حلم الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته — تربية قويمة

حلم الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته

لا ريْب في أن نمعِن الحديث حول حلم الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته وتسامحه. فهو النبي الذي بعثه ربه -جل شأنه- رحمة للعالمين، ومُتممًا لمكارم الأخلاق. ولنستقي من سيرته المطهَّرة عظيم الدروس والخِصال والأخلاق.

فقد بلغ النبي -عليه أْفضل الصلاة وأزكى السلام- في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله -جل شأنه- الغاية المثالية.

حلم الرسول ﷺ ورحمته

وكثيرة هي الدلائل على ذلك؛ فمنها على سبيل المثال لا الحصر:

ما جاي في البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته، فقال: ” فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».

وهذا أحد أعظم مظاهر حلم الرسول في الدعوة إلى الله -جل وعلا- وقد اقتضت حكمة نبينا محمد -صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها- أن يقسم تلك الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه.

وما جاء في حلم الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته أيضًا ما ورد في صحيح البخاري، وهذه المرَّة عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- حين قال «بعث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم من اليمن بذهيبة (ذهب) في أديم مقروظ (مدبوغ بالقرظ) لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (وهو عيينة بن حصن بن حذيفة) وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (زيد الخيل بن مهلهل الطائي) والرابع إما علقمة (ابن علاثة العامري) وإما عامر بن الطفيل.

فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم فقال: ” ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء؟ ” قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: “ويلك، أو لست أحقُّ أهل الأرض أن يتقي الله؟” قال: ثم ولى الرجل.

قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: “لا، لعله أن يكون يصلي” فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم: “إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم”. قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍ، فقال: “إنه يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

وهذا كذلك من مظاهر حلم المصطفى -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-.

ومِما جاء في صحيحي البخاري ومسلم أيضًا عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كنت أمشي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فضحك، ثم أمر له بعطاء».

وهذا من روائع حلم النبي -عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات- وصفحه الجميل، وحسن خلقه، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسى به الدعاة إلى الله -سبحانه-، والولاة بعده في حلمه، وخلقه الجميل من الصفح، والعفو، والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن.

وفيهما أيضًا (البخاري ومسلم) ما جاء عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- «أنه غزا مع رسول اللهّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول اللهّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تحت شجرة، وعلق بها سيفه، ونمنا نومةً، فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: ” إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله (ثلاثاً) ولم يعاقبه، وجلس».

وهنا نجد دلالة واضحة على قوة يقينه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- وحلمه على الجهال، وصبره على الأذى، وشدة رغبته في استئلاف الكفار؛ ليدخلوا في الدين الإسلامي. ولهذا؛ فقد ذُكِرَ أن هذا الأعرابي رجع إلى قومه وأسلم، واهتدى به خلق كثير؛ وهذا مما يؤكد أن الحلم من أعظم دعائم الحكمة وأركانها.

ومن عظيم حلم الرسول -عليه أْفضل الصلاة وأزكى السلام- عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيدمرهم الله، ويهلكهم، ولكنه ﷺ حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم، ولهذا قال الصحابي عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- «كأني أنظر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”» ~ البخاري.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: