تعدد الشخصيات في المجتمع الواحد

للأجهزة التقنية نظام يعرف بتعدد الأنظمة، ومن خصائصه القدرة على التنقل وتشغيل عدد من أنواع النظم والبرامج. ونحن اليوم قد نكون كهذه الأجهزة أيضا، فغالبا ما تجد البعض يتحول في تقمص شخصيات جديدة بمجرد الخروج من محيط معارفه كشرط لحرية التنقل بين شخصية وأخرى، وقد ساهم ظهور الإنترنت في زيادة هذا الأمر لتتحول إلى ظاهرة لشخصيات متعددة تختبئ خلف أسماء وهمية لتمارس ما تريده دون اعتبارات اجتماعية أو رقابة قانونية قد تحد من حرية شخصيته الجديدة.

وبغض النظر عن هذه التحولات، إلا أن هذه الازدواجية في بعض الأحيان ساهمت بشكل لا إرادي في تغيير نظرتنا نحو أنفسنا والآخرين، وكذلك نحو الأشياء من حولنا؛ لأن الإحساس بامتلاك نواة لشخصية ثابتة وأحكام مسبقة ودائمة هو إحساس واهم كما يقول الفيلسوف هيوم.

نظام تعدد الشخصيات استطاع أن يظهر جوانب لشخصيات كثيرة كانت تختبئ خلف قضبان اجتماعية حتمت عليها البقاء في العتمة خوفا من أن تتحول إلى حكايات تلوكها ألسن الناس التي لا ترحم، فالأخبار التي تأتي من البعيد تخيف أكثر كونها متواترة ولهذا وصلت للقريب، ولهذا تخشى الناس رهبة الإفصاح عن سلوكياتها خوفا أن تسمع عنها من غيرها، وتتعمد في ممارسة ما تريد بعيدا عن أعين الناس، ففي السابق كان السفر يبيح للجميع ما لا يبيحه الجميع في مجتمعه، وعندما يعودون يفضلون دائما أن يرووا حكايتهم بأنفسهم.

حياة الإنسان هي سلسلة متصلة من التغييرات، والتمسك بالخوف من التغيير هو اعتياد هؤلاء على الاستمرار في ممارسة هذه الازدواجية كونهم امتلكوا ميزة تعدد الشخصيات هذه الأجهزة، لكن ما إن يبتعدوا قليلا عن الأعين التي تعرفهم حتى تجدهم قد تحرروا من القيود التي كانت تكبلهم وتمنعهم عن إحداث التغيير الحقيقي الذي يمارسونهم.

بقلم: سعود البشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى