حكم تخفيف المهر في الإسلام

حكم تخفيف المهر في الإسلام

حينما نتحدَّث عن تخفيف المهر في ديننا الحنيف، فلنعلم أنه أمر جلل، فانظر إلى كَمّ الخلافات والقضايا والحوارات التي لا تنفك من الحديث عنه؛ ولا ريْب، فالزواج الذي يمُر به المسلم والمسلمة يخطو خطوة لا بد منها نحو هذه المحطَّة، وهي المهر، ومن هنا تبدأ الأسئلة في الظهور للعلن، وتحتاج إلى الأجوبة.

ومنها: ما حكم تخفيف المهر في الإسلام؟

وهنا سوف نسوق إليكم ما ورد من علماء المسلمين الأجِلاء في هذا الشأن.

تخفيف المهر

نقرأ ونسمع ونرى -أحيانًا- أن أحد الآباء يزوِّج ابنته بشيءٍ يسير، ثم تذكره الصُّحف ومواقع الإنترنت. أتذكر واقِعَة: من يؤتمن على العرض لا يسأل عن المال؛ اتق الله في كريمتنا.

فهذا ليس شيئًا محمودًا ولا مرغوبًا فيه -كما جاء على لسان الشيخ صالح المغامسي-؛ وإنما تُعطى حقّها.

والعرب تقول: يُعطى النساء مهورهن كرامة.

فالمهر المراد به كرامة المرأة. وكونه يكون في أدنى حد، حتى يصل إلى أن يكون والي الفتاة غير مباليًا بأي شيء زوَّج فتاته، فهذا ليس مقبولا.

لكنه يكون معقولا، بمعنى أن يكون ملائِمًا لحال الزوجة “مكانتها”، ويُلائِم حال الزَّوج “قدرته الماديَّة ووظيفته”؛ ولا يكون مُبالغًا فيه.

والله جلَّ -وعلا ذكر- القِنطار، وهو أعظم ما كانت العرب تتعامل به؛ ثم قال «فلا تأخذوا منه شيئا».

فلما سمَّى الله -سبحانه- القِنطار [على خلاف في حديث عمر] أن امرأة ردَّت عليه وقالت أن الله -عز وجل- ذكر القنطار وما أراد أن يقلل المهر؛ وهذا حديث في ثبوته خلاف بين العلماء.

لكن المقود أن المهر لا يُراد به تعجيز الزَّوج ومنعه من أن يصل إلى الفتاة، ولكن لا بُد أن يُراد به إكرام الفتاة. فلابد من التوسّط.

وعمر بن الخطاب ‹رضي الله عنه وأرضاه› لما تزوَّج أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب أمهرها 40 ألفًا، وذلك لمكانتها، فهي بنت علي وبنت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-.

فالأصل أن المهر كرامة للمرأة، فلابُد أن يُحافظ على وضعه. لكن ما يأتي بعد ذلك من اشتراطات كثيرة من أهل العروس؛ فهذه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.

المهر في الكتاب والسنة

ومع مسألة تخفيف المهر يُلاحظ أيضًل مسألة أخرى عند كتابته، فنجِد أن من الناس من يُجامل عند كتابته. فالمهر اسم للمال الواجب لتلك المرأة على هذا الرجل بالنكاح أو الوطء.

وقد سماه الله -سبحانه- في القرآن الكريم صداقاً وأجراً وفريضة، فيجب إمضاء المهر الذي اتفق العاقدان على تسميته عند العقد، بصرف النظر عمّا كان كثيراً أو قليلاً.

وقد استحب العلماء تسميته اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودفعاً للخصومة.

فقد قال أبو بكر بن محمد الحسيني رحمه الله (المستحب ألا يعقد عقد النكاح إلا بصداق، اقتداءً برسول الله -ﷺ- فإنه لم يعقد إلا بمسمى ولأنه أدفع للخصومة).

وقد نقل بن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوب المهر، ولما نقل الإجماع بين وجوب تسميته فقال رحمه الله (أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق مسمى ديناً أو نقداً).

ومع هذا قد نجد بعض الناس من لا يُسمي المهر حقيقة إما مجاملة أو حياءً أو نحو ذلك… فقد تجده يدفع 100 ألف جنيه/ريال وإذا سُئِل عند كتابة العقد عن المهر، خالف وقال: المهر ألف “فقط”. وهذا كذب لا مسوغ له، بل هو مما يوقع في الحرج والخصومة.

وقد تأخذ العروس وأهلها المهر وقبل دخول الزوج بزوجته قد يطرأ لهم ما يصرفهم عن هذه الزيجة، وقد يكونون قد أنفقوا المهر ولم يبقى منه شيء. وإذا جحدوا ما أخذوه من الزوج وقالوا: ليس له علينا إلا المبلغ المُثبت في أوراق العقد. وقد يكون مثبت في أوراق العقد حينها 1000، بينما الخاطب قد دفع 100 ألف. وربما يكون أهل العروس قد بيتوا هذه النية، وربما يطرأ عن الزوج ما يصرفه عن الزواج قبل الدخول، ولو صدق الطرفان لكان خيراً لهم، ولا ما وقعوا في الخصومات والحرج.

لا حرج في عرض المولية على الكفيء

ومما قد يتحرج منه كثير من الناس في هذه الأيام هو تحرجه من عرض موليته على الكفيء. فقد تجد البعض من عنده مولية أو أكثر ولا يوفق بمن يترك بعضه للخطبة، وقد يأتيه -والعياذ بالله- من لا يرضى دينه أو خلقه، فيرده؛ ومع ذلك، تراه يتحرج من عرض مولياته على الأكفياء، وحينها تلبث المولية من عمرها سنين.

وربما فاتها قطار الزواج ورغب عنها الخاطبون. ولو عرضها وليها على كفيء أو أكثر لربما انتفى ذلك المحظور. بل إنك قد تجد من الأولياء من يعدُ عرض المولية سُبة وعارا، ويخشى أن يُظَن العيب والنخش في مولياته وهذا من القصور والخطأ.

إذ ليس عرض موليتك على الكفيء سبة وعاراً سواء قبل الكفيء أو لم يقبل. ولكم أسوة حسنة في السلف الصالح، فإذا رغِبت، فانظر، هذا الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي قام بهذا العمل من قبل ولم يتحرج. وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه باباً قال فيه (باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير).

عرض عمر بن الخطاب حفصة على الصحابة

ثم ساق بسنده حديث عمر -رضي الله عنه- وفيه أنه حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب نبينا محمد ﷺ وتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا.

قال عمر: فلقيت أبا بكر “الصديق” فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان -أي أشد موجدة؛ أي غضبا- فلبثت ليالي، ثم خطبها النبي ﷺ، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا.

قال عمر: قلت نعم.

قال أبو بكر: فإنه لم  يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها.

وقال المُحدِّث والعالم المسلم الحافظ بن حجر -رحمه الله- في شرح الحديث (وفيه عرض الإنسان ابنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه وأنه لا استحياء في ذلك)، (وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجا لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجا)، فليس من العار أو العيب أيها الولي أن تعرض موليتك على أهل الخير؛ فلست أعلم من عمر ولا أورع ولا آنف منه.

إلى هُنا نكون قد أوجزنا الحديث في مسألة تخفيف المهر ومسألة عرض المولية على الكفيء؛ نتمنَّى أن نكون قد أضفنا مع العلم إلى جعبتك ما يُرضيك في هذا الشأن.

أضف تعليق

error: