن الله ﷻ أمرنا أن نترفع عن ردّ الإساءة بمثلها، وأن يكون الإحسان هو سيد الموقف، فإذا صادف المسلم إساءة من أخيه فالواجب عليه أن يقابل ذلك بالصفح والعفو وكظم الغيظ، لأنّ ذلك من شأنه أن يزيل أسباب العداوة والبغضاء بين الناس، ويجعل مكان الاختلاف وفاقاً، وبدل التنازع ألفة، فقال ﷻ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.

قال ابن عباس رضي الله ﷻ عنه: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم.

فلا يعني الإحسان إلى الناس ومسامحتهم، أنه دليل ضعف في الشخصية، بل هو دليل على قهر النفس عن إظهار آثار الغضب، وعلى العزيمة الراسخة التي لا يقدر عليها إلا الأتقياء، روى البيهقي في شعب الإيمان بسنده أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله عنه تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه، فشجه فرفع علي بن الحسين رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله ﷻ يقول ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾.

فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: ﴿والعافين عن الناس﴾، فقال لها: قد عفا الله عنك، قالت ﴿والله يحب المحسنين﴾، قال: اذهبي فأنت حرة.

فالدفع بالتي هي أحسن وكظم الغيظ في النفس خُلق الأتقياء الأخيار وبها يصل الإنسان الى أعلى المراتب عند الله ﷻ، يقول النبي ﷺ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» — سنن أبي داود.

وقد ضرب لنا النبي ﷺ أروع الأمثلة في الإحسان إلى المسيء ومواقفه ﷺ مع صحابته الكرام في التغافل والإعراض عن زلاتهم وهفواتهم، شاهدة على عظيم رحمته ورفقه بالناس، وكانت من أهمّ الأسباب لتعلق قلوب المؤمنين بمحبة نبيهم ﷺ، يقول ﷻ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

ومن تلك المواقف قصة الأعرابي، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى عاتق رقبة رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك ثم أمر له بعطاء. — متفق عليه.

وقد بلغَ من إحسان النبي ﷺ، أنه كان يُحسن إلى أعدائه كما يحسن إلى المؤمنين، وتتجلى هذه الرحمة حين جاءه ملك الجبال في يوم الطائف وكان من أشد الأيام على النبي ﷺ، فقال له ملك الجبال: فَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» — متفق عليه.

وها هو ﷺ لا يرضَ أن يرد الكلمة السيئة بمثلها، بل يترفع مجاراة السفهاء والانجرار إلى مستنقعات أخلاقهم، فعن عائشة رضي الله عنها: أن اليهود أتوا النبي ﷺ، فقالوا: السام عليك، قال: «وعليكم» فقالت عائشة: السام عليكم، ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله ﷺ: «مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف، أو الفحش» قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: «أولم تسمعي ما قلت، رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في» — متفق عليه.

بل إن من عاش حياته يناصب النبي ﷺ العداء في سراً وعلناً، وخفية وجهراً، وكان أشد الناس على الإسلام والمسلمين في المدينة المنورة، ورأس المنافقين فيها عبد الله بن سلول، يستأذن عمر بن الخطاب النبي ﷺ في قتله، فيجيبه ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» — متفق عليه.

فهذه هي الأخلاق النبوية العالية التي ينبغي أن تترسخ في المجتمع ليسود التراحم والمودة والرحمة بين الناس.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

وإن من أعظم الأخلاق التي نحتاجها في زماننا خُلق التغافل عن الزلات والتجاوز عن السيئات، يقول الله ﷻ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فالإعراض عن الإساءة ومقابلتها بالإحسان باب عظيم من أبواب السعادة والتصالح مع النفس والمجتمع، وهو خُلقٌ يغلق أبواب الشرور والفتن والمشاحنات، وأما كثرة التدقيق الوقوف على كل زلةٍ وهفوة، سيجلب الشقاء على صاحبه، ويؤدي إلى وقوع العداوة والبغضاء بين الناس، وكثرة العتاب أمرٌ مذموم يُنفِّر الناس ويبعدهم.

وكما قال ابن الوردي:

وتغافل عن أمور إنه ** لم يفز بالمجدِ إلا من غفل

ويقول الإمام أحمد بن حنبل: تسعة اعشار حُسن الخُلق في التغافل.

ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، في كيفية التعامل مع الناس، فأما مع الخادم فيقول أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط. — صحيح مسلم.

ومما لا ريب فيه  أن الأمم تعيش بأخلاقها، والقرآن الكريم والحديث الشريف هما معدن كل خير في الحياة، السيئة تُدفع بالحسنة، والذي يعاديك عامله بالتي أحسن، فإذا به يصبح ولياً حميماً لك، والتعامل بين الناس لا يخلو من محبة وبغضاء، وخير علاج لكل آفات اللسان والسلوك في حياتنا أن نتمثل ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة..﴾ ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم..﴾  وبذلك ينتشر التسامح بين الناس، وتنقشع الكراهية، وتصبح الأسرة متماسكة، والمجتمع مثالياً كحال مجتمع الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم نتعلم فهم القرآن الكريم وتطبيق السنة المشرفة في حياتنا.


خُطَب ذات صِلة

بعد أن قدَّمنا لكم خطبة الجمعة أعلاه، والتي أتتكم بعنوان -في ضوء قول ربنا ﷻ- ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾. نوَدّ أن نطرح عليكم مقترحات أُخرى ذات صِلة بموضوع خطبة اليوم، قد تنال استحسانكم:

أضف تعليق

error: