خطبة عن أهمية التخطيط في حياة المسلم

نظرات في التخطيط؛ هذا هو عنوان خطبة الجمعة التي أعددناها لكم. خطبة عن أهمية التخطيط في حياة المسلم؛ مُعدَّة، مكتوبة كاملة وجاهزة للطباعة أو الإلقاء المُباشِر.

موضوع الخطبة قوي، ولكنه قد يكون جديد على مسامع بعض الخطباء الأكارم الذين اعتادوا على الحديث حول موضوعات بعينها على المدى الطويل. لكن فعلا الأمر يستحق الإطناب والتركيز.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الكريم الوهاب، الرازق من غير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعطى وأنعم، وتفضل وأكرم، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، معدن الكرم وهادي الأمم، ﷺ، وعلى آله وصحبه وأتباعه، ذوي الفضل الرفيع والمقام الأتم.

أما بعد، فاتقوا الله؛ فمن اتقى ارتقى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون: إن الإسلام دين الله الكامل؛ فلا تجد شيئا تتوقف عليه حياة الإنسان في ميادين هذه الحياة إلا وتجد للإسلام كلمته فيه، ولا عجب؛ فإن الإسلام جاء بما يكفل للناس الحياة الطيبة، ويحقق لهم السعادة، ويبعد عنهم الشقاء، وإن كل الكلمات التي يمكن أن تقال في هذا المعنى اختصرها اختصارا قول ربنا ﷻ: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾، وما أسهل سلوك ذلك الطريق الذي يصل بالإنسان إلى الحياة الطيبة والجزاء الأحسن! وما أبين تلك الآية التي دلت على ذلك الطريق!

فاسمعوا – عباد الله – تلك الآية سمع من يعقل، وتنبهوا لها تنبه من يتدبر، وألقوا لها أسماعكم إلقاء من يلقي السمع وهو شهيد، فإن الله ﷻ يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

فالسعادة التي تبحث عنها البشرية، والرقي الذي يجري وراءه الناس، والحكمة التي يبحث عنها الحكماء، وأخذوا يشرحونها بطرق يعسر في كثير من الأحيان فهمها، جاء بها القرآن في صورة التمام التي لا تماثلها صورة، وليس قبلها ولا بعدها ما يصل إلى حماها فضلا عن الوصول إليها؛ ليتحقق قول الله ﷻ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، وكان قول الله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، قدرا مقدورا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وما كان أسرع استيعاب أولئك الأميين الذين كانوا حول رسول الله ﷺ لشمول الإسلام وسعته، ورسالته ومقاصده، حتى كانوا أحكم من الحكماء، وأبين في بيان تلك المقاصد من البلغاء؛ فتجد أحدهم يشرح رسالة الإسلام ومقاصده السامية في كلمات جامعة؛ فكيف أن القرآن الكريم انتقل بأمة محمد ﷺ في سنوات معدودة انتقالا قد تعجز الأمم عن الوصول إليه في عقود! يقول ربعي بن عامر شارحا تلك الرسالة السامية: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

عباد الله: نستلهم من وحي حادثة الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وما فعل النبي ﷺ في هجرته مظهرا من مظاهر التخطيط؛ للوصول إلى نتيجة مضمونة النجاح بإذن الله، في حادثة قد تكون أخطر حادثة في تاريخ الإسلام، وهي حادثة الهجرة الشريفة، فقد أعد النبي ﷺ العدة من صاحب وراحلة ودليل، وناقل للأخبار وناقل للطعام وماح للآثار ومكان للاستتار عن الأعين ورصد الراصدين، وسلوك طريق غير الطريق التي يسلكها الناس في العادة.

وقبل ذلك كان قد أرسل أصحابه إلى المدينة المنورة مهاجرين، وقبل ذلك التقى بأهل المدينة وأرسل إليهم من يعلمهم ويعدهم للانتقال من حال إلى حال آخر، يكون فيه للمسلمين شأن غير الشأن الذي كانوا فيه.

وصدق ربنا ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم، إنه هو البر الكريم.

وهنا أيضًا: أسماء يوم القيامة ودلالاتها في القرآن الكريم.. خطبة جمعة مكتوبة مؤثرة جدا

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله- وانظروا إلى القرآن الكريم وهو يذكر خبر يوسف عليه السلام للنبي ﷺ وللمؤمنين والمؤمنات وهم قلة قليلة بمكة المكرمة، فيخبرهم عن تخطيط نبي الله يوسف عليه السلام وإدارته لسنوات الزرع والخير؛ ليكون ذلك سلامة لهم في سنوات المحل والشدة؛ فيقول ما أخبر الله ﷻ عنه: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ | ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ | ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.

فما كان ذلك إلا درسا للنبي ﷺ وأتباعه في التخطيط، وإشارة إلى أن نجاح الأمور يبدأ من حُسن التخطيط لها بإذن الله، وتلك سنة من سنن الله في الوجود ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾.

بل إن الإسلام – أيها المؤمنون- يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فيندب المؤمنين والمؤمنات إلى التخطيط للجيل الذي بعدهم، أو لمن يأتي من بعدهم من أولادهم؛ فيقول النبي ﷺ قولته المشهورة التي ينبغي أن تكون حاضرة في قلب كل إنسان: «لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس»، إنه رسول الله ﷺ الذي قال فيه ربه ﷻ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

هذا، وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

ولا يفوتكم الاطلاع على: خطبة: الآيات الكونية في القرآن الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى